الأزمة المعرفية عند النخب السنية والعلمانية

د.علي المؤمن

تعاني النخب السنية والعلمانية من أزمة معرفية غالباً، تحول دون بسط الأرضية المناسبة للحوار مع الآخر المذهبي والآخر الفكري؛ فالنخب السنية لا تقرأ – غالباً – كتب الشيعة، وما تعرفه عنهم وعن تاريخهم وعقائدهم ومعارفهم، تأخذه مما كتبه المؤرخون والكتّاب والشيوخ السنة أو المستشرقون، وهم خصوم تقليديون للشيعة، إضافة إلى ما ينشره الخصوم من مقاطع فيديو ومقتطفات في وسائل التواصل، والتي هي مصدر لمضادات المعرفة وليس المعرفة.

والعلمانيون أيضاً لا يقرأون عن الإسلام وفكره المعاصر من كتب علماء الدين والمفكرين الإسلاميين المعاصرين، وما يعرفونه في هذا المجال هو ما كتبه العلمانيون وعموم خصوم الإسلام، إلا ماندر.

وبناء على علاقاتي الوثيقة بأصدقائي من نخب التيارات الثلاثة: الإسلاميون الشيعة، العلمانيون والسنة؛ أجزم أن بالنادر أن تجد مثقفاً علمانياً مطلعاً على كتب الفكر الإسلامي المعاصر، أو مثقفاً سنياً مطلعاً على كتب الشيعة، على العكس من علماء الدين والمفكرين والباحثين الإسلاميين الشيعة؛ فقراءاتهم للفكر العلماني والفلسفة الغربية الحديثة وأفكار العلمانيين العرب والإيرانيين، واسعة ومعمقة، فضلاً عن ملاحقتهم للمصادر السنية القديمة والمعاصرة في العقيدة والحديث والفقه والعلوم الإسلامية والفكر الإسلامي القديم والمعاصر والحركي والسلفي.

ولذلك؛ ألاحظ في المناظرات والندوات أن الباحث والمثقف السني، وكذلك المثقف العلماني، يقفان دائماً إنشائيان وشعاراتيان أمام عالم الدين أو المفكر أو الباحث والمثقف الشيعي.
وما أقوله هنا أمور حسية أعيشها بتفاصيلها منذ خمسة عقود، وفي جميع البلدان التي أقمت فيها. وقد كتبت عن بعض هذه المعايشات بخصوص النخب السنية في كتابي “المنظومة الطائفية”، وكذلك بخصوص النخب العلمانية في كتابي القادم “حراك الفكر الإسلامي في عالم متغير”. وقد ذكرت فيهما بعض النماذج المعروفة، ومنها مفكر سني يعد من الناقدين للتشيع والشيعة، لكني لم أجد في مكتبته الكبيرة الخاصة مصادر شيعية، كذلك أحد المفكرين العلمانيين الناقدين للموروث والخطاب الديني الإسلامي، لكنه لا يحفظ حتى آية واحدة من القرآن الكريم تخص الأحكام الشرعية التي ينتقدها هو باستمرار.
وعندما يقول الموروث بأن ((الإنسان عدو ما يجهل))؛ فإن الجهل هو واحد من أسباب تحامل النخب السنية على الشيعة، وتحامل النخب العلمانية على الشريعة الإسلامية، ولكن؛ فيما لو استطاعت النخب السنية والنخب العلمانية تجاوز أزمتهم المعرفية هذه؛ فسيكون الحوار السني – الشيعي، والحوار العلماني – الإسلامي الشيعي، مثمراً ومنتجاً منهجياً ومعرفياً، وستنعكس ثماره إيجاباً على التعايش الوطني وتقارب شرائح الأمة بكل عناوينها المذهيية والفكرية.

Check Also

إيران تعزز “الردع” وتفرض تغييرات لـ”طاولة المفاوضات”.. جاهزية قصوى وحوار من موقع متقدم

طالبت الجمهورية الإسلامية في إيران، مساء الثلاثاء، بإحداث تغييرات على مكان وشكل وحجم المفاوضات القادمة …