130 – حدثنا عباس بن هشام ، عن أبيه ، عن ابن خربوذ وغيره من علماء أهل الحجاز ، قالوا : لما هلك المطلَّب بن عبد مناف ، وكان العاضد لعبد المطلب والذابّ عنه والقائم بأمره ، وثب نوفل بن عبد مناف على أركاح كانت لعبد المطلب . وهي الساحات والأفنية . فغلب عليها ، واغتصبه إياها . فاضطرب عبد المطلب لذلك ، واستنهض قومه معه ، فلم ينهض كبير أحد منهم فكتب إلى أخواله من بنى النجّار ، من الخزرج [ 1 ] : يا طول ليلى لأحزاني وأشغالي * هل من رسول إلى النجّار أخوالي ينبى عديا ودينارا ومازنها * ومالكا عصمة الجيران عن حالي قد كنت فيكم وما أخشى ظلامة ذي * ظلم عزيزا منيعا ناعم البال حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني * لذاك مطلَّب عمّي بترحال فغاب مطلَّب في قعر مظلمة * ثم انتزى نوفل يعدو على مالي أأن رأى رجلا غابت عمومته * وغاب أخواله عنه بلا والى أنحى عليه ولم يحفظ له رحما * ما أمنع المرء بين العمّ والخال فاستنفروا وامنعوا ضيم ابن أختكم * لا تخذلوه فما أنتم بخذّال أنتم شهاد لمن لانت عريكته * من سلمكم وسمام الأبلخ الغالي قالوا : فقدم عليه منهم جمع كثيف ، فأناخوا بفناء الكعبة وتنكبوا القسي وعلقوا التراس . فلما رآهم نوفل ، قال : لشرّ ما قدم هؤلاء . فكلموه . فخافهم ، وردّ أركاح عبد المطلب عليه ، وزاده وأحسن إليه ، واعتذر من فعله . حدثني التوزي النحوي ، عن الأصمعي ، قال : الأركاح متسع في سفوح الجبال ، يقال : إن له ساحة يتركح فيها . 131 – قال ابن الكلبي : قال عبد المطَّلب في نصرة أخواله إياه [ 1 ] : / 31 / ستأبى مازن وبنو عديّ * ودينار بن تيم اللات ضيمي بهم ردّ الإله على ركحى * وكانوا في التناصر دون قومي عدى ، ومازن ، ودينار بنو النجّار ، واسمه تيم الله . وقال أيضا [ 2 ] : أبلغ بنى النّجار إن جئتهم * أنى منهم وابنهم والخميس رأيتهم قوما إذا جئتهم * هووا لقائي وأحبّوا حسيس وقال شمر بن نمر الراني [ 3 ] : لعمري لأخوال الأغرّ ابن هاشم * من أعمامه الأدنين أحنى وأوصل أجابوا على نأى دعاء ابن أختهم * وقد ناله بالظلم والغدر نوفل فما برحوا حتى تدارك حقّه * وردّ عليه بعد ما كاد يؤكل جزى الله خيرا عصبة خزرجية * توافوا على برّ وذو البرّ أفضل 132 – قال هشام بن الكلبي : فلما نصر بنو الخزرج عبد المطَّلب ، قالت خزاعة ، وهم يومئذ كثير [ 4 ] قد قووا وعزّوا : والله ما رأينا بهذا الوادي ( أحدا أحسن وجها ، ولا أتمّ خلقا ، ولا ) [ 1 ] أعظم حلما ، ولا أبعد من كلّ موبقة ومذنبة تفسد الرجال من هذا الإنسان – يعنون عبد المطَّلب – ولقد نصره أخواله من الخزرج ، ولقد ولدناه كما ولدوه – وانّ جدّه عبد مناف لابن حبيّ بنت حليل بن حبشيّة سيد الخزاعة – ولو بذلنا له نصرنا [ 2 ] وحالفناه انتفعنا به وبقومه وانتفع بنا . فأتاه وجوههم ، فقالوا : يا أبا الحارث ، إنا قد ولدناك كما ولدك قوم [ 3 ] من بنى النجار ، ونحن ، بعد ، متجاورون في الدار ، وقد أماتت الأيام ما كان يكون في قلوب بعضنا [ 4 ] على قريش من الأحقاد ، فهلَّم ، فلنحالفك . فأعجب ذلك عبد المطلب وقبله وسارع إليه فأجابهم إلى حلف . فأقبل ورقاء بن عبد العزى أحد بنى مازن بن عدي بن عمرو بن لحيّ ، وسفيان ابن عمرو القميرى ، وأبو بشر [ 5 ] ، وهاجر بن عمير القميرى ، وهاجر بن عبد مناف بن ضاطر ، وعبد العزى بن قطم المصطلقي في عدّة من وجوههم ، فدخلوا دار الندوة وكتبوا بينهم كتابا . وكان عبد المطَّلب في سبعة نفر من بنى المطَّلب ، والأرقم بن نضلة بن هاشم . ولم يحضر أحد من بنى نوفل ولا عبد شمس . فلما فرغوا من الكتاب ، علَّقوه في الكعبة . وكان الذي كتبه لهم أبو قيس ( بن ) عبد مناف بن زهرة بن كلاب ( المعلَّم . وتزوّج عبد المطلَّب يومئذ لبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر ، فولدت له أبا لهب . وتزوج أيضا ممنّعة [ 6 ] بنت عمرو بن مالك بن مؤمّل ، فولدت له الغيداق . وكانت نسخة كتابهم [ 7 ] « هذا ما تحالف عليه عبد المطَّلب بن هاشم ورجالة عمرو بن ربيعة ، من خزاعة ، ومن معهم من أسلم ومالك ابني أفصى بن حارثة [ 8 ] . تحالفوا على التناصر والمؤاساة ما بلّ [ 1 ] بحر صوفة ، حلفا جامعا غير مفرّق . الأشياخ على الأشياخ ، والأصاغر على الأصاغر ، والشاهد على الغائب . وتعاهدوا وتعاقدوا أوكد عهد ، وأوثق عقد ، لا ينقض ولا ينكث ما شرقت شمس على ثبير ، وحنّ بفلاة بعير ، وما قام الأخشبان ، وعمر بمكة إنسان ، حلف أبد ، لطول أمد [ 2 ] . يزيده طلوع الشمس شدّا ، وظلام الليل مدّا . وانّ عبد المطلب وولده ومن معهم دون سائر بنى النضر بن كنانة ، ورجال خزاعة متكافئون ، متضافرون ، متعاونون . فعلى عبد المطلب النصرة لهم ممن تابعه على كل طالب وتر ، في برّ أو بحر ، أو سهل أو وعر . وعلى خزاعة النصرة لعبد المطَّلب وولده ومن معهم على جميع العرب ، في شرق أو غرب ، أو حزن أو سهب . وجعلوا الله على ذلك كفيلا ، وكفى به حميلا [ 3 ] » . فقال عبد المطلَّب [ 4 ] : سأوصي زبيرا إن أتتني منيّتي * بإمساك ما بيني وبين بنى عمرو وأن يحفظ العهد الوكيد بجهده * ولا يلحدن فيه بظلم ولا غدر / 32 / هم حفظوا الإلّ القديم وحالفوا * أباك وكانوا دون قومك من فهر وكان عبد المطَّلب وصيّ ابنه الزبير . ثم أوصى الزبير إلى أبى طالب ، ثم أوصى أبو طالب إلى العباس . وقال ابن الكلبي : وهذا الحلف هو الذي عناه عمرو بن سالم الخزاعي حين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم [ 5 ] : لاهمّ إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلد 133 – وحدثني العباس بن هشام ، عن أبيه ، عن جده محمد بن السائب الكلبي وغيره ، قالوا : كان عبد المطلب من حلماء قريش وحكَّامها . وكان نديمه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف . وكان في جوار عبد المطلب يهودي ، يقال له أدينة [ 1 ] . وكان اليهودي يتسوّق في أسواق تهامة بماله . فغاظ ذلك حربا . فألَّب عليه فتيانا من قريش ، وقال : هذا العلج الذي يقطع إليكم ويخوض بلادكم بمال جمّ كثير من غير جوار ولا خيل ، والله لو قتلتموه وأخذتم ماله ، ما خفتم تبعة ولا عرض لكم أحد يطلب بدمه . فشدّ عليه عامر بن عبد مناف ابن عبد الدار بن قصي ، وصخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ، فقتلاه . فجعل عبد المطَّلب لا يعرف له قاتلا [ 2 ] . فلم يزل يبحث عن أمره ، حتى علم خبره بعد . فأتى حرب بن أمية ، فأنّبه بصنيعه وطلب بدم جاره . فأجار حرب قاتليه ولم يسلمهما أخفافهما . وطالبه عبد المطَّلب بهما ، فتغالظا في القول . حتى دعاهما المحك واللجاج إلى المنافرة . فجعلا بينهما النجاشي صاحب الحبشة . فأبى أن يدخل بينهما . فجعلا بينهما نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله ابن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي ، جدّ عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه . فقال لحرب : « يآبا عمرو ، أتنافر رجلا هو أطول منك قامة ، وأوسم منك وسامة ، وأعظم منك هامة ، وأقل منك لامة ، وأكثر منك ولدا ، وأجزل منك صلة ، وأطول منك مذودا [ 3 ] ؟ وأنى لأقول هذا ، وإنك لبعيد الغضب ، رفيع الصيت في العرب ، جلد النذيرة [ 4 ] ، تحبك العشيرة ، ولكنك نافرت منفّرا » . فنفّر عبد المطلب . فغضب حرب ، وأغلظ لنفيل ، وقال : من انتكاس الدهر أن جعلتك [ 5 ] حكما . وكانت العرب تتحاكم إليه . فقال نفيل [ 6 ] : أولاد شيبة أهل المجد قد علمت * عليا معدّ إذا ما هزهز الورع وشيخهم خير شيخ لست تبلغه * أنّى وليس به سخف ولا طبع يا حرب ما بلغت مسعاتكم هبعا * يسقى الحجيج وما ذا يبلغ الهبع أبوكما واحد والفرع بينكما * منه العشاش ومنه الناضر الينع وتروى « مختلف العش الضئيل [ 1 ] » . قال : فترك عبد المطلب منادمة حرب ، ونادم عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة . ولم يفارق حربا حتى أخذ منه مائة ناقة ، ودفعها إلى ابن عم اليهودي . وارتجع ماله إلا شيئا كان شعث منه ، فغرمه [ 2 ] من ماله . وقال الأرقم بن نضلة بن هاشم في منافرة عبد المطلب حربا [ 3 ] : وقبلك ما أدرى أمية هاشم * فأورده عمرو إلى شرّ مورد أيا حرب قد جاريت غير مقصّر * شآك إلى الغايات طلَّاع أنجد 134 – وحدثني عباس بن هشام ، عن أبيه ، عن أشياخ من العلماء ، قالوا : كان لعبد المطَّلب ماء يدعى ذا ) الهرم . فغلبه عليه جندب بن الحارث الثقفي ، قوم من ثقيف . فنافرهم عبد المطلَّب إلى الكاهن القضاعي ، وهو سلمة بن أبي حيّة بن الأشحم بن عامر بن ثعلبة ، من بنى الحارث بن سعد هذيم ، أخي عذرة بن سعد . وهو صاحب عزى سلمة . وعزّاه شيطانه ، فيما يزعمون . وكان منزله بالشأم . فخرج عبد المطلب إليه في نفر من قريش ، وخرج جندب في جماعة من ثقيف . فلما انتهوا إلى الكاهن ، خبئوا له ، فيما يزعمون ، رأس جرادة في خربة مزادة [ 4 ] . فقال ، والله أعلم : خبأتم لي شيئا طار ، فسطع وتصوب فوقع ذا ذنب جرّار ، وساق كالمنشار ، ورأس كالمسمار / 33 / فقال : إلَّاده ، أي بيّن . فقال : إلَّاده فلاده ( يقول : إلا يكن قولي بيانا ، فلا بيان ) . وهو رأس جرادة ، في خربة مزادة [ 1 ] ، في ثنى القلادة . قالوا : صدقت . وانتسبوا له . فقال : أحلف بالضياء والظلم ، والبيت والحرم ، أنّ الماء [ 2 ] ذا الهرم ، للقرشي ذي الكرم . فغضب الثقفيون ، فقالوا : اقض لأرفعنا مكانا ، وأعظمنا جفانا ، وأشدنا طعانا . فقال عبد المطَّلب : اقض لصاحب الخيرات الكبر ، ولمن أبوه سيد مضر ، وساقى الحجيج إذا كثر . فقال الكاهن [ 3 ] : أما وربّ القلص الرواسم * يحملن أزوالا بقي طاسم إنّ سناد المجد والمحارم * في شيبة الحمد سليل هاشم أبى النبي المرتضى للعالم ثم قال [ 4 ] : إن بنى النضر كرام ساده * من مضر الحمراء في القلادة أهل سناء وملوك قاده * مزارهم بأرضهم عباده إنّ مقالي فاعلموا شهاده ثم قال : إنّ ثقفيا عبد أبق [ 5 ] فثقف ، فعتق ، فليس له في المنصب الكريم من حق . يوم ذات نكيف :