135 – حدثني عباس ، عن أبيه ، عن جده قال : لم يزل بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة مبغضين لقريش مضطغنين عليهم ما كان من قصيّ حين أخرجهم من مكة مع من أخرج من خزاعة ، حين قسّمها رباعا وخططا بين قريش . فلما كانوا على عهد المطلب [ 1 ] ، همّوا بإخراج قريش من الحرم وأن يقاتلوهم حتى يغلبوهم عليه . وعدت بنو بكر على نعم لبنى الهون فاطردوها ، ثم جمعوا جموعهم . وجمعت قريش واستعدّت . وعقد المطَّلب [ 2 ] الحلف بين قريش والأحابيش ( وهم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة ، وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة ، وبنو المصطلق من خزاعة . فلقوا بنى بكر ومن انضمّ إليهم ، وعلى الناس المطَّلب [ 3 ] . فاقتتلوا بذات نكيف . فانهزم بنو بكر ، وقتلوا قتلا ذريعا ، فلم يعودوا لحرب قريش . قال ابن شعلة الفهري : للَّه عينا من رأى من عصابة * غوت غيّ بكر يوم ذات نكيف أناخوا إلى أبياتنا ونسائنا * فكانوا لنا ضيفا بشرّ مضيف وقتل يومئذ عبد ( بن ) [ 4 ] السفاح القاريّ من القارة : قتادة [ 5 ] بن قيس أخا بلعاء بن قيس . واسم بلعاء مساحق . وقال عبد في ذلك : يا طعنة ما قد طعنت مرشة * قتادة [ 6 ] حين الخيل بالقوم تخنف إذا جاء سرب من نساء يعدنه * تولين يأسا ظهرهن يقفقف قال ابن الكلبي : ويومئذ قيل [ 7 ] : * قد أنصف القارة من راماها * والقارة من ولد الهون بن خزيمة . وهم من ولد عضل بن الديش . قال رجل منهم [ 1 ] : دعونا قارة : لا تنفرونا * فنجفل مثل إجفال الظليم فسمّوا القارة . والقارة جبيل صغير . وقال غير الكلبي : قال عبد شمس ابن قيس ، وهو رجل من بنى الهون : أعازبة حلوم [ 2 ] بنى أبينا * كنانة أم هم قوم نيام فإن يك فيكم كرم وعزّ * فقومكم وإن قلَّوا كرام دعونا قارة لا تنفرونا * فتنبتك القرابة والذمام كما جلَّت بنو أسد جذاما * فبانت عن مساكنها جذام وكان يقال للقارة « رماة الحدق » . وقال الشاعر [ 3 ] : قد علمت سلمى ومن والاها * أنّا نصدّ الخيل عن هواها قد أنصف القارة من راماها * إنّا إذا ما فئة نلقاها / 34 / نردّ أولاها على أخراها * نردّها دامية كلاها وقال أبو عبيدة : قال قتادة [ 4 ] لقومه يوم ذات نكيف : ارموهم بالنبل ، فإذا فنيت ، فشدّوا عليها بالرماح . فقال قائل منهم : * قد أنصف القارة من راماها * وكان أبو عبيدة يقول : « حكم بن الهون » ، ولكن ولده أتوا اليمن ، فقالوا : « حكم بن سعد العشيرة » . 136 – حفر زمزم ونذر عبد المطلب : قالوا : أرى [ 1 ] عبد المطلب في منامه أن يحتفى زمزم ويحتفرها ، ودلّ على موضعها وكانت جرهم دفنها عند إخراج خزاعة إياها عن مكة . فقال له قائل : « زمزم ، وما زمزم ؟ هزمة جبريل برجله ، وسقيا إسماعيل وأهله . زمزم البركات ، تروى الرفاق الواردات [ 2 ] . شفاء سقام ، وخير طعام » . فاحتفرها ، ووجد فيها سيوفا مدفونة ، وحليّا ، وغزالا من فضّة وذهب مشنّفا بالدرّ . فعلَّقه في الكعبة ، حتى سرق بعد . قالت صفية بنت عبد المطَّلب : نحن حفرنا للحجيج زمزم * سقيا الخليل وابنه المكرم هزمة جبريل التي لم تذمم * شفاء سقم وطعام مطعم 137 – وحدثني الوليد بن صالح ومحمد بن سعد ، قالا ثنا محمد بن عمر ، قال : سألت عبد الله بن جعفر : متى كان حفر عبد المطَّلب زمزم ؟ فقال : وهو ابن أربعين سنة . قلت : فمتى كان أراد ذبح ولده ؟ قال : بعد ذلك بثلاثين سنة . قلت : قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أجل ، وقبل مولد حمزة . قلت : فإن بعض الرواة يزعم أنه أتى لعبد المطلب مائة وعشر سنين . قال : لم يبلغ ذلك . قلت : ما كان سبب نذره أن يذبح ولده ؟ قال : نازعته قريش حين حفر زمزم ، وليس له يومئذ من الولد إلا الحارث وحده . فقال له عدى بن نوفل بن عبد مناف ، أبو « المطعم » : يا عبد المطلب ، أتستطيل علينا وأنت فذّ لا ولد لك [ 3 ] ؟ قال عبد المطلب : أتقول هذا وإنما كان نوفل ، أبوك ، في حجر هاشم ؟ ( لأن هاشما كان خلف على أمه واقدة نكاح مقت . فقال له عدى : وأنت أيضا فقد كنت عند أخوالك من بنى النجّار حتى ردّك المطَّلب [ 1 ] . قال : أبا لقلَّة تعيرني ؟ فوالله لئن آتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرنّ أحدهم عند الكعبة . فآتاه الله عشرة . فأقرع بينهم . فوقعت القرعة على عبد الله ، أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أحبّ الناس إليه . فقال : اللهم ، أهو أم مائة من تلاد إبلي ؟ فأقرع بينه وبين مائة من إبله ، فوقعت القرعة على المائة . فنحرها ، فاقتسمها في فقراء مكة ومن ورد من الأعراب . قال ، قلت : فإن بعض الرواة يقول : « تكاءد [ 2 ] عبد المطلب حفر زمزم ، فقال : لئن تمّ حفرها ، لأنحرنّ بعض ولدى » ؟ فقال : « ما أدرى ما هذا . ولقد روى » . وقال في السنة التي نحر فيها عبد المطلب الإبل ، مات الحارث ابن عبد المطلب ولابنه ربيعة سنتان . 138 – قال الواقدي : وكان نحر الإبل قبل الفيل بخمس سنين ، فكان ربيعة أسنّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع سنين . 139 – حدثني عباس بن هشام ، عن أبيه ، عن جده قال : تزوج عبد المطَّلب هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة ، وهي أم حمزة ابن عبد المطلب ، ولدته قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع سنين أو نحوها . ثم زوّج عبد المطلب ابنه عبد الله : آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، وكانت في حجر عمها أهيب بن عبد مناف ، فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولما خطبها عبد المطَّلب على عبد الله ، فأجيب إلى تزويجه إياها ، انطلق به ماضيا إلى بنى زهرة . فمرّ بامرأة من خثعم ، يقال لها فاطمة – وكان فتيان قريش يحدثون إليها ، وكانت عفيفة ، ويقال إنها كانت من بنى أسد بن خزيمة وكانت تعتاف وتنتظر وتقرأ الكتب – فقالت لعبد الله ، وجلس إليها منتظرا لأبيه ، وقد عرج / 35 / لبعض شأنه : هل لك في موافقتي على أن أعطيك مائة من الإبل ؟ ( وكانت موسرة ) . فقال عبد الله [ 3 ] : أما الحرام فالممات دونه * والحلّ لا حلّ فاستبينه فكيف بالأمر الذي تنوينه ثم إنه مضى مع أبيه إلى بنى زهرة ، فزوّجه آمنة . وأقام عندها ثلاثا . وكانت تلك سنّتهم . ثم إنّ عبد الله أتى الامرأة [ 1 ] بعد ذلك ، فقال لها : هل لك فيما كنت عرضت عليّ أن يكون بيننا تزويج ؟ فقالت : لا تطلبنّ الأمر إلا ميلا * قد كان ذاك مرة فاليوم لا إني رأيت في وجهك نورا ساطعا ، وقد ذهب الآن ، فما الذي صنعت ؟ فحدّثها حديثه ، فقالت : إني لأحسبك أبا النبي الذي قد أظلّ وقت مولده . وقالت [ 2 ] : للَّه ما زهرية سلبت * ثوبيك ما سكنت وما تدرى وقالت أيضا [ 3 ] : بني هاشم قد غادرت من أخيكم * أمينة إذ للباه يعتلجان كما غادر المصباح بعد خبوّة * فتائل قد ميثت له بدهان وما كل ما يحوى امرؤ من إرادة * لحزم ولا ما فاته لتوان فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه * سيكفيكه جدّان يصطرعان ( ولادة النبي عليه السلام ) : 140 – وحملت آمنة في أيامها الثلاثة . ورأت في منامها آتيا أتاها ، فقال : يا آمنة ، إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا وقع في الأرض ، فقولي : « أعيذك بالواحد ، من شر كل حاسد » ، وسمّيه أحمد . ويقال إنه قال : سمّيه محمدا . 141 – فلما وضعته ، أرسلت إلى عبد المطَّلب أنه قد ولد لك غلام . فنهض مسرورا ، ومعه بنوه ، حتى أتاه فنظر إليه . وحدّثته بما رأت ، وبسهولة حمله وولادته . فأخذه عبد المطلب في خرقة فأدخله الكعبة وقال [ 1 ] : الحمد للَّه الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الأردان أعيذه بالبيت ذي الأركان * من كل ذي بغى وذي شنآن وحاسد مضطرب العنان ثم ردّه إلى أمه . 142 – وقال الواقدي : الامرأة التي قالت لعبد الله ما قالت ، قتيلة بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ ، أخت ورقة بن نوفل . وكانت تنظر في الكتب . 143 – المدائني ، عن يزيد بن عياض ، عن الزهري وحفص بن عمر ، عن هشام بن الكلبي ، عن أبيه ، أن عبد المطلب كان إذا أتى بالطعام ، أجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانبه ، وربما أقعده على فخذه ، فيوثره بأطيب طعامه . وكان رقيقا عليه بآدابه . فربما أتى بالطعام وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم حاضرا ، فلا يمسّ شيئا منه حتى يؤتى به . وكان يفرش له في ظلّ الكعبة ، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه ، فإذا خرج ، قاموا على رأسه مع عبيده ، إجلالا له . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر ، فيجلس على الفراش ، فيأخذه أعمامه ليؤخّروه ، فيقول عبد المطلب : مهلا ، دعوا ابني ما تريدون منه . ثم يقول : دعوه فإنّ له لشأنا ، أما ترونه ؟ ويقبل رأسه وفمه ، ويمسح ظهره ، ويسرّ بكلامه وما يرى منه . 144 – وحدثني محمد بن إسماعيل الضرير الواسطي ، حدثنا علي بن عاصم ، عن داود بن أبي هند ، عن العباس بن عبد الرحمن الهاشمي ، عن الكندير بن سعيد ، عن أبيه ، قال : حججت في الجاهلية ، فإذا أنا بشيخ مربوع يطوف بالبيت ، وهو يقول [ 1 ] : ردّ عليّ راكبي محمدا * واصطنعن برده عندي يدا فقلت : من هذا الشيخ ؟ قالوا : عبد المطلب بن هاشم . قلت : ما شأنه ؟ قالوا : ( أ ) ضلّ إبلاله ، فخرج في طلبها بنيّ ابنه : محمد بن عبد الله ، وقد أبطأ عليه ، فقد أخذه ما ترى . قال : فما برحت حتى رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو غلام ، وجاء بالإبل . فسمعت عبد / 36 / المطلب يقول له : يا بنيّ ، لقد جزعت عليك جزعا ، لا تفارقني بعده حتى أموت