الرئيسية / تقارير سياسية / 25 أيار انتصار المقاومة ودحر المشروع الصّهيوني- مصطفى قطبي
0

25 أيار انتصار المقاومة ودحر المشروع الصّهيوني- مصطفى قطبي

25 أيار2000 هذا التاريخ يصادف انسحاب القوات الصهيونية الاستعمارية من جنوب لبنان وانتصار المقاومة اللبنانية، وسجل نهاية الهيمنة العسكرية الصهيونية في بلاد الشام ومكن العالم العربي من تسجيل انتصار كبير له وكسر أسطورة الكيان الصهيوني. لم تعد رمزية الاحتفال بانتصار أيار مجرد ترسيخ لاندحار إسرائيلي مفصلي أسس لما بعده، بل هي ساحة جديدة للمواجهة في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة العربية. وجدير بمنظومة المقاومة ومحاورها الأساسية وتفرعاتها الجانبية أن تستحضر دفاترها المؤجلة وقد آن موسم استحقاقها الفعلي، وباتت تفرض أجنداتها باقتدار على جدول التداول الدولي من منظور الانقلاب الكلي في الحسابات وتعديل جوهري على المعادلة القائمة وقواعد الاشتباك فيها من البوابة السورية.‏

 

لقد اعتاد الكيان الصهيوني أن يكون هو المنتصر وهو الذي يحدد ساعة الصفر في كل حروبه وغزواته وهو الذي يحدد بداية ونهاية الحرب إلا أنه منذ عام 2000 تغير الحال وأصبح يحسب لكل تفكير بالعدوان ألف حساب. فقد أعاد انتصار المقاومة الاعتبار للحقيقة الأزلية بأن المقاومة تستطيع كما كانت عبر التاريخ المعاصر تحقيق استقلال الشعوب وتحرير الأرض وان تصون الحقوق.‏ ووفق الاعترافات والشهادات والوثائق الإسرائيلية المتزايدة، فإن هناك حقيقة كبيرة ساطعة تكرست على الصعيد الإسرائيلي وهي: إن إسرائيل منيت عملياً بهزيمة على يد حزب الله لن تنس على مدى الأجيال الإسرائيلية. ولهذا الاستخلاص المكثف في الميزان العسكري الاستراتيجي الإسرائيلي علاقة مباشرة بمفاهيم ”إسرائيل العظمى” والجيش الذي لا يقهر وكذلك بـ العقيدة والنظريات العسكرية والتفوق النوعي وقدرة الردع وكي أو حرق الوعي لديهم إذ سعت حكومة الاحتلال منذ النكبة 1948 إلى إنتاج رواية خاصة بها حول كل حرب بهدف التأثير في وعي الإسرائيليين أنفسهم واحتلال الوعي العربي والفلسطيني على نحو خاص، فضلاً عن احتلال الوعي العالمي.‏

 

وعليه فإنه من نتائج الحرب إفراز تيار إسرائيلي داخلي يعيد قراءة المشهد مطالباً بالعيش بجوار من لا يستمتع بجيرتهم في إشارة إلى حزب الله.‏ كما أن النتيجة اللاحقة التي أصابتها في مقتل أنها جعلت منه بطلاً ورمزاً على الصعيد القومي، ومنارة للمقاومين، وأحيت إسرائيل بذلك جذوة حماسية كانت قد انطفأت في الصدور، وأثبت التحدي أن الانتصار عليها أمر ممكن.‏ والشاهد أن الانكسار الذي أصاب إسرائيل إنما يدخل في علاقة تبادلية مع حال الولايات المتحدة، فالامبراطورية المنفلتة قد أصاب مشروعاتها عطب كبير في العراق، وأعمال المقاومة هناك أحبطت طموحاتها الامبريالية في التوسع، وقد جاء ذلك ليبسط ظله على إسرائيل وجيشها، ومن منطلق إن أميركا إذا كانت قد تعثرت على هذا النحو فلماذا تكون إسرائيل هي الغول الذي لا ينهزم.‏

 

وفي استعراض حصاد الفشل والخيبة يجد المرء أمامه صورة مريعة لجيش لم يؤمن إلا بالقوة العمياء وحدها لتحقيق مآربه غير أن ذلك الإيمان أصابه اليوم الصدع كما لم يصبه من قبل تقول الغارديان البريطانية على لسان ريتشارد نورتون: إن إسرائيل تتعلم اليوم الدرس الذي سبق لجيوش الدول الأخرى بما فيها الولايات المتحدة أن تعلمته وهو أن القوة العسكرية لم تعد قادرة على تأمين الانتصار.‏
ومما لا شك فيه أن رأياً عاماً في إسرائيل والغرب يذهب اليوم إلى أنك سواء اعتبرت رجال حزب الله أم الجماعات العراقية المقاومة رجال عصابات أومتمردين أم إرهابيين، فإنك لا تستطيع أن ترغمهم على الخنوع عن طريق القنابل، ذلك ما اكتشفته الولايات المتحدة وبثمن باهظ في العراق، وهو ذات الاكتشاف الذي أدركته إسرائيل في لبنان، ولعل ذلك ما دعا رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير لأن يصرح بالقول: إن قلقي ينبع من عدم قدرتنا على كسب هذا الصراع بالوسائل العسكرية والأمنية وحدها، ولا حتى باعتمادها وسائل رئيسية مضيفاً أنه يتوجب علينا أن نطرح أفكارنا بمقابل أفكارهم.‏ ولإجمال الصورة الفادحة للخسائر الإسرائيلية، نذكر بما أورده الكاتب البريطاني باتريك سيل الخبير في شؤون الصراع العربي الإسرائيلي من خسائر إسرائيل والتي أوردها في أربعة أسباب:‏

أولها: إن إسرائيل لم تعد تلك الدولة الأسطورية الخارقة التي لا تقهر على نحو صورتها في مخيلة الرأي العام العربي والإسلامي.‏
ثانيها: إن إسرائيل قد سجلت نقطة سوداء في سجلها الدموي، بهذا الخراب الواسع النطاق الذي ألحقته بلبنان وبقتلها الوحشي لأعداد كبيرة من المدنيين.‏
ثالثها: إنها أفرزت حقيقة ضرورة الاعتراف باستحالة إقصاء سورية وإيران كحليفين لحزب الله من أي مساع رامية للتوصل إلى تسوية مستديمة للصراع الشرق أوسطي.‏
رابعها: وضع المجتمع الدولي أمام ضرورة الضغط على ”إسرائيل” حتى تنسحب من الأراضي التي ظلت تحتلها وتهيمن عليها منذ عام 1967 حتى الساعة إذا أراد العالم سلاماً في تلك المنطقة.

 

ونتساءل على ضوء الحقائق الآنية: هل يمكن لإسرائيل أن تتعلم من دروس فشلها أم أن الحقد الأعمى سيدفعها لمغامرات جديدة، ربما تقودها ولوفي الأجل البعيد لنهايتها المحتومة والمقدرة في اللوح المحفوظ؟!‏ للأسف الشديد فإسرائيل لم ولن تتعلم من دروس الماضي، فهي ماضية في سياسة الانتقام من المقاومة اللبنانية التي خرجت أكثر إصراراً على التصدي والمواجهة مهما بلغت التضحيات، وما زالت القيادة الاسرائيلية تضع الخطط الاستراتيجية، وتتحين الفرص للقضاء على المقاومة، وضرب جميع قوى الممانعة في الدول المجاورة لها تمهيداً لإعلان الشرق الأوسط الجديد في ظل تحالف أمريكي ـ إسرائيلي يعطي الأولوية المطلقة لتنفيذ المشروع الصهيوني بين الفرات والنيل، وما يجري من تدمير مبرمج للمجتمع والدولة والمؤسسات في سوريا، بدعم أمريكي وأوروبي منذ أكثر من ثلاث سنوات يؤكد وجود مخطط إسرائيلي متكامل لتحقيق هذا الهدف.

 

واستهداف سورية اليوم هو استهداف للمقاومة العربية وتدمير للفكر المقاوم ونشر لحالة الاستلاب والخنوع في الساحة العربية وتسليم الوطن العربي لأصحاب الفكر التكفيري المتخلف الذين أعلنوا قبولهم بالمشروع الصهيوني…‏ ولهذا السبب فالمقاومة اللبنانية الآن في سوريا، إنه النداء القومي الذي لا يمكن غض النظر أو الهروب من استحقاقاته، فمعركة سوريا معركتها، وهي معركة الشرفاء، بل معركة من أجل لبنان أيضاً، ومن أجل خط ومشروع يجب أن يظل قائماً، كما يجب أن لا ينكسر أي من أعمدته. فذكرى التحرير تمر هذا العام، في وقت ٍ تشتد فيه الهجمة على محور المقاومة وتتكالب عليه الأمم وشذاذ الآفاق من كل أصقاع الأرض في محاولة قذرة للنيل من قدرات هذا المحور وزج مقدراته وإمكاناته في معركة شديدة الوطيس تستنزف فيها الإمكانات والترسانة العسكرية التي تمتلكها جبهة المقاومة للوصول إلى الهدف الأساس من هذه المؤامرة وهو أمن ”إسرائيل”، وذلك في معركة تديرها وتشغلها غرف العمليات الصهيو ـ أمريكية وتمولها الوهابية السعودية وتدعمها ”امبراطورية” العار بقيادة أردوغان.

 

ومن هنا فإن انتصار المقاومة هو انتصار حقيقي ينتصر فيه نهج على نهج ومفهوم على مفهوم، نهج المقاومة على نهج التسويات، ومفهوم الصمود على مفهوم الاستسلام، وتتأكد إمكانية الانتصار وذلك من خلال صياغة استراتيجية جديدة تفرض اعتماد طرق جديدة غير تقليدية في مواجهة الجيش الإسرائيلي المعتمد على تزويد الولايات المتحدة له بأحدث أدوات الفتك والدمار. وتقتضي هذه الاستراتيجية تعميم ثقافة مقاومة شاملة، عسكرية وسياسية واجتماعية، تخلق الإرادة الفاعلة، والقدرة المحسوبة والوعي الموضوعي لطبيعة الصراع وآليات إدارته، عبر القراءة الموضوعية والتأمل الواعي للدروس التي رافقت الانتصار، وحينما لا يستطيع العدو أن يهزم الوعي الوطني والقومي والوعي المقاوم بكل ما يمتلك من جبروت وقوة عسكرية وإعلامية وسياسية، يتحول هذا الإخفاق إلى انتصار لثقافة المقاومة، وثقافة الاستقلال التي تصنع المنعة والقوة للشعوب.
إن تعميم ثقافة المقاومة لا يعني إسقاط الخيارات الأخرى، بل يجب أن تكون جميع الخيارات مطروحة، والشعب الفيتنامي كان يفاوض الأمريكيين دون أن يوقف عمليات المقاومة، وكان الذي حسم الأمر هو مقاومة الشعب الفيتنامي وليس المفاوضات.

 

و كما كانت المقاومة في الماضي حاضرة للمواجهة وتنتصر فإن المقاومة ومحورها حاضرون اليوم، كما كان حضورهم الفاعل على أرض سورية منذ أكثر من خمس سنوات لمواجهة العدوان وإسقاط مشروع التقسيم الجديد. حيث لا تزال الدوائر الاستعمارية الموالية للصهيونية والقوى الرجعية في الخليج التي آلمتها انتصارات المقاومة على إسرائيل، تجهد للقضاء على كل محور المقاومة الذي أحبط المخططات الاستعمارية في المنطقة، وترى الخطة الاستعمارية الجديدة أن الهيمنة على كل العالم العربي لا يكون إلا عبر القضاء على الدولة السورية التي تُعدّ ظهر المقاومة وسندها، وسورية اليوم، والمقاومة اللبنانية، تمتزج دماء أبنائهما في التصدي للإرهابيين التكفيريين الذين أرسلتهم قوى الغرب إلى الداخل السوري عبر تركيا والأردن ولبنان ليشنوا حرباً بالوكالة عن أميركا التي لم تعد ربيبتها إسرائيل قادرة على شن الحروب لها، ليظهر أن التيارات التكفيرية وإسرائيل وجهان لعملة ساقطة واحدة، وأن العدوان على سورية تقوده أجهزة المخابرات الصهيونية والغربية وأنه يراد إسقاط لبنان وسورية كي تدخلا العصر الصهيوـ أميركي ومحاصرة ماضي وحاضر ومستقبل الأمة العربية، واغتصاب فلسطين إلى الأبد.‏‏

 

‏‏ لقد تأكد للداني والقاصي، أنّ قوى المقاومة التي انتصرت في عام 2000 و2006 مازالت قوية وقادرة ويقف خلفها معظم أبناء الشعب العربي والقوى الخيرة والمحبة للعدل والسلام في العالم، وإن المقاومة تزداد تماسكاً وستبقى سورية قلعتها وكما انتصرت في الماضي ستنتصر اليوم وفي المستقبل وستبقى سورية قلعة المقاومة العربية وستبقى المقاومة في لبنان وفلسطين وكل أرجاء الوطن العربي قوية راسخة وستزداد قوة وانتشاراً لأنها خيار الأمة وخيار الأمة لا بد منتصرة. وإن النتيجة الرئيسية التي يمكن التعويل عليها، هي أن العرب يستطيعون تحقيق النصر بمقاومتهم وتضامنهم وإن قوى العدوان لا يمكن أن تقدم حلولاً حقيقية للعرب، بل هي تريد استسلامهم، وهي بدعواتها للسلام الزائف وتقديمها الطروحات المختلفة، تهدف فقط إلى دعم العدو الإسرائيلي وتثبت احتلاله للأرض العربية.

 

شاهد أيضاً

0080-620x330

الشهيد عباس مهدي عبدالكريم – 130 أبو فاضل الحيدري

في أحضان أسرة متدينة ومحافظة ولد عباس في عام 1961م في حي جميلة في العاصمة ...