الرئيسية / اخبار اسلامية / دروس منهجية في علوم القرآن
23

دروس منهجية في علوم القرآن

الدرس الثالث والخمسون (القراءات والقرّاء)

الملاحظ أنّ هناك قراءات عديدة للآيات القرآنية، والمشهور منها حالياً سبع قراءات منسوبة لسبعة من القرّاء. وقد تعدّدت الآراء حول القراءات المتعدّدة للقرآن الكريم، ومدى اعتبارها، والضوابط الدقيقة للقراءة المعتبرة.

وقد ادعى البعض تواتر القراءات السبع المشهورة، قال الزركشي: “والقراءات السبع متواترة عند الجمهور”(1)، ونسب الزرقاني القول بتواتر القراءات العشر الى “المحقّقين من الأصوليين والقرّاء كابن السبكي وابن الجزري والنويري…”(2).

ويجدر بنا أن نشير الى تاريخ القراءات وأسباب تعدّدها، فنقول:

يرجع الاختلاف بين القراءات الى عصر الصحابة عقيب وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) كما تشير إليه المصادر التاريخية، “حيث عمد جماعة من كبار صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعد وفاته الى جمع القرآن في مصاحف، كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل والمقداد بن الأسود وأضرابهم، وربّما اختلفوا في ثبت النص أو في كيفية قراءته، ومن ثمّ اختلفت مصاحف الصحابة الأولى”(3).

ويشير ابن أبي داوود الى أنّ المصحف الذي جمع عثمان الناس عليه لم يخل من لحن، حيث ذكر انّ المصحف المذكور قد عرض على عثمان فقال: “قد احسنتم واجملتهم أرى فيه شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، ثمّ قال: أما لو كان المملي من هذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا”(4).

اذن فقضية اختلاف القراءات ليست وليدة العصور المتأخرة، وانّما تمتد إلى عصر الصحابة، بل تدل بعض النصوص – بغض النظر عن صحّتها – الى تعدد القراءات في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم).

منها: ما روي عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها فدخلنا جميعاً على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)، ودخل ثالث فقرأ كل واحد منّا غير قراءة صاحبه فجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يحسّن الجميع…”(5).

ومنها: ما عن زيد بن أرقم قال: جاء رجل الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال: أقرأني عبدالله بن مسعود وزيد وأُبي فاختلفت قراءتهم، بقراءة أيّهم آخذ؟ قال: فسكت رسول الله…(6).

ومنها: ما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)… فانطلقت به أقوده الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم). فقلت: إنّي سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تُقرئنيها.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): أرسِلْه، اقرأ يا هشام. فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): “كذلك أُنزلت، إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف. فاقرأوا ما تيسّر منه”(7).

وهناك عدد آخر من النصوص بهذا المعنى رواها علماء الجمهور. وإن كنّا نتحفظ بالنسبة لمضمون بعضها المتضمن لاختلاف القرآن المُنزل.

تدوين القراءات المشهورة

اتّضح من خلال ما تقدّم انّ ظاهرة تعدد القراءات كانت معروفة منذ عصر الصحابة، وقد انتقلت الى المسلمين

الذين تعلّموا القرآن منهم، وساهمت عدّة عوامل – سنشير إليها – في تعميق الاختلاف بين القراءات، وتكثيره، حتى صارت القراءة فنّاً كسائر الفنون.

وتجرّد – في فترة لاحقة – قوم لفنّ القراءة واعتنوا به حتى اشتهر فيه جماعة عُرفوا بالقرّاء، ولكل واحد منهم قراءة يتميّز بها.

وقد تصدّى المهتمون ببحوث القرآن الكريم الى ضبط هذه القراءات وجمعها.

فذكر ابن الجزري انّ أول من تصدى لتدوين القرّاء وقراءاتهم هو أبو عبيد القاسم بن سلام الأنصاري (ت: 224) تلميذ الكسائي، وقال: “وجعلهم فيما احسب خمسة وعشرين قارئاً، بما فيهم السبعة الذين اشتهروا فيما بعد”.

وجاء بعده أحمد بن جبير بن محمد أبو جعفر الكوفي (ت: 258) فجمع كتاباً في قراءات الخمسة من كل مصر واحداً.

ثمّ القاضي اسماعيل بن اسحاق – صاحب قالون – (ت: 282) ألّف كتاباً جمع فيه قراءة عشرين قارئاً.

ثمّ ألّف أبو جعفر الطبري (ت: 310) كتاباً حافلاً سمّاه الجامع فيه نيّف وعشرون قراءة.

الى أن جاء ابن مجاهد أبو بكر أحمد بن موسى (ت: 324) فألّف كتاباً اقتصر فيه على قراءات السبعة فقط(8). وبعده ألّف الآخرون على منواله.

وهكذا نلاحظ أنّ تعيين هؤلاء القرّاء السبعة وتمييزهم عن غيرهم كان مصدره ابن مجاهد في القرن الرابع الهجري. ولم يميّزهم الذين سبقوه في تدوين القراءات والقرّاء.

1- مناهل العرفان: 1 439.

2- تلخيص التمهيد: 1 213.

3- المصاحف لابن أبي داوود: 32 – 33.

4- مسلم: 2 203، مسند أحمد: 5 127.

5- المستدرك: 2 323.

6- الجامع الصحيح: 3 339، حديث 4992.

7- يراجع البيان: 178.

8- تلخيص التمهيد: 1 159.

الدرس الرابع والخمسون (أهم عوامل اختلاف القراءات)

نستطيع أن نعتبر أهم العوامل التي أدّت الى اختلاف القراءات ما يلي:

1 – عدم دقّة بعض الصحابة ومن أخذ عنهم في حفظ الآيات، ولذلك نجد أنّ بعض القراءات تختلف في الكلمات زيادةً ونقيصة، أو تتباين كلماتها، ولعلّ من ذلك ما روي عن يزيد النخعي قال: انّي لفي المسجد زمن الوليد بن عقبة… واختلفا في آية من سورة البقرة قرأ هذا “وأتمّوا الحج والعمرة للبيت” وقرأ هذا: (وأتمّوا الحج والعمرة لله)(1).

2 – بداءة الخط الذي كتبت به المصاحف.

حيث لم يكن الخط متطوّراً آنذاك، ولم تكن له قواعد دقيقة، ويمكن أن نسجّل – في هذا المضمار – الملاحظات التالية – في الخط – التي قد تكون منشأ لاختلاف القراءات:

أ: عدم التنقيط، ولعلَّ منشأ ذلك قراءة الكسائي (إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبّتوا)(2). وقرأ الباقون (فتبيّنوا). ومنه قراءة ابن عامر وحفص (ويكفّر عنكم)(3). وقرأ الباقون (نكفّر عنكم).

ب: تجريد الحروف عن الحركات ونحوها من العلامات، فقد قرأ نافع قوله تعالى: (ولا تَسألْ عن أصحاب الجحيم)(4) بصيغة النهي، بينما قرأها الباقون بصيغة المضارع المجهول.

ج: إسقاط الألفات: فقد قرأ أبو جعفر والبصريّون (وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة)(5)، وقرأ الباقون (واعدنا).

3 – اختلاف لغات العرب ولهجاتهم.

مثل (نستعين) قال الفرّاء: “هي مفتوحة في لغة قيس وأسد، وغيرهم يقولونها بكسر النون”(6).

4 – تحكيم الرأي والاجتهاد.

ويبدو أنّ هذا من العوامل المهمّة لاختلاف القراءات، روى أبو جعفر الطبري والحاكم النيسابوري – وصحّحه – عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾(7) هي من خطأ الكاتب، وإنّما هي (حتى تستأذنوا وتسلّموا)(8). وقد تقدّمت مجموعة أخرى من النصوص. هذه هي أهم العوامل التي أدّت الى اختلاف القراءات وربّما تكون هناك عوامل أخرى، تعرّضت لها المصادر المطوّلة.

وبعد أن عرفنا اختلاف القراءات وأهم عوامل هذا الاختلاف فلابدّ من تحديد ضوابط القراءة الصحيحة المعتبرة، وعدم الاعتماد على غيرها من القراءات غير الثابتة. وهذا ما سوف نشير إليه إن شاء الله تعالى.

أمّا ما هي الضابطة المعتمدة في اختيار القراءة الصحيحة فنقول: أشرنا آنفاً الى أنّ كثيراً من علماء الجمهور اعتمدوا القراءات السبع المعروفة، وبعضهم اعتمد القراءات العشر – التي سنشير الى أصحابها – وقد أشرنا وسنوضح عدم الخصوصية لهذه القراءات بالنسبة لغيرها.

أمّا أتباع أهل البيت(عليهم السلام) فيعتمدون كل قراءة كانت مألوفة في عصور الأئمة(عليهم السلام) في الصلاة وغيرها، كما نصّ على ذلك السيد الحكيم (قدس سره)(9)، وغيره من الفقهاء.

لأنّ عدم ردع الأئمة من آل البيت(عليهم السلام) عن أية قراءة مألوفة في عصورهم دليل على اعتبارها كلها عندهم(عليهم السلام)، بل تضمّنت بعض النصوص الحث على القراءة المألوفة بين الناس.

وعلى كل حال، لاشك في اعتبار النسخة المتداولة من القرآن الكريم التي هي قراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي – برواية حفص – التي أخذها عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعدد آخر من الصحابة، وقد حكى الذهبي عن حفص عن عاصم عن أبي عبد الرحمن قال “لم أخالف علياً في شيء من قراءته، وكنت أجمع حروف علي، فألقى بها زيداً في المواسم بالمدينة فما اختلفنا إلاّ في التابوت كان زيد يقرأ بالهاء وعلي بالتاء”(10).

وروي أنّ زيد لمّا قرأ (التابوه) قال علي (عليه السلام) اكتبه (التابوت) فكتبه كذلك(11).

1- يراجع سورة الحجرات: 6.

2- يراجع سورة البقرة: 271.

3- يراجع سورة البقرة: 119.

4- يراجع سورة البقرة: 51.

5- كتاب سيبويه: 2 257.

6- سورة النور: 27.

7- جامع البيان: 18 87.

8- المستمسك: 6 245.

9-

10- سير أعلام النبلاء: 2/426.

11- تدوين القرآن: 345.

الدرس الخامس والخمسون (القراءات السبع والأحرف السبعة)

قدّمنا أنّ هناك سبعة من القرّاء تنسب لهم القراءات المعروفة بـ(القراءات السبع) حيث اشتهرت بهذه التسمية، وانّ كثيراً من علماء الجمهور قد اعتمد هذه القراءات وادّعى تواترها، وربط بعضهم بينها وبين ما ورد من أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، مدّعياً انّ هذه القراءات السبع هي الأحرف السبعة التي تشير إليها هذه النصوص.

ونحن نبحث أوّلاً في نصوص الأحرف السبعة ومدى انطباقها على القراءات السبع، ثمّ نتحدّث عن مدى اعتبار هذه القراءات السبع.

فكرة نزول القرآن على سبعة أحرف

وردت مجموعة من النصوص التي تضمّنت انّ القرآن قد نزل على سبعة أحرف، وقد اختلف العلماء والباحثون في فهم هذه النصوص وتفسير الأحرف السبعة.

وعندما نرجع الى هذه النصوص نجدها مختلفة فيما بينها وغير متّفقة على مضمون واحد، فبعضها يفسّر الأحرف السبعة بأمر يرجع الى معاني الآيات القرآنية بينما يبدو من نصوص أخرى انّ الأحرف السبعة ترجع الى الفسحة في النطق بالآيات الكريمة وتعدد كيفيات قراءتها.

فمن القسم الأول مجموعة من النصوص المروية في المصادر الحديثية الشيعية والسنّية، منها..

1 – ما رواه أبو جعفر الصدوق بسند فيه محمد بن يحيى الصيرفي – وهو مجهول – عن حماد بن عثمان عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: “إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف، وأدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه”(1).

2 – ما رواه محمد بن الحسن الصفّار عن زرارة عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام): قال: “تفسير القرآن على سبعة أحرف، منه ما كان، ومنه ما لم يكن بعد، ذلك تعرفه الأئمة”(2).

3 – ما رواه أبو عبد الله محمد بن إبراهيم النعماني مرسلاً عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: “أنزل القرآن على سبعة أقسام كل منها شاف كاف، وهي: أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص…”(3).

ورغم انّ هذا النص لم يستعمل لفظ “أحرف” إلاّ أنّه يتفق مع بعض النصوص الآتية التي استعملت هذه اللفظ.

4 – في تفسير الطبري عن أبي قلابة قال: “بلغني انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال: “أنزل القرآن على سبعة أحرف: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، ومثل”(4).

ونلاحظ انّ هذه النصوص – ونحوها – اجنبية تماماً عن موضوع تعدّد القراءات، لأنّها تتحدث عن المعاني والمواضيع التي يتناولها القرآن الكريم.

القسم الثاني من النصوص – المتحدّثة عن الأحرف السبعة – الذي يلوح منه تفسير الأحرف السبعة بالقراءات وتعدّد النطق بآيات القرآن الكريم. من ذلك..

1 – ما رواه الترمذي عن ابي بن كعب أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لقي جبرئيل، فقال له: “انّي بُعثت الى أمّة اُميين، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط، قال: يا محمّد، انّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف”(5).

2 – روى البخاري ومسلم عن ابن شهاب انّ عمر سمع هاشم بن حكيم يقرأ في صلاته على حروف لم يكن يعرفها، فأتى به الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال: “كذلك أُنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسّر منه”(6).

3 – روى أبو داوود: أن أبي بن كعب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): “يا أبي انّي أُقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو حرفين، فقال الملك الذي معي: قل على حرفين، قلت: على حرفين، فقيل لي على حرفين أو ثلاثة، فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة، قلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف” ثمّ قال: “ليس منها إلاّ شاف كاف إن قلت سميعاً عليما، عزيزاً حكيماً، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب”(7).

4 – أخرج الطبري بإسناده عن أبي هريرة انّه قال: “قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): “إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ولا حرج، ولكن لا تختموا ذكر رحمة بعذاب، ولا ذكر عذاب برحمة”(8).

ونلاحظ انّ هذه الروايات – ونحوها غيرها – تفسح المجال واسعاً لعدم التقيّد بصيغة محددة للنص القرآني، بل يذهب بعضها أكثر من ذلك حيث يسمح بالتغييرات الكيفية المؤثرة على المعنى أيضاً كما نلاحظه في الروايتين (3 و4) عن أُبي بن كعب وأبي هريرة.

وتواجه هذه الروايات مجموعة من الملاحظات تمنع من الأخذ بظاهرها، منها..

1- الخصال، أبواب السبعة: 2 358.

2- بصائر الدرجات: 196.

3- بحار الأنوار: 93 4، 97.

4- تفسير الطبري: 1 23.

5- سنن الترمذي: 1 194 حديث 2944.

6- يراجع الجامع الصحيح: 3 339 حديث 4992.

7- سنن أبي داوود: 2 102.

8- البيان: 192.

الدرس السادس والخمسون

أ: تناقضها فيما بينها، فبينما تسمح بعضها بكل تغيير في كلمات القرآن – شريطة عدم ختم الرحمة بالعذاب وبالعكس – نجد البعض الآخر منها يسمح الى حدِّ سبعة حروف فقط.

وقد حاول البعض رفض التحديد بالسبعة مدّعياً انّ “المقصود من السبعة هي الكثرة النسبية”(1).

ولكنه غير صحيح، لأنّ اتفاق النصوص المحدّدة على التحديد بالسبعة لا ينسجم مع إلغاء التحديد وكونه لمجرّد الكناية عن الكثرة.

ب: انّه يفتح باب التلاعب ويمنح الشرعية لتحريف القرآن الكريم، ولا يليق بأي مسلم الالتزام بذلك والقبول به، خصوصاً انّ هذه الأحرف السبعة لم تحدد ضابطتها، قال المحقّق السيد الخوئي (ره): إن كان المراد من هذا التوجّه انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد جوّز تبديل كلمات القرآن الموجودة بكلمات أخرى تقاربها في المعنى – ويشهد لهذا بعض الروايات المتقدّمة – فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس القرآن، المعجزة الأبدية والحجة على جميع البشر، ولا يشك عاقل في أنّ ذلك يقتضي هجر القرآن المُنَزل وعدم الاعتناء بشأنه، وهل يتوهم عاقل ترخيص النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يقرأ القارئ “يس والذكر العظيم إنّك لمن الأنبياء على طريق سوي، انزال الحميد الكريم لتخوّف قوماً ما خُوّف أسلافهم فهم ساهون”. فلتقرّ عيون المجوّزين لذلك، سبحانك إن هذا إلاّ بهتان عظيم، وقد قال الله تعالى: (قل ما يكون لي أن أُبدّله من تلقاء نفسي إن أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ)(2).

ج: وجود مجموعة من النصوص – بعضها صحيح السند – تنفي ذلك، وتمنع من التلاعب بالقرآن الكريم، منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: “إنّ القرآن واحد نزل من عند واحد ولكن الاختلاف يجيء من قِبل الرواة”(3).

ومنها ما رواه في الكافي بسند معتبر عن الفضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنّ الناس يقولون انّ القرآن نزل على سبعة أحرف، فقال: “كذبوا أعداء الله، ولكنّه نزل على حرف واحد من عند الواحد”(4).

د: لم يعرف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قد قرأ آية بوجهين أو أكثر لا عند تبليغها ولا بعد ذلك، وكذلك الأئمة من أهل بيته(عليهم السلام)، مع أنّه لو كان ذلك من القرآن لما تقيّدوا بصيغة واحدة.

ومن مجموع ما ذكرناه يتّضح انّ هذه النصوص لا تصلح لإثبات نزول القرآن على سبعة أحرف، بحيث يتخيّر القارئ في قراءته بصيغ وأشكال مختلفة.

القراءات السبع

أشرنا الى انّ كثيراً من علماء الجمهور قد ادّعى تواتر القراءات السبع المعروفة، ومن ثمّ فهي كلّها قراءات معتبرة، قال بدر الدين الزركشي “والقراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل بل مشهورة…”(5).

ونسب الزرقاني القول بتواتر القراءات العشر الى “المحقّقين من الأصوليين والقرّاء كابن السبكي وابن الجزري والنويري…”(6).

ونكتفي هنا بالإشارة الى عدم تواتر القراءات السبع المعروفة.

وقبل ذلك نمرّ مروراً سريعاً على القرّاء السبعة وراويين من رواتهم حسب ما جاء في كتاب “السبعة” لابن مجاهد، وإلاّ فالرواة أكثر من ذلك.

1 – عبدالله بن عامر اليحصبي، قارئ الشام (ت: 118) وراوياه هما هشام بن عمّار وابن ذكوان، ولم يدركاه، لأنّ هشاماً ولد عام 153، ومات 245، وابن ذكوان ولد عام 173 ومات 242، ومن ثمّ لم يعرف السبب في اختيار ابن مجاهد هذين للرواية عن ابن عامر. علماً أنّه قد طعن عدد من العلماء في وثاقة هشام. وورد الطعن في ابن عامر أيضاً.

2 – عبد الله بن كثير الداري، قارئ مكة (ت: 120) وراوياه هما أحمد بن محمد البزي، ومحمد بن عبد الرحمن المعروف بقنبل، ولم يدركاه أيضاً، لأنّ الأول ولد سنة: 170 وتوفي سنة: 250، والثاني ولد سنة 195، وتوفي سنة: 291.

وقد ورد الطعن فيهما، خصوصاً بالنسبة الى البزي.

3 – عاصم بن أبي النجود الأسدي، قارئ الكوفة (ت: 128).

وراوياه هما حفص بن سليمان (90 – 180)، وشعبة أبو بكر بن عيّاش (95 – 193).

4 – أبو عمر بن العلاء المازني، واسمه زبان قارئ البصرة (ت: 154).

وراوياه حفص بن عمر الدوري (ت: 246). وصالح بن زياد السوسي (ت: 261) ولم يدركاه، وإنّما رويا عن اليزيدي عنه.

وقد ورد الطعن في راوييه، فيما وثّقهما آخرون.

5 – حمزة بن حبيب الزيات قارئ الكوفة أيضاً (ت: 156).

وراوياه هما خلف بن هشام البزاز (150 – 229). وخلاّد بن خالد الشيباني (ت: 220).

رويا عنه بالواسطة. وقد طعن البعض بقراءة حمزة.

6 – نافع بن عبدالرحمن الليثي، قارئ المدينة (ت: 169) وراوياه هما عيسى بن ميناء المعروف بقالون (120 – 220) وعثمان بن سعيد المعروف بورش (110 – 197) وورد الطعن في نافع وقالون، بينما مدحهما آخرون.

7 – علي بن حمزة الكسائي، قارئ الكوفة أيضاً (ت: 189) وراوياه هما الليث بن خالد البغدادي (ت: 240) وحفص بن عمر الدوري (ت: 246).

وهؤلاء هم القرّاء السبعة المعروفون مع اثنين من رواة كل واحد منهم، على ما ذكره ابن مجاهد الذي جمعهم. وقد زاد المتأخرون أسماء ثلاثة من القرّاء، وهم:

8 – خلف بن هشام راوي حمزة، وقارئ بغداد (ت: 229) وراوياه هما: أبو يعقوب اسحاق بن إبراهيم المروزي (ت: 286) وأبو الحسن ادريس بن عبدالكريم (ت: 292).

9 – يعقوب بن اسحاق الحضرمي قارئ البصرة (ت: 205).

وراوياه هما: محمد بن المتوكل اللؤلؤي المعروف برويس (ت: 238) وروح بن عبدالمؤمن الهذلي (ت: 235).

10 – أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي، قارئ المدينة (ت: 130).

وراوياه هما ابن وردان، عيسى الحذاء (ت: 160) وابن جمّاز، سليمان بن مسلم الزهري (ت: 170).

فهؤلاء هم القرّاء العشرة المعروفون بين أهل التراجم(7).

ويتضح من خلال مراجعة أحوال القرّاء المذكورين وقراءاتهم انّ شرط التواتر بالنسبة لكل قراءة منها مفقود، حيث أنّ هذه القراءات نقلت إليهم وعنهم بطريق الآحاد، خاصة انّ بعض رواتها مطعون فيهم، ولذلك نجد انّ عدداً من العلماء طعن في بعض قراءات هؤلاء القرّاء(8).

ومع ذلك نرى بعض السذّج قد حكم باعتبار القراءات السبع اعتماداً على الروايات الدالّة على نزول القرآن على سبعة أحرف، زاعماً – من دون دليل – على أنّ الأحرف السبعة هي القراءات السبع المذكورة.

ولكن من خلال ما بيّنّا سابقاً تتضح المناقشة في هذا الادعاء حيث أوضحنا:

أولاً: عدم صحة التمسك بنصوص الأحرف السبعة.

ثانياً: انّ تمييز هذه القراءات السبع عن غيرها مصدره ابن مجاهد في القرن الرابع الهجري من دون أية ميزة لهم، فكيف تُحمل تلك النصوص – على فرض صحّتها – على هذه القراءات؟

وقد انتقد مجموعة من الباحثين ابن مجاهد على اختيار هذا العدد، قال احمد بن عمار المهدوي: “لقد فعل مسبِّع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كلَّ من قلَّ نظره انّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته اذ اقتصر – أي اقتصر على عدد معيّن – نقص عن السبعة أو زاد ليزيل الشبهة…”(9).

وقد برّره أبو الحسن علي بن محمد – شيخ أبي شامة – بأنّ ابن مجاهد اختار من القراءات ما وافق خط المصحف… ورأى أن يكونوا سبعة تأسيّاً بعدَّة المصاحف التي بعثها عثمان الى الآفاق(10).

الى هنا تنتهي – بعون الله – بحوث “علوم القرآن”. آملاً أن يتقبل الله تعالى هذا الجهد اليسير بقبول حسن وأن ينفع به اخواني المؤمنين، خاصة طلبة العلوم الاسلامية.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

رياض الحكيم

الحوزة العلمية 1415هـ

الأسئلة

1 – اذكر المعاني الخمسة لجمع القرآن.

2 – ما هي الشواهد على أن ترتيب الآيات الحالي يمتد إلى عصر الرسول؟

3 – من الذي ميّز القرّاء السبعة المعروفين عن غيرهم وفي أى قرن كان ذلك؟

4 – ماهي أهم عوامل اختلاف القراءات؟

1- يراجع تلخيص التمهيد: 1 295.

2- البيان: 197 – 198.

3- أصول الكافي، كتاب فضل القرآن باب النوادر: 2 630.

4- المصدر.

5- البرهان: 1 318.

6- مناهل العرفان: 1 439.

7- اعتمدنا في ذكر اسمائهم وخصوصياتهم على كتابي البيان: 140 – 161، وتلخيص التمهيد: 324 – 326 فراجع.

8- يراجع البيان: 165 – 166.

9- الاتقان: 1 323، طبعة 1378.

10- جمال القرّاء: 111.

شاهد أيضاً

0

المسيح في ليلة القدر 28

الرواية الثّانية والعشرون: الشهداء أحياء  الرواية الثّانية والعشرون: الشهداء أحياء – رواية حضور الإمام الخامنئي ...