أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 04

بقي أمر هامّ ، وهو : أنّ نطاق الدليل خاصّ بالموجود التكوينيّ ، وهكذا ظاهر غير واحدة من الآيات المارّة الذكر ، لظهورها في الموجود العينيّ ، وحيث إنّ الصلاة وغيرها من العبادات أمور اعتباريّة مؤلَّفة من عدّة أشياء لا وحدة لمجموعها فلا وجود للمركَّب منها ، إذ الوجود مساوق الوحدة يدور معها حيثما دارت ، فمتى انتفت الوحدة في مورد ينتفي الوجود هناك ، ولمّا انتفت الوحدة الحقيقيّة للمؤلَّف من تلك الأمور :
كالركوع والسجود والقراءة والقيام والذكر والنيّة ونحوها فلا وجود للمركَّب منها ، وعليه فلا يندرج تحت الدليل العقليّ ، ولا يشمله الدليل النقليّ ؛ لاختصاصهما بما له وجود عينيّ .

والحلّ هو : أنّ الأمر الاعتباريّ قد يكون اعتباريّا محضا لا منشأ له عدا الاعتبار الذي زمامه بيد المعتبر ، وقد يكون اعتباريّا مستندا إلى موجود تكوينيّ هو المصحّح له .
والقسم الأوّل من الاعتباريّ خارج عن البحث ، كما أنّه خارج عن نطاق الدليل الدالّ على أنّ لكلّ شيء سرّا .
والقسم الثاني منه داخل في البحث ، كما أنّه مندرج تحت الدليل المذكور ، إذ الذي يكون استناده إلى أمر تكوينيّ عينيّ يكون محكوما بحكمه سعة وضيقا ، فهناك وحدة حقيقيّة يدور معها الوجود الحقيقيّ ، فهناك سرّ تكوينيّ نصّا .
ثمّ إنّه يمكن أن يستأنس ببيان آخر لإثبات السرّ للصلاة ، من حيث اشتمالها على القرآن الذي تكلَّم به الله تعالى ، وحيث إنّ المتكلَّم قد تجلَّى في كلامه وكتابه – كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « فتجلَّى لهم سبحانه في كتابه ، من غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته » « 1 » – فيكون المتكلَّم المتجلَّي سرّا وغيبا وباطنا في كلامه ، فالقارئ المصلَّي إذا تدبّر في القرآن الذي يقرأه في صلاته وتطهّر عن دنس
العصيان وتنزّه عن رين الذنب ، بل عن لوث التعلَّق بغير الله يراه بقلبه ، أو يصل إلى حدّ كأنّه يراه ، ويعلم أنّه إن لم يكن يراه فإنّ الله سبحانه يراه قطعا .

وهذا الوجه كما أنّه غير مختصّ بالصلاة – لتحقّقه في غيرها أيضا ممّا يقرأ فيه القرآن – لا يعمّ جميع أحوال الصلاة أيضا ؛ لعدم جريانه في غير قراءة الفاتحة والسورة الأخرى وما يقرأ من القرآن حال الصلاة .
إلى هنا انتهى الأمر الأوّل في نبذ ممّا يدلّ عقلا أو نقلا على أنّ للعبادة الَّتي منها الصلاة سرّا بلا اختصاص لذلك بها ، أي : بالصلاة .

وأمّا الأمر الثاني الباحث عمّا يختصّ بالدلالة على أنّ للصلاة سرّا فسيأتي إن شاء الله في ثنايا هذه الرسالة .
فتبيّن في هذا المدخل أمور :
الأوّل : أنّ السرّ المقابل للعلن : إمّا مطلق وإمّا مقيّد .

الثاني : أنّ الدليل على وجود السرّ للصلاة عامّ وخاصّ .

الثالث : أنّ الدليل العامّ عقليّ ونقليّ .

الرابع : أنّ الأمر الاعتباريّ المعتمد على التكوين محكوم بحكم الأمر الحقيقيّ ، بخلاف الأمر الاعتباريّ العاري عن الاعتماد المذكور .

الخامس : أنّ الله سبحانه قد تجلَّى في كتابه وكلامه .

السادس : أن المصلَّي المتطهّر عن دنس التعلَّق بما عدا الله تعالى : إمّا يشاهده بقلبه ، وإمّا يصل إلى مقام الإحسان .

السابع : بعض أدلَّة السرّ مختصّ بحال القراءة .

وحيث إنّ للصلاة مقدّمات تتقدّم ماهيتها ، وتعقيبات تتأخّر عنها ، ولكلّ من الماهية وحاشيتها أسرار خاصّة فلذا يكون نضد هذه الوجيزة على فاتحة وصلات وخاتمة ، بأن تكون الفاتحة كافلة لنزر من أسرار مقدّماتها ، وكلّ صلة من تلك الصلات الموصولة حاوية لنبذ من أسرار أركانها وأجزائها المقوّمة لها ، والخاتمة مشتملة لعدّة من أسرار تعقيباتها ، فها نحن نبدأ بعونه تعالى .

شاهد أيضاً

الشعب الإيراني كل ليلة يخرج للشوارع لدعم الدولة بإعداد كبيرة هل يوجد في العالم مثل هذه الملحمة

Haydari Nazar 50 المشهد الإيراني الحالي لافت جدًا من الناحية التاريخية، خصوصًا إذا كان المقصود …