الرئيسية / القرآن الكريم / تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة النساء

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة النساء

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

78

ثم لماذا الفرار من القتال؟ ألِخوف الموت؟ فإنّ الموت لا محالة يدرك الإنسان ((أَيْنَمَا تَكُونُواْ)) من الأماكن ((يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ ))، أي يلحقكم وينزل بكم ((وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ )) البروج جمع بُرج، وهو القصر أو البناء المستحكم الذي يُرصد فيه للأعداء ويشرف منه على القادم والذاهب، والمشيّدة هي التي شُيّدت وبُنيت بإحكام، أي أن الموت لا يهاب البروج والقلاع والحصون والمراصد، ثم وصف سبحانه حالة هؤلاء الضِعاف الإيمان من المسلمين الذين قالوا (لو كُتِبَ علينا القتال) فإن دخائل نفوسهم تتلوّن ولا تبقى في جهة واحدة وإيمان راسخ ((وَ)) ذلك لأنه ((إِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ )) من نماء وزرع وبركة وتقدّم في الحرب وصحة وما أشبه ((يَقُولُواْ هَذِهِ )) الحسنة ((مِنْ عِندِ اللّهِ )) فإنه المتفضّل المُحسن ((وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ )) من غلاء وقحط وتأخّر ومرض وما أشبه ((يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ )) يارسول الله، فإن أصابنا بسببك، كما حكى الله سبحانه عن قدم ذلك، حيث قال سبحانه (وإن تُصيبهم سيّئة يطّيّروا بموسى ومن معه) ((قُلْ )) يارسول الله ((كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ )) فهو الذي يجذب وهو الذي يخصب وهو الذي يشفي وهكذا فليس مصدر الكوارث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ ))، أي ما شأن هؤلاء الضعاف الإيمان ((لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا))، أي بُعَداء عن فهم ما نحدّثهم به من القرآن الكريم.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

79

وحيث تبيّن أن مصدر الخير والشر هو الله سبحانه يبقى سؤال أن الشر ما يكون سببه، ولماذا يبتلي الله تعالى الإنسان بالشر والحال أنه سبحانه لا يريد بعباده إلا الخير؟ ويأتي الجواب ((مَّا أَصَابَكَ )) أيها الإنسان ((مِنْ حَسَنَةٍ )) كالزرع والرخص والصحة والغنى ((فَمِنَ اللّهِ )) أنه يتفضّل عليك بلا سبب وإن كان قسم منها أيضاً بسبب الأعمال الصالحة ((وَمَا أَصَابَكَ )) أيها الإنسان ((مِن سَيِّئَةٍ )) قحط وغلاء ومرض وما أشبه ((فَمِن نَّفْسِكَ )) فإنّ أعمالك الشريرة هي التي سبّبت إبتلائك بالسيئات والمصائب ((وَأَرْسَلْنَاكَ )) يارسول الله ((لِلنَّاسِ رَسُولاً )) فمهمتك تخص في التليغ ولا يرتبط وجودك بالمصائب والآفات -كما يزعم هؤلاء- بل العكس إنك منبع الخير ومبعث الهداية والصلاح ((وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا))، أي يكفي كون الله شاهداً على رسالتك وأنك لا ترتبط بالشرور، لا يُقال كيف يمكن إثبات أن الله يشهد على رسالته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والحال أن أحداً لم يسمع من الله ذلك لأنّا نقول الشهادة التكوينية بإجراء المعجزة على يديه الكريمتين من أكبر أقسام الشهادة.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

80

((مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ )) في أوامره وزواجره التي منها أمره بالجهاد -كما سبق في بعض الآيات- ((فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ )) لأن أمر الرسول هو أمر الله سبحانه (ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) ((وَمَن تَوَلَّى )) وأعرض عن أوامر الرسول فلا يهمّك ذلك يارسول الله ولا تذهب نفسك عليهم حسرات ((فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا)) تحفظهم عن المخالفة والتولّي كما قال تعالى في آية أخرى (فذكّر إنما أنت مذكّر لست عليهم بمسيطر).

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

81

ثم حكى سبحانه حال المنافقين الذين تقدّم بعض أحوالهم من أنهم يُبطئنّ عن الجهاد ويقولون “لولا أخّرتنا الى أجل قريب” وما أصابتهم من سيئة يطّيّروا بالرسول ((وَيَقُولُونَ )) هؤلاء أمرك ((طَاعَةٌ )) إنّا مستعدون لتنفيذه ومستسلمون له ((فَإِذَا بَرَزُواْ ))، أي خرجوا ((مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ ))، أي قدّر ليلاً ((طَآئِفَةٌ ))، أي جماعة ((مِّنْهُمْ ))، أي من هؤلاء المنافقين ((غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ )) فيتشاورون بينهم بالليل ليخالفوك وينقضوا أمرك ((وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ))، أي ما يتواطئون عليه ليلاً من نقض أمرك فيجازيهم على المخالفة والعصيان ((فَأَعْرِضْ )) يارسول الله ((عَنْهُمْ )) فلا تؤاخذهم بأعمالهم حتى تنشق صفوف المسلمين فإنهم إن أظهرتَ خباياهم شقّوا الصفوف وخالفوا علينا ((وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ )) فهو الذي ينصرك ويُعينك في جهاد الأعداء ((وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً)) فمن وكل إليه سبحانه أمره أنجزه أحسن إنجاز وأكمله أحسن إكمال.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

82

أفهل يظن هؤلاء العصاة الذين يخالفون الرسول ويبيّتون غير ما يقول أن الرسول يأمر وينهى عن نفسه دون أن يكون كلامه من الوحي، وأن القرآن من كلامه لا من كلام الله سبحانه، ولذا يسهل مخالفته، فإن كان هذا ظنّهم فهو خطأ محض إذ القرآن الذي يقرأه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنما هو من عند الله لا من كلام الرسول ((أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ )) تدبّراً عميقاً حتى يعرفوا أنه فوق كلام البشر ولا يمكن للبشر أن يأتي بمثله ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ)) حتى لو كان من عند الرسول -على عظمته- ((لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا)) لأن البشر مهما أوتي من الموهبة لابد وأن تختلف تعبيراته وتتفاوت أفكاره حسب الأزمان والظروف، فعدم الإختلاف في القرآن من جهة من الجهات أدلّ دليل على أنه ليس من كلام البشر وإنما هو من عند إله حكيم.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة النساء

83

ويعود السياق الى حالة هؤلاء المنافقين الذين تقدّمت بعض صفاتهم فقال سبحانه ((وَإِذَا جَاءهُمْ ))، أي جاء هؤلاء ((أَمْرٌ ))، أي شيء ((مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ )) من ظهور المؤمنين على عددهم الموجب للأمن أو إنهزام المسلمين الموجب للخوف ونحو ذلك من كل شيء يوجب أمناً أو خوفاً ((أَذَاعُواْ بِهِ ))، أي أفشوه في الأوساط فقد كانت الأخبار المختلفة تُذاع وتُنشر في المدينة لغرض الدعاية للمسلمين أو عليهم فكان هؤلاء الضعاف الإيمان يتلقفونها فوراً ويأخذون في إشاعتها من دون نظر الى عاقبة الأمر والى أن الخبر هل هو صحيح أم لا، ومن الأمور الضرورية بالنسبة الى الحركات أن تكون أخبارها طي الدرس للقادة ليروا هل من الصلاح إشاعتها أم لا إذ كثيراً ما يكون الخبر مكذوباً وكثيراً ما يكون إشاعة الخبر المؤمّن ضد المصلحة -ولو كان صادقاً- حينما يقتضي الحال الحذر والإستعداد، وكثيراً ما يكون إشاعة الخبر المخوّف ضد الصلاح -ولو كان صادقاً- حينما يقتضي الحال التأمين لئلا يجبن الناس عن الإستعداد والحركة ((وَلَوْ رَدُّوهُ ))، أي أرجعوا ذلك الخبر الذي سمعوه ((إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ )) والمراد به الأئمة عليهم الصلاة والسلام والذين هم معنيون من قِبَل الرسول والأئمة، فإنه لا أولي الأمر إلا هؤلاء كما تقدّم ذلك ((لَعَلِمَهُ ))، أي لعَلِم ذلك الأمر صدقه وكذبه وكون الصلاح في نشره أو كتمانه ((الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ ))، أي يستخرجونه ((مِنْهُمْ ))، أي من أولي الأمر فلا يبقى الخبر مردداً بين الصدق والكذب ولا بين الصلاح في إشاعته وعدمه ولم يكن محل للظنون والأوهام ولم يرج -بعد- الأكاذيب لأنها تحت الرقابة ولم يقل “لعلموه” للإشارة الى علّة علمهم وأنهم بسبب إستنباطهم يعلمونه ((وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ )) أيها المسلمون، حيث يرشدكم الى مواقع الزلّة ومهاوي الخطأ ((لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ )) في ما يُلقيه عليكم من ما يوجب بلبلة صفوفكم وإنشطار كلمتكم ((إِلاَّ قَلِيلاً)) من الذين قويت عقولهم فلا يتّبعون خطوات الشيطان حتى إذا لم يكن رسول كما كان كذلك في زمن الجاهلية حيث أن بعضهم لم يكن يتّبع الشيطان بما أوتي من قوة العقل وسداد الرأي، فليس المراد -لولا فضل الله إطلاقاً- بل المراد الفضل الخاص.

شاهد أيضاً

الشيعة وفلسطين – عبد الستار الجابري – الحلقة الثالثة والعشرون

الشيعة وفلسطين – عبد الستار الجابري الموقف الشيعي الرسمي من طوفان الاقصى الحلقة الثالثة والعشرون – ...