الرئيسية / بجوث اسلامية / الحسين في الفكر المسيحي – انطوان بارا

الحسين في الفكر المسيحي – انطوان بارا

معجزاتُ الشهادة

المعجزات التي تعقب الشهادات العظيمة ، ما هي إلاّ غضبة الخالق من عقوق خلقه الذي انتهى إلى قتل شهيده ، وسبحانه يجري هذه المعجزات بشكل صاعق له ردّة الصدمة الكهربائية العنيفة ؛ بهدف إيقاظ الضمائر لتنظر فيما جرى ، بقتلها هذا الشهيد الذي لم يؤتَ على حياته بأيّة معجزات تنجيه من مصيره المحتوم ، فكانت المعجزات بعد مماته شاهداً على قدرة الله ، وتوكيداً على مكانة الشهيد المقدّس ، وبأنّ ما قاله وبشّر به هو صوت الحقّ الإلهي الذي يتوجّب على الجميع إعادة سماعه إذا فاتهم ذلك والشهيد بينهم حيٌ بطبيعة بشريّة لم تكن كافية لمَن قست قلوبهم وغلظت ضمائرهم ، كي تقنعهم بقوّة العدل الذي جاء يبشّر به .

وقد اشترك الأنبياء والشهداء بقواسم مشتركة عديدة ، أفاضت على عقول الناس فيضاً من تشابه الرسالات السماويّة في جوهرها الأصلي ، وإن اختلفت باختلاف أساليبها التي لو شاء المولى (عزّ وجلّ) لجعلها واحدة ، لكنّ قوة إقناعها تكمن في اختلافها . وما دامت حياة الأبرار المختارين من الله تتشابه في ابتلائهم بشتّى الرزايا ، وبصبرهم الواحد حيالها ، وبنهاياتهم الأليمة التي لولاها لَما كان ثمّة أديان

الصفحة (106)

حفظت لنا حتّى الآن . فإنّ الصدمات الإلهيّة التي تعقب استشهادهم هي من التشابه والقوّة بحيث لا تدع مجالاً للشكّ بأنّها الانطباعات الفوريّة والقويّة على مكانة الشهيد وعظم رسالته .

وإذا كنّا في صدد الحديث عن أوجه الشبه بين شهيدي المسيحيّة والإسلام عيسى والحسين (عليهما السّلام) فإنّا لواجدون هذا الشبه جليّاً في نوعيّة المعجزات التي أعقبت شهادتَيهما ، بما تتلاءم مع قسوة ميتتيهما ، وإذا كنّا راغبين في حصر هذا التشابه بين الشهيدين العظيمين ، فذلك انسجاماً مع بحثنا لمدى فهم الفكر المسيحي خاصّة والإنساني عامّة لملحمة استشهاد الحسين ، بإبراز كلّ نقاط التشابه التي تدنيها من ملحمة فداء عيسى .

حينما استشهد الحسين (عليه السّلام) اظلمّت الدنيا ثلاث أيّام واسودّت سواداً عظيماً حتّى ظنّ الناس أنّ القيامة قامت ، وبدت الكواكب نصف النهار ، ولَم يرَ نور الشمس ثلاثة أيّام كاملة ، حيث كان سيّد شباب أهل الجنّة عارياً على وجه الصعيد(1) .

وحينما استشهد عيسى (عليه السّلام) انتشر ظلام شديد على الأرض كلّها منذ الساعة السادسة إلى التاسعة ، حيث لفظ المسيح روحه وصرخ صرخة قويّة ، وإذا ستار الهيكل قد انشقّ شطرَين من الأعلى إلى الأسفل ، وزلزلت الأرض ، وتصدّعت الصخور ، وتفتّحت القبور(2) .

هاتان المعجزتان العظيمتان تدلاّن على عظمة الشهيدَين ، وعلى عظم غضبة

ــــــــــــــــ
(1) تاريخ ابن عساكر 4 / 339 ، والخصائص الكبرى 2 / 126 ، والصواعق المحرقة / 116 ، والخطط المقريزيّة 2 / 289 ، وتذكرة الخواص / 155 ، ومقتل الحسين (عليه السّلام) للخوارزمي 2 / 90 ، وابن لهيعة عن أبي قبيل المعافري إذ قال : إنّ الشمس كسفت حتّى بدت النّجوم وقت الظهر ، وإنّ الأرض أظلمت .

(2) متّي 27 / 51 ـ 52 .

الصفحة (107)

الخالق سبحانه وتعالى ، الذي أظلم الدنيا ثلاث أيّام طيلة بقاء سيّد الشهداء عارياً في فلاة كربلاء ، وأظلمها ثلاث ساعات طيلة بقاء شهيد المحبّة عارياً في الجلجلة ؛ كي لا تكشف عريهما المقدّس عين ، ومن أجل إشراك الظواهر الطبيعيّة التي هي إحدى العلل في مجرى الكَون(1) ، والذي أوقف هذا المجرى شهادتا عيسى والحسين غضباً على مقتلهما ، وإظهاراً لغضبة الخالق على خلقه الذين اضطهدوا وقتلوا الشهيدَين العظيمَين .

وعن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السّلام) : (( إنّ السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالاحمرار ، والأرض بكت أربعين صباحاً بالسواد ، والشمس بكت عليه أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة ))(2) .

وبعد ثلاث أيّام من دفن عيسى حدث زلزال شديد وهبط ملاك الربّ نازلاً من السماء ودحرج حجر القبر الضخم وقعد عليه ، وكان هذا إيذاناً بقيامة المسيح من بين الأموات صاعداً إلى السماء كما جاء في الآية التي نزلت يوم مولده(3) .

وفي ذات الليلة رأت اُمّ سلمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنام أشعث مغبّراً وعلى رأسه التراب ، فقالت له : يا رسول الله ، ما لي أراك أشعث مغبّراً ؟! قال : (( قُتل ولدي الحسين ، ومازلت أحفر القبور له ولأصحابه ))(4) . فانتبهت فزعة ونظرت إلى

ـــــــــــــ
(1) استنكر بعض المؤرّخين حدوث مثل هذه الظواهر ، ووصفها ابن تيمية في كتابه (رأس الحسين) ط القاهرة / 130 ، بالغلوّ في الإيراد ، وفي المسيحية تقدير لهذه الظواهر كجزء من علل الكون المسيّر بعناية إلهية ، فقد ورد في أعمال الرسل 2 / 19 ـ 20 قول عزّته : (وأجعل علوّاً أعاجيب في السماء ، وسفلاً آيات في الأرض ، فتتبدّل الشمس بنورها ظلاماً ، والقمر دماً ) .
(2) وردت في عدّة مصادر سأذكرها بدون ترقيم وهي : الخصائص الكبرى ، تاريخ ابن عساكر ، تذكرة الخواص ، الإتحاف بحب الأشراف ، المناقب لابن شهر آشوب ، النجوم الزاهرة ، كنز العمال ، الصواعق المحرقة .
(3) متّي 27 / 2 ـ 3 .

(4) راجع أمالي الشيخ الطوسي / 56 ، وتهذيب التهذيب 2 / 356 ، وذخائر العقبى ـ المحب الطبري / 148 ، وتاريخ الخلفاء ـ السيوطي / 139 ، وسير أعلام النبلاء ـ الذهبي 3 / 213 .

شاهد أيضاً

الأضحية أهميتها ومسائلها – سيد مصطفى الزلزلة