الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / القرآن صريح في جواز التبرك بآثار الانبياء والصالحين – سيد حسين الحيدري
jpg.206

القرآن صريح في جواز التبرك بآثار الانبياء والصالحين – سيد حسين الحيدري

التبرك بآثار الأنبياء والصالحين ليس من الشرك في شيء أبداً …وسوف لا نخوض في البداية بما فعله الصحابة والتابعون من المسلمين …
وما أكّده علماء الأمة على طول الزمان منذ الصدر الأول !!وإنما سوف نبحث ما يقوله القرآن حول هذا الموضوع …
القرآن الكريم والتبرك :إنّ القرآن الكريم أقرّ مسألة التبرك في آيات كثيرة :

 

 

1 – فقد ذكر تعالى قصة إرسال يوسف الصديق (ع) قميصه لأبيه كي يشفيه من عماه بقوله تعالى على لسان يوسف :

 

( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً )[1]
ثم أخبرنا القرآن بعدها قائلاً :
( فلما أنْ جاء البشير ألقاه على وجهه فارتدّ بصيراً ) [2]
وواضح أنّ يوسف استخدم القميص – الذي تبرك بجسده الشريف وكان يرتديه هو أثناء عبادته لله – لشفاء عيني أبيه …

ونحن نسأل بعض الأسئلة :
هل عمل النبي يوسف شرك ؟؟؟
وهل يعلمنا القرآن دروساً في الشرك ؟؟؟
ولو كان هذا العمل شركاً لما فعله الأنبياء،

 

ولما ذكره القرآن ممجداً لعملهم، ومادحاً ليوسف بقوله :
(وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث) . [3]

ولم جعل الله يوسف ع مع باقي الانبياء ع أسوة وقدوة لنا نتعلم منهم ؟

 

وذلك لقوله تعالى في سورة الأنعام آية 84 – 90 :

 

(ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوس)[ (84)….
– ثم يقول تعالى عنهم – (
ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عملهم) (88) ….
– ثم يقول جل وعلا عنهم –
(أولئك الذين هدى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه) (90) ] .

 

 

 

إذن يصح للمسلمين الاقتداء بالانبياء …
والنتيجة هي أنّ بركة قميص يوسف الذي لاصق جسده أّثرتْ في شفاء عينَي يعقوب عليه السلام كما هو صريح القرآن …

ثم نسأل الآن :
لماذا لم يدعُ يوسف الله لشفاء أبيه ؟؟؟
ولماذا لم يدعُ يعقوب ربه لشفاء عينيه وهو نبي أيضاً ؟؟؟
طبعاً من الواضح أنّ هناك حِكَماً في ذلك …
فإنّ الله أراد أنْ يبين لأخوة يوسف منزلة أخيهم يوسف عند الله تعالى كي يطيعوه ولا يعصوه …
وأراد أيضاً أنْ يبيِّنَ لهم أنّه من يُطِعِ الله يكرمه الله بحيث يجعل الله لجسده البركة فتظهر منه الكرامات والمعاجز …

ومثل تلك الحكمة تماماً نجدها فيما أوضحه الله من قصة نبيه سليمان (ع) …
حيث أراد سليمان بيان فضل وصيه آصف بن برخيا لقومه لئلا ينازعوه الخلافة من بعد موته …
فطلب نبي الله سليمان ع من قومه أنْ يأتوه بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين حيث كان يحكم في فلسطين …
علماً أنّ سليمان أفضل من آصف وصيه ،

 

وسليمان قادر أيضاً على أنْ يأتي بعرشها ،

 

لأنه يملك العلم الذي كان عند آصف بن برخيا وصيه …

ولنستمع إلى القصة من القرآن الكريم …
يقول الله تعالى في سورة النمل آية 38 – 40 :
( قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين *

 

قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين …

 

قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك …

 

فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ) .

 


فكما أنّ الحكمة لعدم جلب نبي الله سليمان ع هو بنفسه لعرش بلقيس إنما كانت لبيان فضل آصف وصيه …
كذلك فإنّ الله أراد بيان فضل يوسف ع لإخوته بهذه الكرامة التي أظهرها لثوبٍ كان يرتديه يوسف ع …
فكيف تكون كرامة نفس يوسف ع عند الله تعالى ؟؟؟

2 – وفي القرآن إشارة أخرى لتأثير جسد الرسل على حدوث البركة في التراب الذي يطئونه …

 

فقد ذكر القرآن رجوع موسى عليه السلام من مناجاة ربه فوجد قومه يعبدون العجل الذي صنعه السامري وكان له خوار، فاستفسر موسى ع منه :

 

﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)[4]
فإنّ السامري قد أخذ قبضةً من ترابٍ من أثَر قدم الرسول

 

او من تحت حافر الفرس الذي يركبه الرسول ،

 

فقذفها على العجل ، فصار له خوار …

 

إذن فالتراب الذي يطؤه الرسل ع تصير فيه بركة بحيث يكون له هذا التأثير العجيب في تمثال مصنوع من الفلزات .
صحيح أنّ السامري لم ينتفع بهذه الكرامة الإلهية في هداية الناس ، بل استغلها في إضلالهم …

قال البغوي في تفسيره للآية :
( { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ } أي من تراب أثر فرس جبريل،{ فَنَبَذْتُهَا } أي ألقيتها في فم العجل.
وقال بعضهم: إنما خار لهذا لأن التراب كان مأخوذا من تحت حافر فرس جبريل ) .

وقد قال السيوطي في الدر المنثور في ذيل هذه الآية :
( أخذ من تحت الحافر قبضة ، وألقى في روع السامري : إنك لا تلقيها على شيء فتقول كن كذا إلا كان ، فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر ) …

وقد نتعجب من تأثير وطء شخص كريم على الله في التراب الذي يطؤه بحيث يخرج الجماد صوتا …
فأقول إنّ هناك مشابه في الأحاديث النبوية يدل عليه ..
فقد قال النبي الأكرم (ص) لعلي (ع) :
(والذي نفسي بيده لولا أنْ تقول أقوام فيك – يا علي – ما قالت النصارى في عيسى بن مريم ، لقلتُ فيك مقالاً لا تَمُرّ بأحد من المسلمين إلا أخذوا التراب من أثر قدميك يطلبون به البركة) . [5]
فالنبي يحثُّ المسلمين على التبرُّك بالتراب الذي يطؤه الامام علي عليه السلام …

وقد يقول قائل :
إنّ ما ذكر من أدلة قرآنية إنما تشير إلى التبرك بآثار أشخاص أحياء ، كقميص يوسف (ع) ، فقد كان يوسف حياً …
أو كالتراب الذي أخذه السامري من تحتِ قدمِ رسولٍ حيٍّ …

فنقول في الجواب :
لا يوجد فرق في صحة التبرك بآثار الأحياء أو الأموات …
فلو كان التبرك شرك لكان في الحي والميت لانهم عباد لله في الحالتين …
ولكننا مع ذلك سوف نأتي بآيات تدل على صحة التبرك بآثار الماضين من الأولياء أيضاً …

3 – فقد ذكر القرآن الكريم أيضاً تبرك المؤمنين بآثار من مضى من الصالحين على وجه التمجيد والمدح ..

وأوضح مثال له في القرآن هو التبرك بتابوت بني إسرائيل …
حيث كانوا يخرجونه معهم في حروبهم لينتصرون به على عدوهم …
وأتصور أنّ الوهابيين لو كانوا في زمانهم لاتهموهم بالشرك وعبادة ذلك الصندوق الخشبي الذي يحتوي على آثار آل موسى وآل هارون كما نص عليه القرآن …
قال تعالى : ( وقال لهم نبيهم إن آية ملكة أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين )[6]
أقوال مفسري أهل السنة حول الآية :

ألف – قال الآلوسي في تفسيره (روح المعاني) حول هذه الآية في ذيلها في ج 2 ص 168 :
( عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه التابوت الذي أنزل على أم موسى فوضعته فيه وألقته في البحر وكان عند بني إسرائيل يتبركون به إلى أن فسدوا فجعلوا يستخفون به فرفعه الله تعالى إلى أن كان ما كان ) .

باء – ويقول الفخر الرازي في تفسيره ج 6 ص 188 في ذيل هذه الآية :

 

( المسألة الأولى : أن مجيء ذلك التابوت لا بد وأن يقع على وجه يكون خارقا للعادة حتى يصح أن يكون آية من عند الله ، دالة على صدق تلك الدعوى ، ثم قال أصحاب الأخبار : …. وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم ، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصرة ، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه ، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت ، قال ذلك النبي : إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره … ) .

طبعاً هناك اختلاف كثير حول ما كان في الصندوق من آثار آل موسى وهارون من قميص وعصي وغيرهما …
ولكن لا يوجد اختلاف في أصل عملهم في الاستعانة به على عدوهم وتبركهم بوجوده بينهم عند الحرب …

4 – وأما مسألة إذن الله في التبرك بآثار الصالحين الماضين في القرآن :

فقد قال تعالى في سورة النور الآية 36و37 :
( في بيوتٍ أذن الله أن تـُرفع ويذكر فيه اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة ) .

و قد روى الحفاظ والمفسرون عن أنس بن مالك و بريدة :
أنّ رسول الله (ص) لما قرأ قوله تعالى :
( في بيوت أذن الله أن تـُرفع …)
قام إليه رجل وقال : أيّ البيوت هذه يا رسول الله ؟
فقال (ص) : بيوت الأنبياء .
فقام إليه أبوبكر وقال : يا رسول الله وهذا البيت منها ؟ وأشار إلى بيت عليّ و فاطمة (ع) .
فقال النبي (ص) : نعم مِن أفاضِلها .
روى هذا الحديث :[7]

وأما معنى الرفع الذي أذن الله فيه في الآية الكريمة .
فلابد من الاستعانة بنفس القرآن الكريم لنفهم منه مراده تعالى من كلمة الرفع .
فقد ورد الرفع في القرآن الكريم على معنيين :

الأول: الرفع المادّي الظاهري ، والذي يتحقق بإرساء القواعد وإقامة الجدار والبناء ، كما في قوله سبحانه وتعالى:
( وإذ يَرْفـَعُ إبراهيمُ الْقَواعِدَ مِـنَ الْبَيْتِ وإسْماعيلُ…) [8]

والثاني : الرفع المعنوي ، كما قال عزَّوجلّ :
( ورفعناهُ مكاناً علـيَّـاً ) [9]

 

أي: منحناه مكانةً ومنزلة معنوية عالية …
فالمراد إذن من الرفع في آية
( أذن الله أنْ ترفع ) هو المعنين معاً …
وذلك لأنّ الله تعالى أطلق الحكم في الآية الشريفة بالإذن في الرفع بشكل عام …
ولم يحدده تعالى بأحد المعنيين كما فعل في الآيتين الأخريين اللتين ذكرناهما …

 

حيث أتى بقرينة في كلّ منهما تدلّ على مراده الخاص من الرفع فيها …
أما حينما يطلق الحكم بدون تقييد أو تخصيص فهو يدلّ بوضوح على العموم للمعنيين معاً وهما :

أولاً : الرفع المادي ، بالإذن في تشييد بيوت الأنبياء والأولياء و تعميرها مادياً ، في حياتهم وبعد وفاتهم …
ومعلوم أنّ مدفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين كان في بيوتهم …

وثانياً : الرفع والتعظيم المعنوي ، فالإذن برفعها أي بتكريمها و تبجيلها واحترامها وصيانتها وتطهيرها ممّا لا يليق بشأنها والتبرك بها وزيارتها …
ولقد بينت الآية الشريفة بعد ذلك الحكمة في إذنه تعالى برفعها …
وذلك لوجود الرجال الصالحين الذين يذكرون اللّه سبحانه فيها بالغدوّ والآصال …

وقد تقول :
كيف قلت بجواز التكريم والرفع في حياتهم وبعد الممات ؟

 

ألم يكن علياً وفاطمة أحياء حين تحدث النبي الأكرم بهذا الحديث ؟

 

إذن هو يدل على الجواز في حياتهما …

 

أما أنتم فتكرموهم بعد وفاتهم وهنا يرد الإشكال عليكم …

فنقول في الجواب :
إنّ الدليل على صحة التكريم بعد الممات أيضاً هو نفس هذه الرواية الشريفة …
حيث فَسَّـرَ النبيُّ (ص) هذه البيوت في البداية ببيوت الأنبياء …
والانبياء كانوا أموات وقد توفاهم الله في زمان تحدّث النبي (ص) بهذا الحديث في بيان معنى الآية …
فيكون الأمر برفع وتكريم بيوت الأنبياء بعد وفاتهم …
وبهذا تندفع شبهات الوهابية التي يزعمون فيها جهلاً منهم بالقرآن وبالسنة من أن تعظيم بيوت الأنبياء وأهل البيت بعد موتهم والتبرك بها شرك.

 

نعوذ بالله من الجهل الأعمى الذي أصاب هؤلاء الناس …

 

وهدانا ربنا لما يحبه ويرضاه وصلى الله على محمد وآله الطاهرين …

 

 

 



[1]سورة يوسف : 93 .

[2]سورة يوسف : 96 .

[3] سورة يوسف : 6.

[4]  طه : 95 .

[5]تاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام علي 1/226، وعلل الحديث لابن أبي حاتم 1/313، ومجمع الزوائد 9/131، ومسند أحمد بن حنبل 1/160، وشرح النهج لابن أبي الحديد 4/219، وفي طبعة أخرى بالقاهرة 18/282، وأرجح المطالب ص 454 وفي طبعة لاهور ص 598، والمناقب لابن المغازلي ص 304، والمقتل للخوارزمي ص 45، ووسيلة المتعبدين للملا عمر 5/172 طبع حيدر آباد، والروضة الندية للكحلاني ص 57طبع المكتبة الإسلامية.

[6]البقرة : 248 .

[7](1) السيوطي في (الدر المنثور) 5/ 50 طبع مصر وفي طبعة دار الفكر بيروت 6/ 203. قال: أخرجه ابن مردويه عن انس بن مالك وبريدة.
(2) الالوسي في (روح المعاني) 18/ 174 وفي طبعة المنيرية بمصر 18/ 157.
(3) الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) 1/ 410 حديث 567 و568 طبع بيروت.
(4) البدخشي في (مفتاح النجا) ص 12.
(5) شهاب الدين الشافعي في (توضيح الدلائل) ص 163.
(6) أبو حفص البغدادي في (عوارف المعارف) ص 261.
(7) ( أرجح المطالب ) لعبيد الله الحنفي الآمر تسري ص 75 طبع لاهور .

[8])البقرة: 127.

[9]) مريم : 57 .

 

شاهد أيضاً

1041881906

التقوى في القرآن – أهمّية التقوى في القرآن الكريم – مراتب التقوى

من الحقائق التي أشار إليها القرآن الكريم، أنّ التقوى لها مراتب متعدّدة، قال تعالى: (اتَّقُوا ...