22
الموعظة الثالثة والستّون: حِفْظ الإنسان بِصَوْن اللِسان
2. المِراء والمجادلة
وَرَدَ في الحديث عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): «لا يَستكمِل عبدٌ حقيقةَ الإيمان حتّى يَدَعَ المِراء، وإنْ كان مُحقًّا»[1].
3. الفُحش والسبّ واللعن
عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): «لَيْس المؤمن بالطعَّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء»[2].
وعنه (صلى الله عليه وآله): «إنّ مِن شِرار عِباد الله مَن تَكْرَه مُجالسته لِفُحْشِه»[3].
4. السُخرية والاستهزاء
قال الله -تعالى-: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسخَر قَومٞ مِّن قَومٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيرٗا مِّنهُم وَلَا نِسَاءٞ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيرٗا مِّنهُنَّ﴾[4].
5. إفشاء السرّ
السرّ مِن أعظم الأمانات، وإفشاؤه خِيانة، والله لا يحبّ الخائنين؛ وَرَد في الحديث النبويّ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لِأبي ذرّ (رضوان الله عليه): «يـا أبـا ذرّ، المجـالِس بِالأمـانَة، وإفشَـاءُ سِرِّ أَخيكَ خِيـانَة»[5].
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج2، ص138.
[2] الهيثميّ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ج1، ص97.
[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج22، ص131.
[4] سورة الحجرات، الآية 11.
[5] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج12، ص307.
435
421
الموعظة الثالثة والستّون: حِفْظ الإنسان بِصَوْن اللِسان
6. الكذب
مِن أعظم الخطايا، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أعظمُ الخطايا اللِسانُ الكَذوب»[1].
7. الغيبة
وَرَدَ النهْيُ الصريح عنها في القرآن الكريم بِقَوله -تعالى-: ﴿وَلَا يَغتَب بَّعضُكُم بَعضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَن يَأكُلَ لَحمَ أَخِيهِ مَيتٗا فَكَرِهتُمُوهُ﴾[2]. ورُوِيَ عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَن رَوى على مؤمن رِوايةً يُريد بها شَيْنَه وهَدْمَ مُروءته، لِيَسقط عن أعين الناس، أخرَجَه الله مِن ولايته إلى ولاية الشَيطان، فلا يَقْبله الشَيطان»[3].
عذاب اللِسان
رُوِيَ عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يُعذِّب الله اللِسان بِعَذابٍ لا يُعذِّب به شيئًا مِن الجوارح، فيقول: أيْ رَبِّ، عذَّبْتَني بِعذابٍ لم تُعذِّب به شيئًا، فيُقال له: خَرَجَتْ مِنك كلمة فَبَلَغَتْ مشارق الأرضِ ومغاربها، فَسُفِكَ بها الدمُ الحرام، وانتُهِبَ بها المالُ الحرام، وانتُهِكَ بها الفَرج الحرام. وعِزَّتي وجَلالي، لَأُعَذِّبنَّك بِعَذابٍ لا أُعذِّبُ به شيئًا مِن جوارحك»[4].
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج74، ص135.
[2] سورة الحجرات، الآية 12.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص358.
[4] المصدر نفسه، ج2، ص115.
436
422
الموعظة الثالثة والستّون: حِفْظ الإنسان بِصَوْن اللِسان
كيف نستفيد مِن اللسان؟
تَجِبُ العَودة إلى تَوجيهات النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) في كيفيّة الاستفادة مِن اللِسان، فقد وَرَدَ عنهم:
1. قَوْل الخير دائمًا
يقول -تعالى- في ذلك: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحسَنُ﴾[1].
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «مَن كان يُؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيَقُلْ خيرًا أو لِيَسْكت»[2].
2. ذِكْر الله
فاللِسان آلةُ ذِكْر الله. وقد وَرَد الأمر في الذِكر الحكيم، إذ قال -تعالى-: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكرٗا كَثِيرٗا﴾[3].
3. التفَكُّر قبل الكلام
وَرَد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا أَبْدَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا وَارَاهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ، لَا يَدْرِي مَا ذَا لَهُ وَمَا ذَا عَلَيْه»[4].
[1] سورة الإسراء، الآية 53.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص667.
[3] سورة الأحزاب، الآية 41.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص253.
437
423
الموعظة الثالثة والستّون: حِفْظ الإنسان بِصَوْن اللِسان
كيف نستفيد مِن اللسان؟
تَجِبُ العَودة إلى تَوجيهات النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) في كيفيّة الاستفادة مِن اللِسان، فقد وَرَدَ عنهم:
1. قَوْل الخير دائمًا
يقول -تعالى- في ذلك: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحسَنُ﴾[1].
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «مَن كان يُؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيَقُلْ خيرًا أو لِيَسْكت»[2].
2. ذِكْر الله
فاللِسان آلةُ ذِكْر الله. وقد وَرَد الأمر في الذِكر الحكيم، إذ قال -تعالى-: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكرٗا كَثِيرٗا﴾[3].
3. التفَكُّر قبل الكلام
وَرَد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «وَإِنَّ لِسَانَ الْمُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا أَبْدَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا وَارَاهُ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ، لَا يَدْرِي مَا ذَا لَهُ وَمَا ذَا عَلَيْه»[4].
[1] سورة الإسراء، الآية 53.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص667.
[3] سورة الأحزاب، الآية 41.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص253.
437
424
الموعظة الثالثة والستّون: حِفْظ الإنسان بِصَوْن اللِسان
4. الصَمت والسُكوت
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «مَن صَمَتَ، نَجا»[1].
وعنه (صلى الله عليه وآله): «الصَمت عِبادةٌ لِمَن ذَكَر الله»[2].
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «واجعلوا اللِسان واحدًا، وليَخْزن الرجل لسانه، فإنّ هذا اللِسان جَموح بِصاحبه. والله، ما أرى عبدًا يتّقي تقوًى تَنْفعه، حتّى يَخْتَزِن لِسانَه»[3].
وعن النبيِّ الأعظم (صلى الله عليه وآله): «إنّ أولياء الله سَكتوا فَكان سُكوتهم ذِكْرًا، ونَظَروا فَكان نَظَرهم عِبْرة، ونَطَقوا فَكان نُطْقهم حِكمة»[4].
وعن الإمام عليّ (عليه السلام): «إنَّ لله عبادًا كَسَرَتْ قلوبَهم خشيةُ الله، فأسْكَتَتْهُم عن النُطق، وإنّهم لَفُصَحاء عُقَلاء، يستبِقون إلى الله بِالأعمال الزكيّة…»[5].
أيُّهما أفضل: الكلام أم الصَمت؟
رُوِيَ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «السُكوت خير مِن إملاء الشرّ، وإملاء الخير خيرٌ مِن السُكوت»[6].
وسُئِل الإمام زين العابدين (عليه السلام) عن الكلام والسُكوت؛ أيُّهما أفضل؟ فقال (عليه السلام): «لكلِّ واحدٍ مِنهما آفات، فإذا سَلِما مِن الآفات،
[1] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج12، ص251.
[2] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج68، ص294.
[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص253.
[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص237.
[5] الشيخ الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج12، ص199.
[6] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج68، ص294.
438
425
الموعظة الثالثة والستّون: حِفْظ الإنسان بِصَوْن اللِسان
فالكلام أفضل مِن السُكوت». قيل: كيف ذلك يابْنَ رسول الله؟ قال (عليه السلام): «لأنَّ الله -عزَّ وجلَّ- ما بَعَثَ الأنبياء والأوصياء بالسُكوت، إنَّما بعثهم بِالكلام، ولا استُحِقَّت الجنّة بالسُكوت، ولا استُوجِبَتْ ولاية الله بالسُكوت، ولا تُوُقِّيَت النار بالسُكوت؛ إنّما ذلك كلّه بِالكلام»[1].
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألا وإنَّ اللِسان الصالح يَجعله الله لِلمرء، خيرٌ له مِن المال، يورِثه مَن لا يَحمده»[2].
وعن الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) في رسالة الحقوق: «وأمّا حقّ اللِسان فإكرامه عن الخَنى[3]، وتَعْويدهُ الخَيْرَ، وحَملُهُ على الأدب، وإِجْمامُهُ[4] إلّا لِمَوْضع الحاجة والمنفعة للدين والدُنيا، وإعفاؤه عن الفضول الشَنِعَةِ[5] القليلة الفائدة، التي لا يُؤمَن ضررها مع قِلّة عائدتها. ويعدّ شاهد العقل والدليل عليه، وتزَيُّنُ العاقل بِعَقله، (و) حُسْنُ سيرته في لسانه، ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم»[6].
[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج68، ص274.
[2] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص177.
[3] الخنى: الفحش في الكلام.
[4] الإجمام: الإراحة.
[5] الشنعة: القبيح.
[6] رسالة الحقوق للإمام زين العابدين. راجع: العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج71، ص11.
439
426
الموعظة الرابعة والستّون: الصِدْقُ مَنْجاة
الموعظة الرابعة والستّون: الصِدْقُ مَنْجاة
تعرّف قيمة الصِدق وأَثَرِه في تحصين الفَرْد والمجتمع.
محاور الموعظة
قيمة الصِدق وأهمّيّته
مِن آثار الصِدْق
الصِدق عَمَل الجنّة
تأثير الصِدق في حَياة الإنسان
بالصدق يَصلح السلوك
تصدير الموعظة
أمير المؤمنين (عليه السلام): «الصِدقُ صَلاحُ كُلِّ شَيء، والكَذِبُ فَسـادُ كُلِّ شَيء»[1].
[1] الشيخ الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص44.
440
427
الموعظة الرابعة والستّون: الصِدْقُ مَنْجاة
قيمة الصِدق وأهمّيّته
مُفردة الصِدق مُتّفَقٌ على حُسْنِها ومَدْحها وأهمّيّتها في المجتمعات البشريّة كلّها، فَهو زينة الحديث، ورمز الاستقامة والصَلاح، وسببُ النجاح والنجاة. وقد وَرَدَتْ آيات كثيرة في القرآن الكريم تتحدّث عن أهمّيّة الصِدق وقيمته ودَورِه في تحصين الشخصيّة، مُضافًا إلى ما وَرَدَ في الأحاديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام)، والذي يُعدّ الصِدق «رأس الإيمان[1]، ودعامة الإيمان[2]، ولِباس الدين[3]»، و«روح الكلام»[4]، و«فيه صلاح كلّ شيء». وقد كرَّم أهلُ البيت (عليهم السلام) هذا الخُلُق الرفيع.
قال -تعالى-: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَومُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدقُهُم لَهُم جَنَّٰتٞ تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا أَبَدٗا رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنهُم وَرَضُواْ عَنهُ ذَٰلِكَ ٱلفَوزُ ٱلعَظِيمُ﴾[5].
فَبَعد أن تَذْكر الآية ظاهرةَ انحراف النصارى عن دائرة التوحيد، وسؤال الله -تعالى- المسيح يوم القيامة عن سَبَبِ هذا الانحرافِ، وتبرئة المسيح لِنفْسه مِن هذه التُهْمة، تقول الآية: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَومُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدقُهُم﴾، وتُبيِّن ما يترتَّب مِن نتائج إيجابيّة وثواب عظيمٍ لِهؤلاء الصادقين، فتقول: ﴿لَهُم جَنَّٰتٞ تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ﴾.
[1] الشيخ الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص60.
[2] المصدر نفسه، ص22.
[3] المصدر نفسه، ص26.
[4] المصدر نفسه، ص18.
[5] سورة المائدة، الآية 119.
441
428
الموعظة الرابعة والستّون: الصِدْقُ مَنْجاة
ويُخاطِب الله المؤمنين جميعهم مِن موقع الأمر بِتَقْوى الله -تعالى- الذي يَقْترن بالصِدق، فَيَقول: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾[1].
كما يُبشِّر الله طَوائف عدّة بالمغفرة والثواب الجزيل، والطائفة الرابعة الصادقون والصادِقات، فيقول -تعالى-: ﴿إِنَّ ٱلمُسلِمِينَ وَٱلمُسلِمَٰتِ وَٱلمُؤمِنِينَ وَٱلمُؤمِنَٰتِ وَٱلقَٰنِتِينَ وَٱلقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلخَٰشِعِينَ وَٱلخَٰشِعَٰتِ وَٱلمُتَصَدِّقِينَ وَٱلمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰئِمِينَ وَٱلصَّٰئِمَٰتِ وَٱلحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُم وَٱلحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغفِرَةٗ وَأَجرًا عَظِيمٗا﴾[2].
ووَرَد في الحديث الشريف عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) -في بيان أهمّيّة الصِدق- قوله: «لا تَنظُروا إلى كَثْرَةِ صَلاتِهِم وَصَومِهِم، وَكَثْرَةِ الحَجِّ وَالمَعرُوفِ، وَطَنطَنَتِهِم بِالليلِ، وَلَكِن انظُروا إِلى صِدقِ الحَديثِ وَأَداءِ الأَمانةِ»[3].
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنّ اللهَ -عزّ وجلّ- لَم يَبعَثْ نَبيًّا إلّا بِصِدقِ الحَديثِ وَأَداءِ الأمـانةِ إِلى البرِّ والفـاجِرِ»[4].
[1] سورة التوبة، الآية 119.
[2] سورة الأحزاب، الآية 35.
[3] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص303. العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج68، ص9.
[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص104.
442
429
الموعظة الرابعة والستّون: الصِدْقُ مَنْجاة
مِن آثار الصِدْق
1. نَماء العمل
وَرَدَ عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تأثير الصِدق في أعمال الإنسان وسلوكيّاته جميعها قوله: «مَن صَدَقَ لِسانُهُ، زَكا عَمَلُهُ»[1]؛ لأنّ الصِدق يُمثِّل الجَذْر والأساس للأعمال الصالحة جميعها.
2. القُرب مِن الصالحين
في حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام) في كتابه إلى أَحَدِ أصحابه -ويُدعى عبد الله بن أبي يعفور- قال: «انْظُرْ مَا بَلَغَ بِهِ عَلِيٌّ (عليه السلام) عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ (صلى الله عليه وآله)، فَالْزَمْهُ، فَإِنَّ عَلِيًّا (عليه السلام) إِنَّما بَلَغَ ما بَلَغَ بِهِ عِنْدَ رَسولِ اللّهِ (صلى الله عليه وآله) بِصِدْقِ الحَديثِ وَأَداءِ الأَمانَة»[2].
3. النجاة
وَرَد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) حديثٌ يتحدّث فيه عن تأثيرِ الصِدق في نجاة الإنسان مِن الأخطار والمشكلات، يقول فيه: «الْزَموا الصِدق، فَإنّه مَنْجاة»[3].
4. حِفْظ الدين
عن أهمّيّة الصِدق، يَكفي أن نذكر الحديث الشريف الوارد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذ يقول: «الصِدقُ رَأسُ الدِينِ»[4]؛ فالحفاظ على الدين يَكون عن طريق الصِدق.
[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج 2، ص 104.
[2] المصدر نفسه.
[3] الشيخ ابن شعبة الحرانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، ص104.
[4] الشيخ الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص25.
443
430
الموعظة الرابعة والستّون: الصِدْقُ مَنْجاة
ويقول في حديثٍ آخر: «الصِدقُ صَلاحُ كُلِّ شَيء»[1]، و«الصِدقُ أَقوى دَعـائِمِ الإيمـانِ»[2]، و«الصِدقُ جَمـالُ الإنسـانِ ودعـامَةُ الإيمـانِ»[3].
ويُضيف (عليه السلام) إلى ذلك تعبيرًا مُهمًّا عن الصدق، فيقول: «الصِدقُ أَشرَفُ خَلائِقِ الموقنِ»[4].
الصِدق عَمَل الجنّة
وَرَد حديثٌ شريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتحدّث فيه عن مِفتاح الجنّة والنار، إذ جاء إليه رَجُلٌ، فَقـالَ: يـا رَسولَ اللهِ، مـا عَمَلُ الجَنَّة؟ قـالَ (صلى الله عليه وآله): «الصِدقُ؛ إِذا صَدَقَ العَبدُ بَرَّ، وإذا بَرَّ آمَنَ، وإذا آمَنَ دَخَلَ الجَنَّةَ». قالَ: يـا رَسولَ اللهِ، وَمـا عَمَلُ النارِ؟ قالَ (صلى الله عليه وآله): «الكذبُ؛ إِذا كَذَبَ العَبدُ فَجَرَ، وَإِذا فَجَرَ كَفَرَ، وإِذا كَفَرَ دَخَلَ النارَ»[5].
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطيهُنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدنْيا وَالآخِرَةِ: صِدْقُ حَديثٍ، وَأَداءُ أَمانَةٍ، وَعِفَّةُ بَطْنٍ، وَحُسْنُ خُلُق»[6].
تأثير الصِدق في حَياة الإنسان
1. الكذّاب كالميّت
عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الكَذّابُ والمَيِّتُ سَواءٌ؛ فإنَّ فَضيلَةَ الحَيِّ عَلى المَيِّتِ الثِقَةُ بِهِ، فَإذا لَمْ يوثَقُ بَكلامِهِ، فَقَد بَطلَتْ حَيـاتُهُ»[7].
[1] الشيخ الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص44.
[2] التميميّ الآمديّ، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص218.
[3] المصدر نفسه.
[4] المصدر نفسه، ص217.
[5] ورّام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام، ج1، ص43.
[6] الشيخ الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص74.
[7] التميميّ الآمديّ، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص220.
444
431
الموعظة الرابعة والستّون: الصِدْقُ مَنْجاة
2. جلالة القَدْر
الصِدق يَهَبُ صاحبَه شخصيّة اجتماعيّة مرموقة، فالإنسان الصادق يعيش حياة العِزّة والكرامة دائمًا، أمّا الكاذب فَيعيش حالة الدَناءة والحَقارة والانتهازيّة؛ لذا وَرَد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «عَلَيكَ بِالصِدقِ، فَمَنْ صَدَقَ في أَقوالهِ جَلَّ قَدْرُهُ»[1].
3. المحبّة والثِقة
الصِدق يُوطِّد أركان المحبّة، ويُعمّق وشائِج المودّة بين أفراد المجتمع، وبِذلك يُفضي على شخصيّة هؤلاء الأفراد نورًا وبهاءً أكثر؛ وَرَد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «يَكتَسِبُ الصادِقُ بِصِدقِهِ ثَلاثًا: حُسن الثِقَةِ بِهِ، والمَحَبَّة لَهُ، وَالمَهـابَة مِنهُ»[2].
بالصدق يَصلح السلوك
وَرَدَ في الحديث الشريف عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّه جاءَ رجلٌ إليه، فقال: أنا -يا رسول الله- أستسِرّ بِخِلالٍ أربع: الزِنا، وشرب الخمر، والسرقة، والكذب، فأيّتهنّ شِئْتَ تَرَكْتُها لك. فقال (صلى الله عليه وآله): «دَعِ الكَذِب»[3]. فلمّا ولّى هَمّ بالزِنا، فقال: يَسألني، فإنْ جَحَدْتُ نَقَضْتُ ما جَعَلْتُ له، وإنْ أَقْرَرْتُ حُدِدْت. ثمّ هَمَّ بِالسرقة، ثمّ بِشُرب الخَمر، ففكّر في مِثل ذلك، فَرجع إليه، فقال: قد أخذْتَ عَليَّ السبيل كلّه، فقد تَرَكْتُهُنّ أجمع[3].
[1] الشيخ الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص333.
[2] التميميّ الآمديّ، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص219.
[3] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج6، ص357.
445
432
الموعظة الخامسة والستّون: الحياء خُلق الإسلام
الموعظة الخامسة والستّون: الحياء خُلق الإسلام
بيان دور الحياء في تربية الإنسان في علاقته بربّه وبالناس.
محاور الموعظة
الحياء من الإيمان
إذا ذهب الحياء ذهب الإيمان
الحياء عاصم من العيب
مواطن لا حياء فيها
حياء أمير المؤمنين وبالغ زهده
تصدير الموعظة
رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنَّ لِكُلِّ دين خُلُقًا، وإنَّ خُلُق الإسلام الحياء»[1].
[1] الشيخ الطبرسيّ، مشكاة الأنوار في غرر الأخبار، ص234.
446
433
الموعظة الخامسة والستّون: الحياء خُلق الإسلام
من صفات المسلم الحريص على طاعة ربِّه «الحياء»، فإنَّهُ خَيْرٌ كلُّه، كما ورد في النصوص الشريفة، فينضبط المتديِّن في قوله وفعله وشكله ضمن الموازين الشرعيّة والأعراف المحمودة السائدة، وذلك بترك ما يُخجل منه. روي عن الإمام عليّ (عليه السلام)، قال: «وَاحْذَرْ كُلَّ عَمَلٍ يُعْمَلُ بِهِ فِي السِّرِّ، وَيُسْتَحَى مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ»[1].
الحياء من الإيمان
لا ننسى أنَّ ربَّنا سبحانه حَييٌّ، ونبيَّنا كان كثير الحياء موصوفًا بهذه الصفة حَتَّى أنَّهُ اشتُهر بها، رُوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الحياء من الإيمان، والإيمان من الجنَّة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النار»[2].
و«إنَّ لِكُلِّ دين خُلُقًا، وإنَّ خُلُق الإسلام الحياء»[3].
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «مَنْ كساه الحياء ثوبه خفي على النَّاس عيبه»[4].
وكتب الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أصحابه: «وعليكم بالحياء والتنزُّه عمَّا تنزَّه عنه الصالحون قبلكم»[5].
إذا ذهب الحياء ذهب الإيمان
روي عن علي (عليه السلام)، قوله: «لَا إِيمَانَ كَالْحَيَاءِ وَالصَّبْرِ»[6].
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص459.
[2] الشيخ ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، ص394.
[3] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل، ج8، ص465.
[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج8، ص23.
[5] المصدر نفسه، ص2.
[6] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص488.
447
434
الموعظة الخامسة والستّون: الحياء خُلق الإسلام
ورُوي عن مولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الحياء هو الدِّين كلُّه»[1].
وعن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تَبِعَهُ صاحبه»[2].
وعن الإمام الصَّادق (عليه السلام): «لا إيمان لِمَنْ لا حياء له»[3].
يقول الشيخ الأنصاري الذِي أوصى الإمام الخميني بقراءة كتابه (منازل السائرين): «قال الله -تعالى-: ﴿أَلَم يَعلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾[4].
في الآية إشعار بأنَّ الحياء ينشأ من الإيمان، وأنَّ الله يرى عبده «فإنْ لم تكن تراه فإنَّهُ يراك».
الحياء عاصم من العيب
روي عن علي (عليه السلام) قوله: «مَنْ كَسَاهُ الْحَيَاءُ ثَوْبَهُ لَمْ يَرَ النَّاسُ عَيْبَهُ»[5].
وعنه(عليه السلام): «مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ، وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ»[6].
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما كان الفُحْش في شيءٍ قط إلاَّ شانه، ولا كان الحياء في شيءٍ قط إلاَّ زانه»[7].
[1] المتّقي الهنديّ، كنز العمال، ج3، ص119.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص106.
[3] المصدر نفسه، ص106.
[4] سورة العلق، الآية 14.
[5] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص508.
[6] المصدر نفسه، ص536.
[7] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج68، ص334.
448
435
الموعظة الخامسة والستّون: الحياء خُلق الإسلام
وعنه (صلى الله عليه وآله): «إنَّ الله يُحبُّ الحيِيَّ المتعفِّف، ويُبْغض البذيء السائل المُلْحف»[1].
مواطن لا حياء فيها
1. التعلّم: عن الإمام علي (عليه السلام): «وَلَا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ»[2].
فالجهل مُردٍ، ومفتاح العلم المسألة والتعلّم، وما التخبّط والضلال إلا بترك العلم والمعرفة، والإنسان لم يولد عالمًا، فحياؤه بقاؤه جاهلًا «مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ»[3]. فلا بدّ له من رفع نقيصته، وبلوغه كماله من التزوّد بما يرفع ذلك ويرقيه إلى ما يليق به.
2. القول بغير علم: عن الإمام علي (عليه السلام): «وَلَا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ»[4].
و«مَنْ تَرَكَ قَوْلَ (لَا أَدْرِي) أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ»[5].
3. إعطاء القليل: عن الإمام علي (عليه السلام): «لَا تَسْتَحِ مِنْ إِعْطَاءِ الْقَلِيلِ، فَإِنَّ الْحِرْمَانَ أَقَلُّ مِنْهُ».
4. مواطن تحصيل الخير: عن الإمام علي (عليه السلام): «قُرِنَتِ الْهَيْبَةُ بِالْخَيْبَةِ، وَالْحَيَاءُ بِالْحِرْمَانِ»[6].
[1] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص39.
[2] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص483.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص106.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص482.
[5] المصدر نفسه.
[6] المصدر نفسه، ص471.
449
436
الموعظة الخامسة والستّون: الحياء خُلق الإسلام
5. وممّا يستحى منه: الفرار من الزحف: عن الإمام علي (عليه السلام): «وَاسْتَحْيُوا مِنَ الْفَرِّ فَإِنَّهُ عَارٌ فِي الْأَعْقَابِ، وَنَارٌ يَوْمَ الْحِسَابِ»[1].
حياء أمير المؤمنين وبالغ زهده
ما ورد عنه (عليه السلام) «وَاللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي[2] هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ أَلَا تَنْبِذُهَا عَنْكَ؟ فَقُلْتُ: اغْرُبْ[3] عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى»[4].
[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص97.
[2] المِدرعة: ثوب من صوف.
[3] اغْرُبْ: اذهب وأبعد.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص229.
450
437
الموعظة السادسة والستّون: العفاف وآثاره
الموعظة السادسة والستّون: العفاف وآثاره
زينب (عليها السلام) المخدّرة نموذجًا
بيان مفهوم العفاف، وحثّ المجتمع على التحلّي بهذه الصفة الجليلة.
محاور الموعظة
مفهوم العفّة
عوامل تنمية العفّة
العفّة الزينبيّة نموذجًا
تصدير الموعظة
﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ ٱلمُؤمِنِينَ يُدنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدنَىٰ أَن يُعرَفنَ فَلَا يُؤذَينَ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾[1].
[1] سورة الأحزاب، الآية 59.
451
438
الموعظة السادسة والستّون: العفاف وآثاره
إنّ العفّة تُعدّ واحدة من أمّهات الفضائل الأخلاقيّة الأربع (العفّة، الشجاعة، الحكمة، والعدالة)[1] ، وتبنى عليها الحياة الإنسانيّة والاجتماعيّة، لذا كان لهذه الفضيلة الأخلاقيّة آثار جليلة تنعكس على الشخصيّة الإنسانيّة في الدنيا والآخرة.
مفهوم العفّة
جاء في اللغة عن ابن منظور أنّها «الكفّ عمّا لا يحلّ ويَجمُلُ، عفّ عن المحارم والأطماع الدنيّة يعِفُّ عِفّة وعفَّا وعفافًا فهو عفيف، وعفّ أي كفّ»[2].
أمّا في الاصطلاح: فقد عرّفها النراقيّ، بأنّها «انقياد القوّة الشهويّة للعاقلة فيما تأمرها به وتنهاها عنه حتّى تكتسب الحرّيّة وتتخلّص من أسر عبوديّة الهوى».
وهي من الصفات الممدوحة لدى الناس، وأغلب الأخبار والروايات تُشير إلى عفّة البطن والفرج، وكفّهما عن مشتهياتهما المحرّمة، وهما من أفضل العبادات، وقد ورد عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام): «إنّ أفضل العبادة عفّة البطن والفرج»[3].
عوامل تنمية العفّة
1. الزواج: جعِل الزواج وسيلة لتهذيب هذه الشهوة وإشباعها، وقد
[1] انظر: الملّا هادي السبزواريّ، شرح الأسماء الحسنى، ج2، ص81.
[2] ابن منظور، لسان العرب، ج9، ص253.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص79.
452
439
الموعظة السادسة والستّون: العفاف وآثاره
جُعِلت شهوة الجنس في الإنسان من أجل: حفظ النسل البشريّ واستمراره، ولولا ذلك لما أقدم الإنسان على الزواج، ولما تحمّل العديد من المشاكل والصعوبات المترتّبة على وجود الولد والذرّيّة. ولهذا حثّ الإسلام على الزواج، وإليه أشار القرآن الكريم بقوله -تعالى-: ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلأَيَٰمَىٰ مِنكُم وَٱلصَّٰلِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم إِن يَكُونُواْ فُقَرَاءَ يُغنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضلِهِۦ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ﴾[1]، ويُقصد بالأيامى هنا العزّاب أي من لا أزواج لهم. وقد جاء عن الرسول (صلى الله عليه وآله): «إذا تزوّج العبد فقد استكمل نصف الدِّين فليتقّ الله في النصف الباقي»[2].
2. غضُّ البصر: أولى الله -تعالى- غضّ البصر أهمّيّة خاصّة بغية إرساء قواعد متينة وبناءها لتأسيس مجتمع عفيف، ولهذا نرى أنّه فصّل في الخطاب بين الذكر والأنثى عندما أمر بغضِّ البصر، للدلالة والإشارة إلى أهميّة الغضِّ ولما يتركه من آثار إيجابيّة على بناء النفس والمجتمع. والتكليف موجّه لكلٍّ من الرجل والمرأة على السواء، وقد بدأ توجيه الخطاب إلى الرجال قبل النساء تأكيدًا منه على الدور والمسؤوليّة الواقعة على عاتقهم وكأنّ بناء المجتمع العفيف يبدأ من غضِّ بصر الرجال أوّلًا، يقول -تعالى- في خطابهم ﴿قُل لِّلمُؤمِنِينَ يَغُضُّواْ مِن أَبصَٰرِهِم وَيَحفَظُواْ فُرُوجَهُم ذَٰلِكَ أَزكَىٰ لَهُم
[1] سورة النور، الآية 32.
[2] الشيخ الريشهريّ، ميزان الحكمة، ج2، ص1179.
453
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله