أنساب الأشراف 17

135 – حدثني عباس ، عن أبيه ، عن جده قال :
لم يزل بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة مبغضين لقريش مضطغنين عليهم ما كان من قصيّ حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة ، حين
قسّمها رباعا وخططا بين قريش . فلما كانوا على عهد المطلب [ 1 ] ، همّوا بإخراج قريش من الحرم وأن يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه . وعدت بنو بكر على نعم لبنى الهون فاطردوها ، ثم جمعوا جموعهم . وجمعت قريش واستعدّت .
وعقد المطَّلب [ 2 ] الحلف بين قريش والأحابيش ( وهم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة ، وبنو المصطلق من خزاعة .
فلقوا بنى بكر ومن انضمّ إليهم ، وعلى الناس المطَّلب [ 3 ] . فاقتتلوا بذات نكيف . فانهزم بنو بكر ، وقتلوا قتلا ذريعا ، فلم يعودوا لحرب قريش .
قال ابن شعلة الفهري :
للَّه عينا من رأى من عصابة * غوت غيّ بكر يوم ذات نكيف
أناخوا إلى أبياتنا ونسائنا * فكانوا لنا ضيفا بشرّ مضيف
وقتل يومئذ عبد ( بن ) [ 4 ] السفاح القاريّ من القارة : قتادة [ 5 ] بن قيس أخا بلعاء بن قيس . واسم بلعاء مساحق . وقال عبد في ذلك :
يا طعنة ما قد طعنت مرشة * قتادة [ 6 ] حين الخيل بالقوم تخنف
إذا جاء سرب من نساء يعدنه * تولين يأسا ظهرهن يقفقف
قال ابن الكلبي : ويومئذ قيل [ 7 ] :
* قد أنصف القارة من راماها *
والقارة من ولد الهون بن خزيمة . وهم من ولد عضل بن الديش . قال رجل منهم [ 1 ] :
دعونا قارة : لا تنفرونا * فنجفل مثل إجفال الظليم
فسمّوا القارة . والقارة جبيل صغير . وقال غير الكلبي : قال عبد شمس ابن قيس ، وهو رجل من بنى الهون :
أعازبة حلوم [ 2 ] بنى أبينا * كنانة أم هم قوم نيام
فإن يك فيكم كرم وعزّ * فقومكم وإن قلَّوا كرام
دعونا قارة لا تنفرونا * فتنبتك القرابة والذمام
كما جلَّت بنو أسد جذاما * فبانت عن مساكنها جذام
وكان يقال للقارة « رماة الحدق » . وقال الشاعر [ 3 ] :
قد علمت سلمى ومن والاها * أنّا نصدّ الخيل عن هواها
قد أنصف القارة من راماها * إنّا إذا ما فئة نلقاها
/ 34 / نردّ أولاها على أخراها * نردّها دامية كلاها
وقال أبو عبيدة : قال قتادة [ 4 ] لقومه يوم ذات نكيف : ارموهم بالنبل ، فإذا فنيت ، فشدّوا عليها بالرماح . فقال قائل منهم :
* قد أنصف القارة من راماها *
وكان أبو عبيدة يقول : « حكم بن الهون » ، ولكن ولده أتوا اليمن ، فقالوا :
« حكم بن سعد العشيرة » .
136 – حفر زمزم ونذر عبد المطلب :
قالوا : أرى [ 1 ] عبد المطلب في منامه أن يحتفى زمزم ويحتفرها ، ودلّ على موضعها وكانت جرهم دفنها عند إخراج خزاعة إياها عن مكة . فقال له قائل : « زمزم ، وما زمزم ؟ هزمة جبريل برجله ، وسقيا إسماعيل وأهله . زمزم البركات ، تروى الرفاق الواردات [ 2 ] . شفاء سقام ، وخير طعام » . فاحتفرها ، ووجد فيها سيوفا مدفونة ، وحليّا ، وغزالا من فضّة وذهب مشنّفا بالدرّ . فعلَّقه في الكعبة ، حتى سرق بعد . قالت صفية بنت عبد المطَّلب :
نحن حفرنا للحجيج زمزم * سقيا الخليل وابنه المكرم
هزمة جبريل التي لم تذمم * شفاء سقم وطعام مطعم
137 – وحدثني الوليد بن صالح ومحمد بن سعد ، قالا ثنا محمد بن عمر ، قال :
سألت عبد الله بن جعفر : متى كان حفر عبد المطَّلب زمزم ؟ فقال : وهو ابن أربعين سنة . قلت : فمتى كان أراد ذبح ولده ؟ قال : بعد ذلك بثلاثين سنة . قلت : قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أجل ، وقبل مولد حمزة . قلت : فإن بعض الرواة يزعم أنه أتى لعبد المطلب مائة وعشر سنين .
قال : لم يبلغ ذلك . قلت : ما كان سبب نذره أن يذبح ولده ؟ قال : نازعته قريش حين حفر زمزم ، وليس له يومئذ من الولد إلا الحارث وحده . فقال له عدى بن نوفل بن عبد مناف ، أبو « المطعم » : يا عبد المطلب ، أتستطيل علينا وأنت فذّ لا ولد لك [ 3 ] ؟ قال عبد المطلب : أتقول هذا وإنما كان نوفل ، أبوك ، في حجر هاشم ؟ ( لأن هاشما كان خلف على أمه واقدة نكاح مقت .
فقال له عدى : وأنت أيضا فقد كنت عند أخوالك من بنى النجّار حتى ردّك
المطَّلب [ 1 ] . قال : أبا لقلَّة تعيرني ؟ فوالله لئن آتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرنّ أحدهم عند الكعبة . فآتاه الله عشرة . فأقرع بينهم . فوقعت القرعة على عبد الله ، أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أحبّ الناس إليه . فقال :
اللهم ، أهو أم مائة من تلاد إبلي ؟ فأقرع بينه وبين مائة من إبله ، فوقعت القرعة على المائة . فنحرها ، فاقتسمها في فقراء مكة ومن ورد من الأعراب .
قال ، قلت : فإن بعض الرواة يقول : « تكاءد [ 2 ] عبد المطلب حفر زمزم ، فقال : لئن تمّ حفرها ، لأنحرنّ بعض ولدى » ؟ فقال : « ما أدرى ما هذا .
ولقد روى » . وقال في السنة التي نحر فيها عبد المطلب الإبل ، مات الحارث ابن عبد المطلب ولابنه ربيعة سنتان .
138 – قال الواقدي : وكان نحر الإبل قبل الفيل بخمس سنين ، فكان ربيعة أسنّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع سنين .
139 – حدثني عباس بن هشام ، عن أبيه ، عن جده قال :
تزوج عبد المطَّلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة ، وهي أم حمزة ابن عبد المطلب ، ولدته قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع سنين أو نحوها . ثم زوّج عبد المطلب ابنه عبد الله : آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، وكانت في حجر عمها أهيب بن عبد مناف ، فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولما خطبها عبد المطَّلب على عبد الله ، فأجيب إلى تزويجه إياها ، انطلق
به ماضيا إلى بنى زهرة . فمرّ بامرأة من خثعم ، يقال لها فاطمة – وكان فتيان قريش يحدثون إليها ، وكانت عفيفة ، ويقال إنها كانت من بنى أسد بن خزيمة وكانت تعتاف وتنتظر وتقرأ الكتب – فقالت لعبد الله ، وجلس إليها منتظرا لأبيه ، وقد عرج / 35 / لبعض شأنه : هل لك في موافقتي على أن أعطيك مائة من الإبل ؟ ( وكانت موسرة ) . فقال عبد الله [ 3 ] :
أما الحرام فالممات دونه * والحلّ لا حلّ فاستبينه
فكيف بالأمر الذي تنوينه
ثم إنه مضى مع أبيه إلى بنى زهرة ، فزوّجه آمنة . وأقام عندها ثلاثا .
وكانت تلك سنّتهم . ثم إنّ عبد الله أتى الامرأة [ 1 ] بعد ذلك ، فقال لها : هل لك فيما كنت عرضت عليّ أن يكون بيننا تزويج ؟ فقالت :
لا تطلبنّ الأمر إلا ميلا * قد كان ذاك مرة فاليوم لا
إني رأيت في وجهك نورا ساطعا ، وقد ذهب الآن ، فما الذي صنعت ؟
فحدّثها حديثه ، فقالت : إني لأحسبك أبا النبي الذي قد أظلّ وقت مولده .
وقالت [ 2 ] :
للَّه ما زهرية سلبت * ثوبيك ما سكنت وما تدرى
وقالت أيضا [ 3 ] :
بني هاشم قد غادرت من أخيكم * أمينة إذ للباه يعتلجان
كما غادر المصباح بعد خبوّة * فتائل قد ميثت له بدهان
وما كل ما يحوى امرؤ من إرادة * لحزم ولا ما فاته لتوان
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه * سيكفيكه جدّان يصطرعان
( ولادة النبي عليه السلام ) :
140 – وحملت آمنة في أيامها الثلاثة . ورأت في منامها آتيا أتاها ، فقال :
يا آمنة ، إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وقع في الأرض ، فقولي : « أعيذك بالواحد ، من شر كل حاسد » ، وسمّيه أحمد . ويقال إنه قال : سمّيه محمدا .
141 – فلما وضعته ، أرسلت إلى عبد المطَّلب أنه قد ولد لك غلام . فنهض مسرورا ، ومعه بنوه ، حتى أتاه فنظر إليه . وحدّثته بما رأت ، وبسهولة حمله وولادته . فأخذه عبد المطلب في خرقة فأدخله الكعبة وقال [ 1 ] :
الحمد للَّه الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الأردان
أعيذه بالبيت ذي الأركان * من كل ذي بغى وذي شنآن
وحاسد مضطرب العنان
ثم ردّه إلى أمه .
142 – وقال الواقدي : الامرأة التي قالت لعبد الله ما قالت ، قتيلة بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ ، أخت ورقة بن نوفل . وكانت تنظر في الكتب .
143 – المدائني ، عن يزيد بن عياض ، عن الزهري وحفص بن عمر ، عن هشام بن الكلبي ، عن أبيه ، أن عبد المطلب كان إذا أتى بالطعام ، أجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانبه ، وربما أقعده على فخذه ، فيوثره بأطيب طعامه . وكان رقيقا عليه بآدابه . فربما أتى بالطعام وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرا ، فلا يمسّ شيئا منه حتى يؤتى به . وكان يفرش له في ظلّ الكعبة ، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه ، فإذا خرج ، قاموا على رأسه مع عبيده ، إجلالا له . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر ، فيجلس على الفراش ، فيأخذه أعمامه ليؤخّروه ، فيقول عبد المطلب : مهلا ، دعوا
ابني ما تريدون منه . ثم يقول : دعوه فإنّ له لشأنا ، أما ترونه ؟ ويقبل رأسه وفمه ، ويمسح ظهره ، ويسرّ بكلامه وما يرى منه .
144 – وحدثني محمد بن إسماعيل الضرير الواسطي ، حدثنا علي بن عاصم ، عن داود بن أبي هند ، عن العباس بن عبد الرحمن الهاشمي ، عن الكندير بن سعيد ، عن أبيه ، قال :
حججت في الجاهلية ، فإذا أنا بشيخ مربوع يطوف بالبيت ، وهو يقول [ 1 ] :
ردّ عليّ راكبي محمدا * واصطنعن برده عندي يدا
فقلت : من هذا الشيخ ؟ قالوا : عبد المطلب بن هاشم . قلت : ما شأنه ؟
قالوا : ( أ ) ضلّ إبلاله ، فخرج في طلبها بنيّ ابنه : محمد بن عبد الله ، وقد أبطأ عليه ، فقد أخذه ما ترى . قال : فما برحت حتى رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو غلام ، وجاء بالإبل . فسمعت عبد / 36 / المطلب يقول له :
يا بنيّ ، لقد جزعت عليك جزعا ، لا تفارقني بعده حتى أموت

شاهد أيضاً

الشعب الإيراني كل ليلة يخرج للشوارع لدعم الدولة بإعداد كبيرة هل يوجد في العالم مثل هذه الملحمة

Haydari Nazar 50 المشهد الإيراني الحالي لافت جدًا من الناحية التاريخية، خصوصًا إذا كان المقصود …