الرئيسية / مقالات متنوعة / هذه هي كأسنا وهذا هو عالمنا

هذه هي كأسنا وهذا هو عالمنا

 

 هذه هي كأسنا وهذا هو عالمنا

أحمد فؤاد

للإمام علي بن إبي طالب (ع) جملة فارقة وأصل بليغ من أصول الحياة والثبات في زمن الفتن، وهي قوله إن “الحق والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه”. وفي معرض حديث عن سيرة أمير المؤمنين(ع)، يقول الأديب المصري الشهير طه حسين في كتاب “علي وبنوه”: “ما أعرفُ جواباً أروعَ من هذا الجواب الذى لا يعصم من الخطأ أحداً مهما تكن منزلته، ولا يحتكر الحقَ لأحدٍ مهما تكن مكانته، بعد أنْ سلَتَ الوحي وانقطع خبر السماء”.

إذًا، فإن هذا المبدأ هو القادر على أن يوجه الإنسان في حياته، وأن يكون الرؤية التي يبنى عليها الموقف، والبوصلة التي تولد الإجابة الصحيحة على سؤال اليوم والمستقبل، مستجيبة لعظم التحدي القائم أمام الأمة كلها، وهو صراعنا الوجودي مع كيان العدو، ثم صراعنا الأخطر والأكبر مع الغرب الذي يدعم ويمول ويمد عدونا، وفي الوقت ذاته، يحاصرنا ويخنقنا ويمنع عنا كل مقومات النهوض.
..
في مثل هذه الأيام، يوم 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها الأشهر رقم 181، والخاص بتقسيم فلسطين، لتتوج خطط الغرب الاستعماري ــ بريطانيا والولايات المتحدة ــ أخيرًا، بمنح 57.7% من أرض فلسطين التاريخية إلى كيان العدو اللقيط، ثم تمنح 42% إلى سكانها وأهلها العرب، بينما منحت غالبية الأرض إلى عصابات اليهود، والذين لم يكونوا يستحوذون فعلًا، ورغم كل الجهد والأموال ومساعدات سلطات الانتداب البريطانية، على أكثر من 7% من مساحة فلسطين.

وفي الكواليس التي دارت عشية التصويت على هذا القرار، برز الدور الأميركي الوقح الذي استخدم ــ ولا يزال ــ غطاء الشرعية الدولية لتحقيق كل ما يطمع فيه أو يسعى إليه، من تأجيل التصويت المقرر أصلا قبل هذا الموعد، لإتاحة الفرصة أمام مواصلة ضغوطه على عدد من الدول لتبني موقفها، مثل ليبيريا والفلبين وهاييتي، لتؤمن الحصول على ثلثي أصوات الدول الأعضاء وقتذاك في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى الحد الذي دعا أول وزير حرب أميركي جيمس فورستال إلى القول إن الطرق المستخدمة للضغط ولإكراه الأمم الأخرى في نطاق الأمم المتحدة “كانت فضيحة”.

أما على الأرض، فقد ترجمت عصابات الكيان عاملين في منتهى الأهمية، لتحول القرار الأممي من كلمات على ورق إلى واقع قائم وحقيقة من لحم ودم، وتبين حجم الهوة السحيقة التي سقطت فيها الدول العربية، وعمق الفجوة بين رؤيتها وبين واقعها، وفي مواجهة كل ما جرى فإن الغضب المجرد دون قدرة ولا إمكانيات تسنده كان هو ردها الوحيد المتاح.

كان الدعم الأوروبي القائم بفعل دعايات وأكاذيب مذابح النازي ضد اليهود كبيرًا، وكان العمل العسكري قادرًا وقويًا وأكثر من جاهز، وبتكامل هذين العاملين استطاع الصهاينة ترجمة القرار الأممي والاستيلاء في النهاية على كل أرض فلسطين في حرب 1948، عدا الضفة الغربية وغزة، ومنح مناخ التعاطف مع مطالب اليهود الفرصة الكاملة لهم لممارسة واحدة من أوسع وأقذر عمليات التطهير العرقي بحق شعب بكامله، وبرر على نحو مجرم كل ما ارتكبوه بحق المدنيين العزل في فلسطين.

لم تعد كرة القدم مناسبة ترفيهية فقط، وخلال العقود القليلة الماضية، تحولت الكرة إلى صناعة واستثمار ذوَيْ عائد يفوق عددًا من المجالات والفرص الأخرى، كما تميزت عن كل استثمار بقدرتها على توجيه الحشود الهائلة التي تتابعها وتهتم بها، خصوصًا في محافل كبرى مثل كأس العالم، وتصبغ المنافسة بروح وطنية وقومية بالغة التعصب.

لم يترك الغربي وسيلة إلى الغزو الفكري لشعوب الأرض قاطبة إلا وأتاها وحاول الاستثمار فيها والاستفادة منها، وكانت الولايات المتحدة سباقة كعادتها في محاولات التأثير والفرض والتوجيه، لتحقيق مصالحها بأيسر السبل، ولعل حادثة تدخل وزير الخارجية الأميركي الأشهر هنري كيسنجر في كأس العالم 1978، لا تزال حاضرة في الأذهان وحيّة، حين تدخل الوزير الأميركي مباشرة ليمنح منتخب التانغو فرصة الفوز بالكأس، عقب زيارة إلى غرفة ملابس منتخب البيرو بين شوطي مباراتها مع الأرجنتين، ليخرج اللاعبون ويخسروا بستة أهداف نظيفة، كانت كافية لعبور الأرجنتين عقبة دور المجموعات والظفر بعد ذلك بالكأس، وكل هذا فقط لأن الولايات المتحدة أرادت تقديم دعم ورصيد للديكتاتور الأرجنتيني والحاكم العسكري للبلاد وقتها خورخي رافاييل فيديلا.

وهذا ليس أكثر من شاهد على ما يمكن للولايات المتحدة أن تبلغه لمحاولة التأثير أو الهيمنة، والانحطاط الذي تستطيع أن تنزل إليه، في سبيل هدف واحد، هو ضمان مصالحها وتمرير هيمنتها وتأكيدها، وفي المقابل لا تجني الشعوب المقهورة سوى الموت والدمار، فالأرجنتين مثلًا فازت عن غير جدارة بأول كأس عالم لها في 1978، لكن ثمن فرحة الشعب الأرجنتيني كان قاسيًا ومريرًا وطويلًا، تحت حكم الديكتاتورية العسكرية المدعومة أميركيًا، والتي استغلت الهدية الأميركية لسحق كل معارض وإسكات كل صوت ناقد لها.

كأس العالم 2022، والذي تستضيفه قطر، كأول دولة عربية تقام البطولة على أراضيها، يشهد من الظواهر ما لا يمكن تفويته أو التغاضي عنه، من وجود صهيوني كبير وضخم، رغم أن منتخبهم ليس حاضرًا بالأصل، ضمن محاولة جديدة تستهدف فرض هذا الوجود على العالم العربي، عقب اتفاقيات التطبيع الجديدة التي شملت أغلب دول الخليج.

الصهيوني مثل الأميركي تمامًا، تلميذه النجيب وابنه البار، وتعلم درس كيسنجر في مونديال 1978، ويريد ترجمة ما تحقق رسميًا باتفاقيات مع الأسر الحاكمة إلى تطبيع شعبي واسع، خصوصًا في الخليج، مستهدفًا اختراق الشعوب العربية وطمس وعيها، وكسر إرادتها، والنفاذ في الوقت ذاته إلى نسيجها الاجتماعي، وهو في الخليج هش للغاية، ويقوم على رغبات ومصالح الأسر الحاكمة المسيطرة.

لكن الرد الشعبي العربي والإسلامي كان مبهرًا في ذاته، رفض كامل لكل محاولات الحديث أو اللقاء مع الصحفيين والإعلاميين الصهاينة الحاضرين للحدث، ونبذ لكل ما يمت إليهم بصلة، ورفع أعلام فلسطين في مباريات فرقهم، إلى الحد الذي دعا مراسليهم للخروج متباكين كالتماسيح على ما يلاقونه من ازدراء واحتقار من جانب أي عربي متواجد في البطولة.

هذا الوعي والدعم الشعبي للقضية المركزية، هو لب البطولة الحالية ومكتسبها الأول، بجانب الألفة الحاضرة في موقف جماهير بعض الدول التي تريد قياداتها صنع عداوات افتراضية مع إيران، الجمهور كله صار فلسطينيًا، والرفض كله يتركز على عدو واحد، وهو موقف يكسر بقوة كل محاولات الأنظمة العربية المطبعة والخائنة، ويجعل من اتفاقاتها ومواقفها عورة، لا سبيل إلى تغطيتها، وقد بدت العورة فاضحة في حالة الأنظمة الخليجية بالذات، وباتت البطولة ككل إشهارًا للفضيحة، أكثر من محاولة للتغطية عليها.

ما يتبقى لنا، كعرب مؤمنين بالقضية والمقاومة والإنسان، هو فعل فلسطيني مكمل، وعلى الأرض، ينبت لنا من أرضها الإيمان المتجدد بإمكانية هزيمة هذا الكيان المصطنع، ينقصنا فعل يومي قادر على تصدير فكرة استحالة بقاء الكيان في أرضنا، وعمل دائب يترجم مزيج الغضب الواصل إلى حد الكراهية إلى حركة خلاقة، تتسرب حتى وإن لم تقصد، إلى الحياة اليومية المعاشة، وتسحب ذيولها على صفحة الواقع العربي، دافعًا لنا ورادعًا لأعدائنا، وعلى عكس المباريات التي لا تضيف ولن تنقص شيئاً من حقائق القوة العالمية أو رصيد أطرافها، فإن النقاط التي نحرزها في قضية الوعي هي الرصيد الفارق في صراعنا، هكذا تكون كأسنا، وهكذا يكون عالمنا.

 

فلسطين 

 

شاهد أيضاً

صور متنوعة ولائية