کتاب المحجة البيضاء 4

العلم فلو كان شي‌ء أفضل من العلم و أنفس لكان اقترانه بالأكرميّة المؤدّاة بأفعل التفضيل أولى و بني اللّه سبحانه قبول الحقّ و الأخذ به على التذكّر به،

و التذكّر على الخشية و حصر الخشية في العلماء فقال: «سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى‌»، «و إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» و سمّى اللّه تعالى العلم بالحكمة و عظّم أمر الحكمة فقال:

«وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» [1] و حاصل ما فسّروه في الحكمة مواعظ القرآن و العلم و الفهم و النبوّة في قوله تعالى:

«وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ»، «وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [2]»، «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ» [3] و الكلّ يرجع إلى العلم و رجّح العالمين على من سواهم فقال سبحانه و تعالى: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ».

و قرن في كتابه العزيز بين عشرة:

بين الخبيث و الطيّب‌ «قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ‌ [4]»

و بين الأعمى و البصير،

و الظلمة و النور،

و الظلّ و الحرور،

و الحياة و الموت،

و إذا تأمّلت تفسير ذلك وجدت مرجعه جميعا إلى العلم،

و قرن سبحانه أولي العلم بنفسه و ملائكته فقال:

«شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ» و زاد في إكرامهم على ذلك أي الاقتران المذكور بقوله:

«وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» [5] و بقوله تعالى:

«قُلْ كَفى‌ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» و قال تعالى:

«يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» و قد ذكر اللَّه سبحانه و تعالى الدّرجات لأربعة أصناف للمؤمنين من أهل بدر

«إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ‌- إلى قوله-: لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ» [6] و للمجاهدين‌

«وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ‌ … عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً» [1]و لمن عمل الصالحات‌

«مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى‌» [7] و للعلماء في قوله تعالى:

[1] النساء: 95 و فيه‌

«فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً».

[1] البقرة: 269.

[2] مريم: 12.

[3] النساء: 54.

[4] المائدة: 100.

[5] آل عمران: 7.

[6] الأنفال: 2.

[7] طه: 75.

«يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» ففضّل أهل بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات و فضّل العلماء على جميع الأصناف بدرجات، فوجب كون العلماء أفضل الناس، و قد خصّ اللَّه سبحانه في كتابه العلماء بخمس مناقب:

الأوّل الإيمان‌ «وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا»،

الثاني التوحيد «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ»

الثالث البكاء و الحزن‌ «إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‌- إلى قوله-: وَ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ‌ [1]»

الرابع الخشوع‌ «إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ‌- الآية-»،

الخامس الخشية «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» و قال تعالى مخاطبا لنبيّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم آمرا له مع ما آتاه من العلم و الحكمة:

«وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [2]» و قال تعالى: «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ‌ [3]» و قال تعالى:

«وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ».

فهذه نبذة من فضائله الّتي نبّه اللَّه تعالى عليها في كتابه الكريم.

(فصل) [و أمّا الأخبار]

[نبويات في فضائل العلم من طريق العامة]

قال أبو حامد- رحمه اللَّه-: «و أمّا الأخبار

قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «من يرد اللَّه به خيرا يفقّهه في الدّين و يلهمه رشده‌ [4]».

و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «العلماء ورثة الأنبياء [5]»

و معلوم أنّه لا رتبة فوق رتبة النبوّة فلا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرّتبة.

و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «يستغفر للعالم ما في السماوات و الأرض[1]»

و أيّ منصب يزيد

[1] رواه الكليني في الكافي ج 1 ص 34، و الصدوق في الأمالي ص 37 و فيها

«من في السماء و الأرض»

، و أخرجه أبو داود في سننه كما في المتن ج 2 ص 285

[1] الإسراء: 107.

[2] طه: 114.

[3] العنكبوت: 49.

[4] أخرج شطره الأوّل ابن ماجة في سننه تحت رقم 220، و البغوي في المصابيح ج 1 ص 20. و مع شطره الثاني الطبراني في مسنده الكبير كما في مجمع الزوائد ج 1 ص 121، و البزاز أيضا كما في الترغيب ج 1 ص 92. و نقله العلامة المجلسي في البحار عن غوالي اللئالي.

[5] الكافي ج 1 ص 32، و أخرجه ابن ماجة تحت رقم 223، و أبو داود ج 2 ص 285 و الترمذي في حديث طويل من أبي الدرداء في أبواب العلم.
على منصب من يشتغل ملائكة السموات و الأرض بالاستغفار له و هو مشغول بنفسه و هم مشغولون بالاستغفار له.

و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «إنّ الحكمة تزيد الشريف شرفا و ترفع المملوك حتّى يجلس مجالس الملوك[1]»

و قد نبّه بهذا على ثمرته في الدّنيا و معلوم أنّ الآخرة خير و أبقى.

و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «خصلتان لا تكونان في منافق: حسن السمت و فقه في الدّين‌ [1]»

و لا تشكّنّ في الحديث لنفاق بعض فقهاء الزّمان فإنّه ما أراد به الفقه الّذي ظننته، و سيأتي بيان معنى الفقه، و أدنى درجات الفقيه أن يعلم أنّ الآخرة خير من الأولى و هذه المعرفة إذا صدقت و غلبت عليه بري‌ء بها من النفاق و الرياء.

و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «أفضل الناس العالم الّذي إن احتيج إليه نفع و إن استغني عنه أغنى نفسه‌ [2]».

و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «الإيمان عريان و لباسه التقوى، و زينته الحياء، و ثمرته العلم‌ [3]».

و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «أقرب الناس من درجة النبوّة أهل العلم و الجهاد، أمّا أهل العلم فدلّوا الناس على ما جاءت به الرّسل، و أمّا أهل الجهاد فجاهدوا بأسيافهم على ما جاءت به الرسل‌ [4]».

و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «موت قبيلة أيسر من موت عالم‌ [5]».

و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «النّاس معادن كمعادن الذّهب و الفضّة فخيارهم في الجاهليّة

[1]

جزء من مواعظ لقمان و فيه‌ «تجلس المسكين مجالس الملوك»

كنز الفوائد للكراجكي ص 214.

[1] رواه الشيخ في أماليه ص 22 و الصدوق في الخصال، و الراوندي في نوادره، و البغوي في المصابيح ج 1 ص 22. و أخرجه الترمذي في سننه باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة من أبواب العلم.

[2] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، و رزين أيضا كما في تيسير الوصول ج 3 ص 151 و مشكاة المصابيح ص 36.

[3] أخرجه الحاكم في تاريخ نيسابور من حديث أبي الدرداء. (م)

[4] أخرجه أبو نعيم في فضل العالم العفيف من حديث ابن عباس. (م)

[5] أخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء. (م)

شاهد أيضاً

إيران أعلنت اليوم لا مفاوضات قبل تلبية شروط إيران فكيف يقول ترامب انها تريد التفاوض

إيران أعلنت اليوم لا مفاوضات قبل تلبية شروط إيران فكيف يقول ترامب انها تريد التفاوض …