مراسم رمزية في موقعين
بدأت الفعاليات بوضع أكاليل من الزهور عند الضريحين، تلاها عزف النشيدين الوطني اللبناني والكشفي، ثم تقديم مقطوعة موسيقية حملت عنوان «موسيقى أجيال السيد». وتحدث رئيس الجمعية الشيخ نزيه فياض خلال المراسم، مستذكراً المسيرة التي وصفها بـ«الحافلة» للقياديين الراحلين، ومؤكداً أن حضورهما «لم ينقطع في وجدان الأتباع»، على حد تعبيره.
وقال فياض في كلمته إن «الوفاء لنهج القيادات الراحلة لا يقتصر على الذكرى، بل يمتد إلى التربية والثقافة وبناء الأجيال»، مشيراً إلى أن الجمعية ستواصل ما وصفه بـ«المسار التربوي والقيمي» الذي نُسب إلى القيادتين. وأكد أن الكشافة «متمسكة بالمبادئ التي تشكلت عبر سنوات طويلة من العمل والتنظيم».
البعد التربوي والثقافي
ركزت الكلمات التي ألقيت خلال المناسبة على الجانب التربوي والثقافي، حيث شدد المتحدثون على دور المؤسسات الكشفية والشبابية في «تنشئة جيل واعٍ ومثقف»، وفق وصفهم. وجرى التأكيد على أن النشاطات الشبابية ستبقى، بحسب المنظمين، «مرتكزاً للحفاظ على الهوية والانتماء»، وهو ما عُرض باعتباره جزءاً من إرث القيادات الراحلة.
ويرى مراقبون أن هذا التركيز يعكس توجهاً لدى المؤسسات المرتبطة بالحزب نحو تعزيز العمل الاجتماعي والتربوي، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها لبنان على المستويات الاقتصادية والسياسية. ويشير هؤلاء إلى أن النشاط الكشفي، بما يحمله من طابع تنظيمي وثقافي، يلعب دوراً في الحفاظ على الروابط المجتمعية داخل البيئات المؤيدة.
استحضار الذاكرة الجماعية
استُعيدت خلال المراسم مشاهد التشييع الذي جرى قبل عام، والذي وصفه المتحدثون بأنه «حاشد»، حيث تطرق الشيخ فياض إلى «حضور شعبي واسع من لبنان وخارجه»، معتبراً أن ذلك «عكس مكانة القيادات الراحلة لدى جمهورها». وتضمنت الكلمات إشارات إلى الدور السياسي والتنظيمي الذي لعبه الرجلان خلال سنوات قيادتهما، مع التأكيد على استمرار تأثيرهما الرمزي.
ويقول محللون إن مثل هذه المناسبات تسهم في تعزيز الذاكرة الجماعية لدى القواعد المؤيدة، إذ تتحول الذكرى إلى حدث سنوي يُعاد من خلاله سرد التاريخ التنظيمي والسياسي، وربطه بالواقع الحالي. ويضيفون أن هذا النمط من الإحياء شائع في الحركات السياسية ذات الطابع الأيديولوجي، حيث تُستخدم الرمزية لتأكيد الاستمرارية.
تفاعلات في الساحة اللبنانية
أثارت المناسبة تفاعلات متباينة في لبنان، حيث رأى مؤيدون أنها «تجسيد للوفاء»، بينما اعتبرها منتقدون «حدثاً سياسياً بلباس رمزي». ويعكس هذا الانقسام المشهد اللبناني العام، الذي يتسم بتعدد المواقف تجاه دور حزب الله وتأثيره في الحياة السياسية والأمنية.
وفي حين لم تصدر مواقف رسمية بارزة من القوى السياسية الأخرى، أشار بعض المراقبين إلى أن إحياء الذكرى يأتي في ظل مرحلة حساسة يمر بها لبنان، مع استمرار التحديات الاقتصادية والمالية، إضافة إلى التوترات الإقليمية التي تنعكس على الداخل اللبناني.
البعد الإقليمي
لا يمكن فصل الحدث عن سياقه الإقليمي، إذ يرتبط اسم القياديين الراحلين بدور حزب الله في قضايا المنطقة، وهو ما جعل الذكرى تتجاوز حدود البعد المحلي بالنسبة لمناصريه. ويرى باحثون في الشؤون الإقليمية أن الخطاب الذي رافق المراسم حمل رسائل داخلية أكثر منه خارجية، مركّزاً على «الاستمرارية التنظيمية» و«تعزيز الهوية»
ويشير هؤلاء إلى أن الحزب، منذ سنوات، يسعى إلى الجمع بين العمل السياسي والاجتماعي، وهو ما يظهر في النشاطات الثقافية والكشفية التي تستهدف فئة الشباب. ويضيفون أن هذه الفعاليات تُستخدم أيضاً لتأكيد الحضور الشعبي والتنظيمي في ظل المتغيرات.
الشباب والهوية
أحد أبرز محاور المناسبة كان التركيز على «الأجيال الصاعدة»، حيث شدد المنظمون على دور الشباب في «حمل القيم والاستمرار في المسار». واعتبروا أن المؤسسات الكشفية تشكل «مدرسة للانضباط والعمل الجماعي»، وهو ما ينسجم مع طبيعة النشاط الكشفي عموماً.
ويقول مختصون في علم الاجتماع إن التركيز على فئة الشباب في مثل هذه المناسبات يعكس إدراكاً لأهمية العامل الديموغرافي، إذ تسعى التنظيمات إلى الحفاظ على استمراريتها عبر الاستثمار في الأجيال الجديدة. ويضيفون أن الطابع الرمزي والاحتفالي يساعد في تعزيز الانتماء لدى المشاركين.
بين الرمز والسياسة
رغم الطابع الرمزي للمراسم، فإن الحدث لا يخلو من أبعاد سياسية، خاصة في بلد مثل لبنان حيث تتداخل السياسة مع الدين والمجتمع. ويرى محللون أن إحياء الذكرى يشكل أيضاً مناسبة لإعادة التأكيد على الخطاب السياسي والتنظيمي، حتى وإن جاء ذلك ضمن إطار ثقافي أو كشفي.
ويشير هؤلاء إلى أن استخدام الرموز والشخصيات التاريخية في الخطاب السياسي يعد من الوسائل التقليدية لتعزيز الهوية الجماعية، وهو ما ظهر بوضوح في الكلمات التي ربطت بين «الماضي والحاضر والمستقبل».
قراءة في الرسائل
من خلال تحليل الخطاب الذي رافق المناسبة، يمكن رصد عدة رسائل رئيسية: أولها التأكيد على الاستمرارية التنظيمية وعدم انقطاع التأثير الرمزي للقيادات الراحلة، وثانيها التركيز على البعد التربوي والثقافي، وثالثها إبراز دور الشباب في المستقبل. ويرى مراقبون أن هذه الرسائل موجهة بالدرجة الأولى إلى الداخل، في محاولة لتعزيز التماسك في ظل الظروف الصعبة.
اختُتمت المراسم بالتأكيد على أن «الوفاء لا يقتصر على الذكرى بل يتجسد في العمل»، وفق تعبير المنظمين، في إشارة إلى استمرار النشاطات التربوية والثقافية المرتبطة بإرث القيادات الراحلة. وبينما يرى مؤيدون في الحدث تجديداً للولاء والهوية، ينظر إليه آخرون كجزء من المشهد السياسي اللبناني المعقد.
وفي بلد يعيش على وقع أزمات متلاحقة، تبقى مثل هذه المناسبات انعكاساً لتداخل الرمزي بالسياسي، والديني بالاجتماعي، في صورة تعكس طبيعة لبنان المتعددة، حيث تتقاطع الذاكرة والتاريخ مع الواقع اليومي، وتبقى الرموز حاضرة في تشكيل المشهد العام.
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله




