أن يعلم وجودها صفة للعلم أو لغيره من الخصال، و لقد ضلّ عن الطريق من طمع أن يعرف أنّ زيدا حكيم أم لا، و هو بعد لم يفهم معنى الحكمة و حقيقتها، فالفضيلة مأخوذة من الفضل و هو الزيادة فإذا تشارك شيئان في أمر و اختصّ أحدهما بمزيد يقال: فضله و له الفضل عليه مهما كانت زيادته فيما هو كمال ذلك الشيء كما يقال: الفرس أفضل من الحمار بمعنى أنّه يشاركه في قوّة الحمل و يزيد عليه بقوّة الكرّ و الفرّ و شدّة العدو و حسن الصورة، فلو فرض حمار اختصّ بسلعة زائدة[1]لم نقل: إنّه أفضل من الفرس لأنّ تلك زيادة في الجسم و نقصان في المعنى، و ليس من الكمال في شيء و الحيوان مطلوب لمعناه و صفاته لا بجسمه، و إذا فهمت هذا لم يخف عليك أنّ للعلم فضيلة في ذاته، إن أخذته بالإضافة إلى سائر الأوصاف كما أنّ للفرس فضيلة إن أخذته بالإضافة إلى سائر الحيوانات، بل شدّة العدو فضيلة في الفرس و ليست فضيلة على الإطلاق، و العلم فضيلة في ذاته و على الإطلاق من غير إضافة، فإنّه وصف كمال اللّه سبحانه و به شرّف الملائكة و الأنبياء، بل الكيّس من الفرس خير من البليد فهي فضيلة على الإطلاق من غير إضافة.
و اعلم أنّ الشيء النفيس المرغوب فيه ينقسم إلى ما يطلب لذاته، و إلى ما يطلب لغيره، و إلى ما يطلب لذاته و لغيره، و ما يطلب لذاته أشرف و أفضل ممّا يطلب لغيره، و ما يطلب لذاته و لغيره أشرف ممّا يطلب لذاته فحسب، و المطلوب لغيره كالدراهم و الدنانير فإنّهما حجران لا منفعة فيهما و لو لا أنّ اللّه عزّ و جلّ يسّر قضاء الحاجات بهما لكانا و الحصى بمنزلة واحدة، و أمّا الّذي يطلب لذاته فالسعادة في الآخرة، و الّذي يطلب لذاته و لغيره فكسلامة البدن فإنّ سلامة الرجل مثلا مطلوبة من حيث إنّه سلامة عن الألم، و مطلوبة للمشي بها، و التوصّل إلى المآرب و الحاجات، و بهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذا في نفسه فيكون مطلوبا لذاته و وجدته وسيلة إلى دار الآخرة و سعادتها، و ذريعة إلى القرب من اللّه تعالى، و لا يتوصّل إليه إلّا به، و أعظم الأشياء رتبة في حقّ الآدميّ السعادة الأبديّة، و أفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها، و لا يتوصّل إليها إلّا بالعلم و العمل، و لا يتوصّل إلى العمل أيضا إلّا بالعلم
[1] السلعة- بالكسر- خراج في البدن كالغدة أو زيادة فيه.
بكيفيّة العمل، فأصل السعادة في الدنيا و الآخرة هو العلم فهو إذن أفضل الأعمال و كيف لا؟ و قد تعرف فضيلة الشيء بشرف ثمرته، و قد عرفت أنّ ثمرة العلم القرب من ربّ العالمين، و الالتحاق بأفق الملائكة و مقارنة الملإ الأعلى، هذا في الآخرة، و أمّا في الدّنيا فالعزّ و الوقار، و نفوذ الحكم على الملوك، و لزوم الاحترام في الطباع حتّى أنّ أغبياء الترك[1]و أجلاف العرب يصادفون طباعهم مجبولة على التوقير لشيوخهم لاختصاصهم بمزيّة علم مستفاد من التجربة، بل البهيمة بطبعها توقّر الإنسان بشعورها بتمييز الإنسان بكمال مجاوز لدرجتها، هذه فضيلة العلم مطلقا.
ثمّ تختلف العلوم كما سيأتي بيانه و تتفاوت لا محالة فضائلها بتفاوتها أمّا فضيلة التعليم و التعلّم فظاهرة ممّا ذكرناه، فإنّ العلم إذا كان أفضل الأمور كان تعلّمه طلبا للأفضل و كان تعليمه إفادة للأفضل، و بيانه أنّ مقاصد الخلق مجموعة في الدّين و الدّنيا و لا نظام للدّين إلّا بنظام الدنيا فإنّ الدنيا مزرعة الآخرة و هي الآلة الموصلة إلى اللّه عزّ و جلّ لمن اتّخذها آلة، و منزلا لا لمن اتّخذها مستقرّا و وطنا، و ليس ينتظم أمر الدّنيا إلّا بأعمال الآدميّين، و أعمالهم و حرفهم و صناعاتهم تنحصر في ثلاثة أقسام:
أحدها أصول لا قوام للعالم دونها، و هي أربعة: الزراعة و هي للمطعم، و الحياكة و هي للملبس، و البناء و هي للمسكن، و السياسة و هي للتأليف و الاجتماع و التعاون على أسباب المعيشة و ضبطها.
الثاني ما هي مهيّئة لهذه الصناعات و خادمة لها كالحدادة فإنّها تخدم الزراعة و جملة من الصناعات باعداد آلاتها و كالحلاجة و الغزل فإنّها تخدم الحياكة باعداد محلّها.
الثالث ما هو متمّمة للاصول و مزيّنة لها كالطحن و الخبز للزراعة و كالقصارة و الخياطة للحياكة و ذلك بالإضافة إلى قوام أمر العالم الأرضي مثل أجزاء الشخص بالإضافة إليه فإنّها ثلاثة أضرب: إمّا أصول كالقلب و الكبد و الدماغ، و إمّا خادمة لها كالمعدة و العروق و الشرائين و الأعصاب و الأوردة، و إمّا مكمّلة لها و مزيّنة كالأظفار و الأصابع و الحاجبين، و أشرف هذه الصناعات أصولها، و أشرف أصولها
[1] الغبي: القليل الفطنة، الجاهل.
السياسة بالتأليف و الاستصلاح و لذلك تستدعي هذه الصناعة من الكمال فيمن يتكفّل بها ما لا يستدعيه سائر الصناعات، و لذلك يستخدم لا محالة صاحب هذه الصناعة سائر الصنّاع، و السياسة في استصلاح الخلق و إرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدّنيا و الآخرة على أربع مراتب: الأولى- و هي العليا- سياسة الأنبياء و حكمهم على الخاصّة و العامّة في ظاهرهم و باطنهم، الثانية الخلفاء و الملوك و السلاطين و حكمهم على الخاصّة و العامّة جميعا، و لكن على ظاهرهم لا على باطنهم، الثالثة سياسة العلماء باللّه سبحانه و تعالى و بدينه الّذين هم ورثة الأنبياء عليهم السّلام و حكمهم على باطن الخاصّة فقط، و لا يرتفع فهم العامّة إلى الاستفادة منهم و لا ينتهي قوّتهم إلى التصرّف في ظواهرهم بالإلزام و المنع، الرّابعة سياسة الوعّاظ و حكمهم على بواطن العوام فقط. و أشرف هذه السياسات الأربع بعد النبوّة إفادة العلم و تهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة، و إرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة و هو المراد بالتعليم، و إنّما قلنا: إنّ هذا أفضل من سائر الحرف و الصناعات لأنّ شرف الصناعة يعرف بثلاثة أمور: إمّا بالالتفات إلى الغريزة الّتي بها يتوسّل إلى معرفتها كفضل العلوم العقليّة على اللّغويّة إذ تدرك الحكمة بالعقل، و اللّغة بالسمع، و العقل أشرف من السمع، و إمّا بالنظر إلى عموم النفع كفضل الزراعة على الصياغة، و إمّا بملاحظة المحلّ الّذي فيه التصرّف كفضل الصّياغة على الدباغة إذ محلّ أحدهما الذّهب و الآخر جلد الميتة و ليس يخفى أنّ العلوم الدينيّة و هي فقه طريق الآخرة إنّما تدرك بكمال العقل و صفاء الذكاء، و العقل أشرف صفات الإنسان كما سيأتي بيانه إذ به قبل الإنسان أمانة اللّه عزّ و جلّ و به يصل إلى جوار اللّه سبحانه، و أمّا عموم النفع فلا يستريب فيه أحد فإنّ نفعه و ثمرته سعادة الآخرة، و أمّا شرف المحلّ فكيف يخفى و المعلّم متصرّف في قلوب البشر و نفوسهم، و أشرف موجود على الأرض جنس الإنسان، و أشرف جزء من جوهر الإنسان قلبه، و المعلّم مشتغل بتكميله و تحليته و تطهيره و سياقته إلى القرب من اللّه عزّ و جلّ، فتعليم العلم من وجه عبادة للَّه عزّ و جلّ و من وجه خلافة للَّه عزّ و جلّ، و هو أجلّ خلافة، إذ بالمقاصد تفترق الأحكام، فإنّ اللّه تعالى قد فتح على قلب العالم العلم الّذي هو أخصّ
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله