خطورة اتباع الجماعة دون بصيرة

[[ خطورة اتباع الجماعة دون بصيرة]]

رقم (25)

🔸 منتظر الأسدي

كثيراً ما تتردد في مجتمعاتنا بعض الأمثال والعبارات حتى تصبح، مع كثرة تداولها، وكأنها قواعد للحياة وموازين للحكم على الصواب والخطأ.

ومن هذه العبارات: «حَشْرٌ مع الناس عيد».
ورغم أنها قد تُقال أحياناً على سبيل المزاح أو الأنس بالآخرين، إلا أن تحويلها إلى منهج في التفكير والسلوك قد يقود الإنسان إلى خطأ خطير، وهو أن يجعل كثرة الناس معياراً للحق، فيفعل ما يفعلونه، ويترك ما يتركونه،

من غير أن يسأل: هل ما يفعله الناس صحيح أم خاطئ؟

وهنا تبدأ المشكلة؛ لأن الإنسان لا يُحاسَب على عدد من سار معهم، وإنما على اختياره وموقفه وعمله.

قد يقول أحدهم عندما يُسأل عن سلوك خاطئ:
لماذا تفعل ذلك؟

فيجيب: لأن الجميع يفعلونه!
فمنهم من يبرر سماع المحرمات لأن الكثيرين يسمعونها، ومنهم من يبرر التبرج وترك الحجاب الشرعي لأن هذا هو السائد بين الناس، ومنهم من يتعامل بالربا أو الغش أو غير ذلك من المخالفات بحجة أن الناس جميعاً يتعاملون بهذه الطريقة.

لكن منذ متى أصبحت الكثرة دليلاً على الصواب؟
القرآن الكريم لا يجعل الأكثرية دائماً معياراً للحق، بل يقول:

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
(الأنعام: 116)
فالحق لا يصبح حقاً لأن كثيرين اتبعوه، والباطل لا يصبح حقاً لأن الناس اعتادوه.

بل إن أخطر ما في اتباع الجماعة بلا بصيرة أن الإنسان قد يفقد استقلال إرادته، ثم يجد نفسه يوم القيامة أمام مسؤولية لا يستطيع دفعها عن نفسه.

قال تعالى في وصف بعض أهل النار:
﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ۝ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ۝ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ۝ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ۝ حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾
(المدثر: 43–47)
لاحظوا التعبير القرآني الدقيق:
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾

فالخوض مع الناس قد يبدأ بتنازل صغير، ثم يتحول إلى عادة، ثم إلى ثقافة، ثم يصبح الإنسان تابعاً لما يفعله الآخرون دون أن يسأل عن العاقبة.

والإنسان حين يخوض بلا بصيرة قد لا يعود يرى، ولا يسمع النصيحة، ولا يزن الأمور بميزان العقل والشرع.

وقد عبّر القرآن عن هذا النوع من التبعية في موضع آخر بقوله تعالى:
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾

(الأحزاب: 67)
وهنا يظهر السؤال الأهم:
إذا كان الناس جميعاً على خطأ، فهل يصبح الخطأ صواباً لأننا أكثر؟
بالطبع لا.

فالحقيقة لا تُقاس بعدد الأتباع، كما أن الباطل لا يكتسب الشرعية من كثرة الممارسين له.

ولهذا جاء المنهج العلوي ليضع للإنسان قاعدة عظيمة في التمييز بين الحق والباطل، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:
«اعرف الحق تعرف أهله، ولا تعرف الحق بالرجال.»
والمعنى عميق جداً:
لا تجعل الأشخاص معياراً للحق، بل اجعل الحق معياراً لمعرفة الأشخاص.

فإذا عرفنا الحق عرفنا أهله، وإذا جعلنا الأشخاص ميزاناً للحق، أصبحنا أسرى للكثرة والشهرة والتقليد.
🍃 النتيجة
ليس المطلوب من الإنسان أن يخالف الناس لمجرد المخالفة، ولا أن يرفض كل ما هو شائع، وإنما المطلوب أن يمتلك بصيرةً تُمكّنه من التمييز.

فليس كل ما يفعله الناس خطأ، وليس كل ما تفعله الأقلية صواباً.

لكن المعيار الحقيقي هو:
الحق، والقرآن، والعقل، والقيم الأخلاقية، والتكليف الشرعي.

لذلك ينبغي أن نستبدل منطق:
«حَشْرٌ مع الناس عيد»
بمنهج أعمق:
«ليس المهم مع من تسير، بل إلى أين تسير، ولماذا تسير.»
فقد يكون الإنسان وحده في طريق الحق، لكنه ليس وحيداً ما دام مع الحق.

وقد يكون وسط جماعة كبيرة، لكن كثرتهم لا تنقذهم إذا كان الطريق الذي يسلكونه خاطئاً.

فالحق لا يُعرف بكثرة السائرين إليه، وإنما يُعرف بدليله، ومن عرف الحق لم تضره قلة السائرين معه.
.

شاهد أيضاً

علوم القرآن محاضرات القاها حجة الاسلام السيد محمد باقر الحكيم

وأحرفا وتصريفا، فمن زعم أن الكتاب مبهم فقد هلك وأهلك… ” (١). الثاني: الإحاطة بظروف …