الرئيسية / مقالات اسلامية / القرآن الكريم / تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة آل عمران
0

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان سورة آل عمران

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

191

ثم بيّن صفات أولي الألباب بقوله سبحانه ((الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ)) ذِكراً بالقلب، أي تذكّراً له سبحانه ((قِيَامًا)) جمع قائم ((وَقُعُودًا)) جمع قاعد ((وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ))، أي في حال الإضطجاع، يعني أنهم دائماً في فكر الله سبحانه وذكره سواء كانوا قائمين أو قاعدين أو مضطجعين ((وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)) كيف خُلِقَتا بهذا النحو المتقن المدهش، وكيف جَرَيَتا، وكيف كانتا، وكيف ستكونان، وفي حال التفكّر والدهشة لسان حال هؤلاء يقول ((رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا)) الكون والخلق ((بَاطِلاً)) عبثاً ولغواً، بلا غاية ومقصود ((سُبْحَانَكَ))، أي أنت منزّه عن الباطل واللغو، وهو مفعول لفعل مقدّر، أي نسبّحك سبحانك ((فَقِنَا))، أي احفظنا ((عَذَابَ النَّارِ)) ولعل دخول الفاء في “فقِنا” لبيان أنهم يطلبون ذلك جزاء تصديقهم وإيمانهم وتفكّرهم.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

192

ويقولون أيضاً ((رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)) فضحته وأهلكته ((وَمَا لِلظَّالِمِينَ)) الذين ظلموا أنفسهم في دار الدنيا بالكفر والعصيان ((مِنْ أَنصَارٍ)) ينصرهم من عذاب الله سبحانه.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

193

((رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ)) هو الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكل من نادى الناس للإيمان بالله سبحانه، فإنّ أولي الألباب يعترفون لله سبحانه بأنهم استجابوا منادي الإيمان ولم يلووا عن نداء الحق فقد سمعوا المنادي ينادي ((أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ)) ولا تكفروا ولا تُشركوا ((فَآمَنَّا)) بك ياسيدنا ((رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)) التي صدرت منّا ((وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا)) وربما يُقال بأن الفرق أن الذنوب هي الكبائر لأنها ذات أذناب وتبعات والسيئات هي الصغائر لأنها تُسيء الى الإنسان وإن لم تكن ذات تبعة لأنها مُكفَّرة لمن اجتنب عن الكبائر، وهناك في الفَرق أقوال أُخر، ولعل التكرار للتأكيد إظهاراً لكمال الخوف من الذنوب ((وَتَوَفَّنَا))، أي اقبضنا إليك عند موتنا ((مَعَ الأبْرَارِ)) في جملتهم، والأبرار جمع بِر وهو الذي برّ الله بطاعته إياه.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

194

((رَبَّنَا وَآتِنَا))، أي اعطنا ((مَا وَعَدتَّنَا)) من الخير والسعادة في الدنيا ((عَلَى)) لسان ((رُسُلِكَ)) وأنبيائك ((وَلاَ تُخْزِنَا))ن أي لا تفضحنا ((يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) على رؤوس الأشهاد ((إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)) الذي وعته للمؤمنين بسعادة الدنيا وخير الآخرة.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

195

((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ))، أي لهؤلاء المؤمنين الذين دعوا بالأدعية السابقة ((رَبُّهُمْ))، أي لبّى دعوتهم وقَبِلَ كلامهم، قائلاً ((أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم)) أيها المؤمنون ((مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى)) فكل المؤمنين محفوظة عمله ليُعطى جزائه ((بَعْضُكُم)) أيها المؤمنون ((مِّن بَعْضٍ)) فكلكم من جنس واحد في نصرة بعضكم لبعض ولستم كالكافرين الذين ليس بعضهم من بعض بل بعضهم يباين بعضاً فلكل فئة منهم لون وصبغة ((فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ)) الى المدينة ((وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ)) أخرجهم المشركون من مكة، والآية عامة لكل مهاجر عن دياره ومُخرَج من بلاده ((وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي)) لأنهم آمنوا وأطاعوا ((وَقَاتَلُواْ)) لأجل الله سبحانه ((وَقُتِلُواْ)) قتلهم الكفار ((لأُكَفِّرَنَّ))، أي أمحونّ ((عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ)) فلا آخذهم بها ((وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ))، أي تحت نخيلها وقصورها -كما تقدّم- ((ثَوَابًا))، أي جزاءاً لهم ((مِّن عِندِ اللّهِ)) على أعمالهم ومشاقّهم في سبيله ((وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ))، أي الجزاء الحسن، وليس كغيره ممن لا يقدر ولا يملك الثواب الحسن.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

196

وهنا يتأمل الإنسان كيف يكون الكفار في هذه النعمة والراحة والسياحة والأسفار والثمار، والمسلمون مضطهدين يُخرجون من ديارهم ويُؤذَون، مع أن الله سبحانه ناصرهم وظهيرهم؟، ويأتي الجواب ((لاَ يَغُرَّنَّكَ)) وأصل الغرور إيهام حال السرور فيما الأمر بخلافه، فالمعنى : لا يهومنّك يارسول الله أن الكفار في سرور ((تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ)) فإنّ تقلّبهم لا يعود إليهم بالنفع.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

197

فإن ذلك ((مَتَاعٌ قَلِيلٌ))، أي يتمتعون بذلك في زمان قليل ((ثُمَّ مَأْوَاهُمْ)) مصيرهم ((جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ))، أي ساء المستقر لهم تلك.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

198

((لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ)) بأن آمنوا وأطاعوا فإنهم وإن كانوا في أذيّة وضغط فعلاً ((لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) الجارية ((خَالِدِينَ فِيهَا)) أبداً إلا متاع قليل كمتاع الكفار في الدنيا ((نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ)) النُزُل ما يُعدّ للضيف من الكرامة والبر والطعام والشراب ((وَمَا عِندَ اللّهِ)) من الثواب والكرامة ((خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ)) من تقلّب الكفار.

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

199

ثم يرجع السياق الى أهل الكتاب الذين تقدّم أنهم يكفرون ويمكرون ((وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ)) يصدّق بوحدانيته ويعترف بما يعترف به المؤمنون ((وَ)) بـ ((مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ)) من القرآن الحكيم ((وَ)) بـ ((مَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ)) بخلاف سائر أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بما أُنزل إليهم إذ أنهم يحلّون ويحرّمون ويخالفون كتابهم في أحكامه، في حال كونهم ((خَاشِعِينَ)) خاضعين ((لِلّهِ)) سبحانه فيما أمر ونهى ((لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ))، أي بمقابل آيات الله ودلائله وبراهينه ((ثَمَنًا قَلِيلاً)) كما كان يفعل ذلك رؤساهم الذين كانوا يرتشون ويخفون الكتاب لئلا تزول رئاستهم ((أُوْلَئِكَ)) الذين لهم هذه الصفات الخيّرة من أهل الكتاب ((لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ)) يجازيهم بما فعلوا من الخيرات وآمنوا وصدّقوا ((إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)) فليس أجرهم بعيداً عنهم فإن أمد الدنيا ولو طال قليل كما قال الشاعر:

ألا إنما الدنيا كمنزل راكبٍ أناخ عشيّاً وهو في الصبح يرحل

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة آل عمران

200

وأخيراً يتوجه الخطاب للمؤمنين وتنتهي السورة بهذه العِظة البليغة ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ)) على الإيمان والمكاره ((وَصَابِرُواْ))، أي غالبوا في الصبر، ولعل المراد مصابرة الأعداء فكلما صبر الكفار زاد المؤمنون صبراً على صبر أولئك حتى يغلبوا ويأخذوا المعركة ((وَرَابِطُواْ)) وهو المرابطة في ثغور المسلمين للتطلّع على أحوال الكفار ((وَاتَّقُواْ اللّهَ)) في أعمالكم فلا تأتوا بالمعاصي ((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))، أي كي تفوزوا وتنجحوا في الدنيا والآخرة.

شاهد أيضاً

425717992_256641

توجيهات أخلاقية 4- التحوُّل الأخلاقيّ عند الإنسان

والمقصود من التحوُّل الأخلاقيّ ها هنا، هو التزام الفرد المسلم بالواجبات الإيمانيّة الّتي ألزمه بها ...