– وفي البحار ( 1 ) عن النعماني بإسناده عن جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) عن أبيه ، عن جده ، عن الحسين بن علي ( عليه السلام ) قال : جاء رجل إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقال له : يا أمير المؤمنين نبئنا بمهديكم هذا ؟ فقال ( عليه السلام ) : إذا درج الدارجون وقل المؤمنون ، وذهب المجلبون ، فهناك . فقال : يا أمير المؤمنين عليك السلام ، ممن الرجل ؟ فقال : من بني هاشم ، من ذروة طود العرب وبحر مغيضها إذا وردت ، ومجفو أهلها إذا أتت ، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت ، لا يجبن إذا المنايا هلعت ، ولا يجوز إذا المؤمنون اكتنفت ، ولا ينكل إذا الكماة اصطرعت ، مشمر مغلولب ، ظفر ضرغامة حصد ، مخدش ذكر ، سيف من سيوف الله ، رأس قثم ، نشق رأسه في باذخ السؤدد ، وغارز مجده في أكرم المحتد ، فلا يصرفنك عن تبعته ( 2 ) صارف عارض ، ينوص إلى الفتنة كل مناص ، إن قال فشر قائل ، وإن سكت فذو دعائر . ثم رجع إلى صفة المهدي ، فقال : أوسعكم كهفا ( 3 ) وأكثركم علما وأوصلكم رحما ، اللهم فاجعل بيعته خروجا من الغمة ، واجمع به شمل الأمة . فإن جاز لك فاعزم ولا تنثن عنه إن وفقت له ، ولا تجيزن عنه إن هديت إليه هاه – وأومى بيده إلى صدره – شوقا إلى رؤيته . توضيح قال الفيروزآبادي : درج دروجا ودرجانا : مشى ، والقوم انقرضوا وفلانا لم يخلف نسلا أو مضى لسبيله . إنتهى . والغرض انقراض قرون كثيرة ، قوله ( عليه السلام ) : ذهب المجلبون أي المجتمعون على الحق ، والمعينون للدين أو الأعم . قال الجزري ، أجلبوا عليه إذا تجمعوا وتألبوا ، وأجلبه أي أعانه ، وأجلب عليه إذا صاح به واستحثه ، والطود بالفتح : الجبل العظيم ، وفي بعض النسخ بالراء وهو بالضم أيضا الجبل ، والأول أصوب ، والمغيض : الموضع الذي يدخل فيه الماء فيغيب ولعل المعنى أنه بحر العلوم والخيرات فهي كامنة فيه ، أو شبهه ببحر في أطرافه مغائض فإن شيعتهم مغائض علومهم . قوله ( عليه السلام ) : ومجفو أهلها أي إذا أتاه أهله يجفونه ، ولا يطيعونه ، قوله : هلعت أي صارت حريصة على إهلاك الناس ، قوله : ولا يجوز ، في بعض النسخ : ولا يخور إذا المنون أكسفت والخور : الجبن ، والمنون : الموت ، والكماة بالضم ، جمع الكمي وهو الشجاع ، أو لابس السلاح ، ويقال ظفر بعدوه ، فهو ظفر والضرغامة بالكسر : الأسد ، قوله : حصد أي يحصد الناس بالقتل ، قوله : مخدش أي يخدش الكفار ويجرحهم والذكر من الرجال بالكسرة القوي الشجاع الأبي ، ذكره الفيروزآبادي . وقال : الرأس أعلى كل شئ وسيد القوم ، والقثم ، كزفر : الكثير العطاء . وقال الجزري : رجل نشق إذا كان يدخل في أمور لا يكاد يخلص منها ، وفي بعض النسخ باللام والباء يقال : رجل لبق ككتف أي حاذق بما عمل ، وفي بعضها شق رأسه أي جانبه والبازخ العالي المرتفع . قوله : وغارز مجده ، أي مجده الغارز الثابت ، من غرز الشئ ، أي أدخله وأثبته ، والمحتد بكسر التاء : الأصل . وقوله : ينوص صفة للصارف ، وقال الفيروزآبادي : المناص الملجأ ، وناص مناصا تحرك ، وعنه تنحى وإليه نهض . قوله : فذو دعائر ، من الدعارة ، وهو الخبث والفساد ، ولا يبعد أن يكون تصحيف الدغائل ، جمع الدغيلة وهي الدغل والحقد . أو بالمهملة ، من الدعل ، بمعنى الختل ، قوله عليه السلام : فإن جاز لك . أي تيسر لك مجازا ، ويقال : انثنى ، أي انعطف . قوله ( عليه السلام ) : ولا تجيزن عنه أي إن أدركته في زمان غيبته ، وفي بعض النسخ : ولا تحيزن بالحاء المهملة والزاي المعجمة ، أي لا تتحيزن من التحيز عن الشئ بمعنى التنحي عنه ، ذكر كل ذلك المجلسي ( ره ) في البحار ثم قال : وكانت النسخ مصحفة محرفة في أكثر ألفاظها . أقول : تقدم ما يدل على المقصود ويأتي ما يدل عليه في كشف العلوم إن شاء الله تعالى . عزة الأولياء بظهوره ( عليه السلام ) في دعاء الندبة ( 1 ) : أين معز الأولياء ، ومذل الأعداء ؟ – وفي كمال الدين ( 2 ) عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : كأني بأصحاب القائم ( عليه السلام ) قد أحاطوا ما بين الخافقين ، ليس من شئ إلا وهو مطيع لهم حتى سباع الأرض وسباع الطير تطلب رضاهم في كل شئ ، حتى تفخر الأرض على الأرض وتقول مر بي اليوم رجل من أصحاب القائم ( عليه السلام ) . عذاب الأعداء – عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ( 3 ) في قوله تعالى : * ( ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ) * قال : العذاب خروج القائم ، والأمة المعدودة ، أهل بدر وأصحابه . – وقال علي بن إبراهيم ( 4 ) في قوله تعالى : * ( سأل سائل بعذاب واقع ) * ( 5 ) سئل أبو جعفر ( عليه السلام ) عن معنى هذا ؟ فقال : نار تخرج من المغرب . وملك يسوقها من خلفها ، حتى تأتي دار بني سعد بن همام عند مسجدهم ، فلا تدع دارا لبني أمية إلا أحرقتها وأهلها ، ولا تدع دارا فيها وتر لآل محمد إلا أحرقتها وذلك المهدي ( عليه السلام ) . أقول : يأتي ما يدل على ذلك في حرف القاف . عدله ( عليه السلام ) – أظهر صفاته الحسنة ، ولهذا لقب بالعدل كما في الدعاء المروي عنه ( 6 ) لليالي شهر رمضان ( 7 ) : اللهم وصل على ولي أمرك القائم المؤمل ، والعدل المنتظر . – وفي حديث أبي المروي في كمال الدين ، وغيره عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال في وصفه ( عليه السلام ) : أول العدل وآخره ( الخ ) ، يريد بذلك كمال عدله وقل ما يخلو حديث ذكر فيه عن ذكر عدله . – فعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في كمال الدين ( 1 ) : إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الاثنا عشر ، أولهم أخي ، وآخرهم ولدي . قيل : يا رسول الله ، ومن أخوك ؟ قال : علي بن أبي طالب . قيل فمن ولدك ؟ قال : المهدي الذي يملأها قسطا وعدلا ، كما ملئت جورا وظلما ، والذي بعثني بالحق بشيرا ، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد ، لطول الله ذلك اليوم ، حتى يخرج فيه ولدي المهدي ، فينزل روح الله عيسى ابن مريم ، فيصلي خلفه ، وتشرق الأرض بنوره ، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب . – وعن سيد الشهداء ( 2 ) قال : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم ، حتى يخرج رجل من ولدي ، فيملأها عدلا وقسطا ، كما ملئت جورا وظلما كذلك سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول . أقول : الأخبار في هذا المعنى متواترة جدا ، ونذكر بعضها فيما يأتي إن شاء الله تعالى ، والذي يظهر لي من تتبع موارد الاستعمال أن العدل أعم من القسط ، فإن القسط يستعمل في مقام توفية حق الغير ، مثل مقام أداء الشهادة والقضاء والكيل والوزن ونحوها ، والعدل يستعمل فيما يستعمل فيه القسط وفي غيره . وبعبارة أخرى : القسط لا يستعمل إلا فيما يرجع إلى الغير . والعدل يستعمل في ما يرجع إلى النفس والغير . فالعدل موافقة الحق مطلقا والقسط موافقة الحق في مورد الخلائق ، وإن شئت تصديق ما ذكرنا فارجع إلى الآيات الشريفة القرآنية المذكور فيها العدل والقسط ، والجور ضد القسط والظلم ضد العدل ، فالظلم هو التجاوز عن الحق مطلقا ، والجور هو التجاوز عن الحق الراجع إلى الغير . والأحاديث الواردة بهذا المضمون تدل على أن الحكام والرؤساء والقضاة يجورون في حكومتهم بين الناس في آخر الزمان ، وهم يظلمون أنفسهم وغيرهم أيضا ، وإذا ظهر القائم ( عليه السلام ) ، رفع الجور وعدل في الحكومة بينهم ، واجتث أصل الظالمين وفرعهم ، بحيث يشمل عدله جميع العالم فلا يظلم أحد أحدا .