وأرواحُهما من روحٍ واحدةٍ، وإنَّ روحَ المؤمنِ أشدُّ اتّصالًا بروحِ اللهِ من اتصالِ شعاعِ الشمسِ بِها”1.
فالتآخي يُكسب المجتمع قوّة في جوانب عديدة منها:
1- القدرة العالية على تجاوز ما يعصف به من مُلمّات صعبة وفتن ومحن.
2- الارتقاء إلى قمّة البذل والعطاء والإيثار.
3- توحيد المنطلق الإيمانيّ في النظريّة والتطبيق.
4- سيادة روحيّة الجماعة واضمحلال روحيّة الفرد والشخصانيّة.
5- الحصانة الأخلاقيّة في اتجاهاتها الثلاثة مع الله تعالى ومع الناس ومع النفس.
ويُمكننا قراءة هذه الجوانب بأجمعها عبر التاريخ الممتدّ من زمن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مع صفوة أصحابه ومع أمير المؤمنين عليه السلام ومن خيرة من وقف معه في حربه وسلمه، وكذلك في حياة أصحاب الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام خصوصًا في كربلاء حيث اجتمعت كلّ معاني الأخوّة الجليلة والجميلة في تلك المواقف العظيمة المشهودة الّتي جعلت أصحاب السبط الشهيد عليه السلام في مقام خاصّ لا يبلغه غيرهم، وقلّدتهم وسام العطاء الأبديّ.
1- الكافي، ج2، ص133، ح4.
15 9 الفصل الأول: حقيقة الأخوة
لماذا سُمّوا إخوانًا؟
ليس خفيًّا على أحد من الناس ما معنى أن يكون المؤمن أخًا للمؤمن، لكنّ هذا الوضوح ظاهريّ، ما لم تنكشف حقيقة الأخوّة كما يراها الإسلام في بُعدها الجوهريّ كما حدّد معناها وأسّس مبناها وكشف عن عمق الارتباط بين الاسم والمسمّى، حيث يقول الإمام الصادق عليه السلام:
فمن يكون خائنًا لا يُؤتمن؛ ليس أخًا حقيقةً ولا تصحّ تسميته بذلك، ومن لا يراعي حقوق المودّة الّتي تدوم معها الأخوّة وتستمر بحيث يكذب على الآخر ولا يصادقه، فإنّ إطلاق اسم الصديق عليه ليس صحيحًا. وعليه لا تتحقّق الأخوّة بمجرّد أن يقول الإنسان للآخر أنت أخي بل بالقيام بما يمليه هذا الرابط الدينيّ المبارك عليه من التزامات لا يسوغ له تجاهلها وإلَّا خرج عن عهد الأخوّة إلى نقيضه وسمّي أخًا بالتجوّز لا الحقيقة.
لماذا تؤاخي؟
من الصواب أن نسأل أنفسنا لماذا نؤاخي فلانًا من الناس ونزهد بغيره، وربّما كان الجواب: لأنّه يحمل مؤهّلات أخلاقيّة عالية، وقد تمّ اختباره قبل اختياره،
1- بحار الأنوار، ج17، ص180.
16
10 الفصل الأول: حقيقة الأخوة
بينما الآخر لا رغبة بإقامة علاقة به لما هو معروف عنه من سوء السمعة، وربّما كان الجواب أيضًا أنّ لنا مصلحة ماليّة معه، ولذلك قدّمنا العلاقة به على غيره وآثرناه بما يحقّق لنا من نفع وكسب، رغم ما تنطوي عليه شخصيّته من رذائل الأخلاق، بحيث يصعب أن يكمل الإنسان طريق الأخوّة معه، وسرعان ما يتعرّض للتزلزل أو الشقاق، وربّما كان الجواب غير ذلك حيث إن تصوّر الأسباب الداعية للعلاقة بالناس لا تكاد تُحصى وتختلف من شخص إلى آخر. والّذي نريد تسليط الضوء عليه هنا ليس إلَّا ميزان اتّخاذ الإخوان كما أرشدتنا إليه الأحاديث الشريفة الواردة عن أئمّتنا عليهم السلام والّتي صنّفت نوعين من الأخوّة أحدهما مذموم والآخر مطلوب، والمستفاد هو طالما كان الدافع إلهيًّا ولوجهه تعالى فالأخوّة مرغوب بها، وإلَّا إذا كان دنيويًّا فهي مرغوب عنها.
ولذا، حريّ بنا أن نقف موقف السؤال لأنفسنا ونقول: “لماذا نؤاخي فلانًا دون فلانٍ؟”.
والحقيقة أنّ الأخوّة النفعيّة الدنيويّة هي عداوة، لأنّها تستبطن خيانة للطرف الآخر حيث لا تقوم على الصدق في بذل المودّة له لقاء ما حثّ عليه الدين الحنيف أو رجاء ثواب الآخرة، بل لأجل المكاسب التجاريّة والمصالح الزائلة. وليس غريبًا في حالة كهذه أن ينتهي الأمر بالفراق أو القطيعة حينما تنقضي المصالح أو عندما يوجد بديل عنه يُمكن الاستفاة منه أكثر من سابقه، فقد
17 11 الفصل الأول: حقيقة الأخوة
جاء عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:
“كلُّ مودّةٍ مبنيّةٌ على غيرِ ذاتِ اللهِ ضلالٌ، والاعتمادُ عليها مُحالٌ”1.
وعنه عليه السلام:
“الناسُ إخوانٌ فمنْ كانَت أخوّتهُ في غيرٍ ذاتِ اللهِ فهي عداوةٌ.
وذلك قوله عزّ وجلّ:
﴿الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلَّا الْمُتَّقِينَ﴾”2. وليس بالإمكان أن يُزان نجاح الأخوّة وفشلها بالغُنم والغُرم الدنيويّين، بل ما دامت لمحض المصلحة الدنيويّة فهي فاشلة يبوء صاحبها بالحرمان. جاء في الحديث: “من آخى في اللهِ غَنِمَ ومن آخى في الدنيا حُرِمَ”3.
ومن يوقن أنّ الآخر إنّما يزعم أنّه أخوه لكن ليس في الله فإنّ عليه الحذر منه والانتباه الدائم، صيانة لنفسه وحفاظًا على دينه. جاء في الخبر عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: