لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان» [1] و قال ابنه الحسين سيّد الشهداء: «كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك و متى بعدت حتّى تكون الآثار هي الّتي توصل إليك، عميت عين لا تراك و لا تزال عليها رقيبا، و خسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيبا» و قال أيضا «تعرّفت لكلّ شيء فما جهلك شيء» و قال: «تعرّفت إليّ في كلّ شيء» [2] إلى غير ذلك ممّا ورد عنهم عليهم السّلام في هذا المعنى، نعم يمكن أن يزيد الانكشاف في الآخرة بقدر زيادة صفاء القلوب و زكائها.
قال أبو حامد: فإذا ارتفع الحجاب بالموت بقيت النفس ملوّثة بكدورات الدّنيا غير منفكّة عنها بالكلّيّة و إن كانت متفاوتة فمنها ما تراكم عليها الخبث و الصدأ فصار كالمرآة الّتي فسد بطول تراكم الخبث جوهرها فلا تقبل الإصلاح و التصقيل، و هؤلاء هم المحجوبون عن ربّهم أبد الآباد نعوذ باللّه منه، و منها ما لم ينته إلى حدّ الرّين و الطبع و لم يخرج عن قبول التزكية و التصقيل فيعرض على النار عرضا يقمع منها الخبث الّذي هو متدنّس به و يكون العرض على النّار بقدر الحاجة إلى التزكية و أقلّها لحظة خفيفة و أقصاها في حقّ المؤمنين كما وردت به الأخبار سبعة آلاف سنة و لم ترتحل نفس عن هذا العالم إلّا و تصحبها غبرة و كدورة ما و إن قلّت، و لذلك قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» [3] فكلّ نفس مستيقنة الورود على النار و غير مستيقنة الصدور عنها فإذا أكمل اللّه عزّ و جلّ تطهيرها و تزكيتها و بلغ الكتاب أجله و وقع الفراغ عن جملة ما ورد به الشرع من العرض و الحساب و غيره و كان له استحقاق الجنّة و ذلك وقت مبهم لم يطّلع اللّه عليه أحدا من خلقه
[1] الكافي ج 1 ص 97 تحت رقم 6.
[2] راجع دعاءه عليه السّلام في يوم عرفة في كتاب إقبال الاعمال للسيد بن الطاووس (ره).
[3] مريم: 72 و 73.
فإنّه واقع بعد القيامة و وقت القيامة مجهول فعند ذلك يشتغل بصفائه و نقائه عن الكدورات حيث لا ترهق وجهه غبرة و لا قترة لأن يتجلّى فيه الحقّ سبحانه و تعالى فيتجلّى له تجلّيا يكون انكشاف تجلّيه بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلّى المرآة بالإضافة إلى ما تخيّله و هذه المشاهدة و التجلّي هي الّتي تسمّى رؤية فإذن الرّؤية حقّ بشرط أن لا يفهم من الرّؤية استكمال الخيال في متخيّل متصوّر مخصوص بجهة و مكان فإنّ ذلك ممّا يتعالى عنه ربّ الأرباب علوّا كبيرا بل كما عرفته في الدّنيا معرفة حقيقيّة تامّة من غير تخيّل و تصوّر و تقدير شكل و صورة فتراه في الآخرة كذلك، بل أقول: المعرفة الحاصلة في الدّنيا بعينها هي الّتي تستكمل فتبلغ كمال الكشف و الوضوح و تنقلب مشاهدة و لا يكون بين المشاهدة في الآخرة و المعلوم في الدّنيا اختلاف إلّا من حيث زيادة الكشف و الوضوح كما ضربنا المثال في استكمال الخيال بالرّؤية فإذا لم يكن في معرفة اللّه إثبات صورة و جهة فلا يكون في استكمال تلك المعرفة بعينها و ترقّيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة و صورة لأنّها هي بعينها لا تفترق منها إلّا في زيادة الكشف كما أنّ الصورة المرئية هي المتخيّلة بعينها إلّا في زيادة الكشف، و على الجملة فاللّه سبحانه بذاته و جميع صفاته كما وصفه في كتابه و أخبر عنه نبيّه منزّه مقدّس عن الشبه و المثل و مشاكلة رسوم الحدثان، لا يشبه ذاته سائر الذّوات و لا صفاته جميع الصفات و أنّى يشبه ربّ أزليّ حيّ قيّوم أبديّ فرد وتر أحديّ لم يزل متّصفا بصفاته العليا متسمّيا بأسمائه الحسني إلها عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا و من أين يماثل مخلوقا عاجزا محدثا مكوّنا لم يكن في الأصل شيئا فخلقه بقدرته و أنشأه كما شاء بحكمته، و أحدث فيه صفات ناقصة متزلزلة غير مستقيمة فوكّل به أنواع الآفات و فنون النقائص و العاهات من البلايا المتنوّعة و الفتن و المحن المتفنّنة كالجوع و العطش و الغلق و الشبق و الحيرة و الضجر و القلق و الأدواء و الأمراض و العلل و الأسقام إلى ما لا يتناهى ثمّ أرهقه ورود مورد الممات و جرّعه مرارة كئوس الوفاة. و جعله على أثر ذلك رهين الجدث و التراب إلى وقت العرض و الحساب، ثمّ يبعثه في يوم يكلّ اللّسان عن وصف أحواله، و يعجز
البيان دون حصر أحواله لمواقف و مقامات يفرغ عنها معشر الصدّيقين و الأولياء بل خيار الرّسل و الأنبياء، و هلمّ جراًّ إلى أن يسكنه بحبوحة الجنان مع الرّوح و الرّيحان و الرّاحة و الرّضوان أو يحبسه في حصير جهنّم و أركان النيران بالخزي و الهوان و الشقاء و الخذلان، فليت شعري من أين يتصوّر هاهنا مماثلة أو كيف يمكن بين خالق وصفناه و مخلوق ذكرناه مشاكلة عند غمر غافل و سفيه جاهل فضلا عن ذوي العقول و أرباب الألباب تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون و المشركون و المشبّهة و الممثّلة و المعطّلون علوّا كبيرا.
نعم اقتضت الحكمة الأزليّة و الإرادة الأحديّة الإيجاد و الإبداع و الإنشاء و الاختراع فأنشأ أصناف الخليقة و أوجد أنواع البريّة على وفق مراده و مشيّته دون سابقة مثال في تكوين الكون و فطرته و قسّم إذ ذاك بني آدم من بينهم قسمين و ذرأهم من قبل الطاعة و المعصية فرقتين أشقياء و سعداء و مهتدين و أغوياء فنوّر أهل السعادة في هذه الحياة بنور المعرفة و الإيمان و ترك أهل الشقاوة في غمرات ظلمة الكفر و الطغيان ثمّ غدا في دار البقاء و مقام الرّؤية و اللّقاء يتمّ لهم ذلك النور و الضياء و إليه الإشارة بقوله تعالى: «نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا» [1] إذ تمام النور لا يؤثر إلّا في زيادة الكشف و لهذا لا يفوز بدرجة الرّؤية و النظر إلّا العارفون في الدّنيا لأنّ المعرفة هي البذر الّتي تنقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة و البذر زرعا و من لا نواة له فكيف يحصل له نخل و من لم يزرع البذر كيف يحصل الزّرع و كذلك من لم يعرف اللّه عزّ و جلّ في الدّنيا فكيف يراه في الآخرة، و لمّا كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلّي أيضا على درجات متفاوتة فاختلاف التجلّي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالإضافة إلى اختلاف البذر إذ تختلف لا محالة بكثرتها و قلّتها و حسنها و رديّها و قوّتها و ضعفها و كما أنّك ترى في الدّنيا من يؤثر لذّة الرّئاسة على المنكوح و المطعوم و ترى من يؤثر لذّة العلم و انكشاف مشكلات ملكوت السماوات و الأرض و سائر الأمور الإلهيّة
[1] التحريم: 8.
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله