زاد المبلغ في عاشوراء الجزء الأول

21

الموعظة الستّون: المدرسة الأخلاقيّة عِند أهل البيت (عليهم السلام)

الإمام عَليّ (عليه السلام)، فقال له الذمّيّ: ألَيْسَ زَعَمْتَ تُريدُ الكوفة؟ قال (عليه السلام): «بلى»، فقال له الذمّيّ: فَقَد تركْتَ الطريق. فقال (عليه السلام): «قد عَلِمْتُ»، فقال له: فَلِمَ عَدَلْتَ معي وقَد عَلِمْتَ ذلك؟ فقال له عليّ (عليه السلام): «هذا مِن تَمام الصُحبة؛ أَن يُشيِّعَ الرجلُ صـاحِبهُ هُنيئةً إذا فارَقَهُ، وَكَذلِكَ أَمَرَنـا نَبيُّنا». فقال له الذمّيّ: هكذا أمَرَكم نبيّكم؟ فقال (عليه السلام): «نعم». فقال له الذمّيّ: لا جَرَم إنّما تَبِعَهُ مَن تَبِعَه لِأفعاله الكريمة، وأنا أشهد على دينك. فرجِع الذمّيّ مع الإمام عليّ (عليه السلام)، فلمّا عَرَفَهُ أَسْلَم[1].

وفي حديثٍ آخر -في تفسير الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)- قال: «حَضَرَتِ امْرَأَةٌ عِنْدَ الصِدّيقَةِ فاطِمَة الزهْراء (عليها السلام)، فَقالَتْ: إِنَّ لي والِدَةً ضَعيفَةً، وَقَدْ لُبِسَ عَلَيْها في أَمْرِ صَلاتِها شَيء، وَقَدْ بَعَثَتْني إِلَيْكِ أَسْأَلكِ».

فَأَجابَتْها فاطِمَة (عليها السلام) عَنْ ذلِكَ. ثُمَّ ثَنَّتْ، فَأَجابَتْ. ثُمَّ ثَلَّثَتْ، فَأَجابَتْ‏. إِلى أَنْ عَشَّرَتْ فَأَجابَتْ. ثُمَّ خَجِلَتْ مِنَ الكَثْرَة، فَقالَتْ: لا أَشُقُّ عَلَيْكِ -يا بِنْتَ رَسولِ اللّهِ-. قالَتْ فاطِمَة (عليها السلام): «هاتي وَسَلي عَمّا بَدا لَكِ، أَرَأَيْتِ مَنِ اكْتُرِيَ يَوْمًا يَصْعَدُ إِلى سَطْحٍ بِحمْلٍ ثَقيلٍ، وَكِراؤُهُ مِئَةُ أَلْفِ دينارٍ، أَيَثْقُلُ عَلَيْهِ؟» فَقالَتْ: لا.

فَقالَتْ: «اكْتُريتُ أَنا -لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ- بِأَكْثَر مِنْ مِلْء ما بَيْنَ الثَرى إِلى العَرْشِ لُؤْلُؤًا، فَأَحْرى أَلّا يَثْقُلَ عَلَيَّ. سَمِعْتُ أَبي [رَسولَ اللّهِ‏] (صلى الله عليه وآله)

[1] المجلسيّ، محمّد تقيّ بن مقصود عليّ‏، روضة المتّقين في شرح مَن لا يحضره الفقيه، ج4، ص227.

417

401
الموعظة الستّون: المدرسة الأخلاقيّة عِند أهل البيت (عليهم السلام)
يَقولُ: إِنَّ عُلَماءَ شيعَتِنا يُحْشَرونَ، فَيُخْلَعُ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَعِ الكَراماتِ عَلى قَدْرِ كَثْرَةِ عُلومِهِمْ وَجِدِّهِمْ في إِرْشادِ عِبادِ اللّهِ»[1].

وممّا وَرَد عن حِلْم الإمام الحسن (عليه السلام)، أنّ شاميًّا رآه راكبًا (في بعض أزقّة المدينة)، فَجَعل يَلعنه، والحسن (عليه السلام) لا يَرُدّ. فلمّا فرَغَ، أقبل الحسن (عليه السلام)، فَسَلَّم عليه، وضَحِكَ، فَقال: «أيُّها الشيخ، أَظُنُّك غَريبًا، وَلَعلَّك شُبّهْتَ. فَلَو استَعتَبْتَنا أَعتَبناكَ، وَلَو سَأَلتَنا أَعطَيناكَ، وَلَو استَرشَدْتَنا أَرشدناك، وَلَو استَحمَلْتَنا أَحملناكَ، وإنْ كُنتَ جـائِعًا أَشبَعناك، وَإِن كُنتَ عُريانًا كَسوْناك، وإِنْ كُنتَ مُحتاجًا أَغنَيناكَ، وإِنْ كُنتَ طَريدًا آويناكَ، وإنْ كانَ لَكَ حـاجَة قَضَيْناها لَكَ، فَلَوْ حَرَّكْتَ رَحلَكَ إِلينا، وَكُنتَ ضَيفَنا إِلى وَقتِ ارتِحالِك، كانَ أَعْوَد عَلَيكَ؛ لأنَّ لَنا مَوضِعًا رَحبًا، وَجاهًا عَريضًا، وَمالًا كَثيرًا». فلمّا سَمِعَ الرجل كلامه، بَكى، ثمّ قال: أَشهدُ أَنّك خَليفة الله في أرضه. اللهُ أَعلَمُ حيثُ يَجعلُ رسالتهُ. وكنتَ أَنت وأبوك أبغضُ خَلْقِ الله إليَّ، والآن، أَنت وأبوكَ أَحَبُّ خَلْقِ اللهِ إليَّ. وَحَوَّل رَحْلَه إليه، وكان ضَيْفه إلى أن ارتَحَل، وصار مُعتقِدًا لِمَحبّتِهم[2].

وجاء في كتاب «تحف العقول» أنّ رَجلًا مِن الأنصار جاء إلى الإمام الحسين (عليه السلام) يُريد أن يسأله حاجة، فقال (عليه السلام): «يـا أخـا الأنصار، صُنْ وجَهك عَن بَذْلِ المسألةِ، وارْفعْ حـاجتَك في رقعة، فإنّي آتٍ فيها

[1] الإمام الحسن بن عليّ (عليه السلام)، التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، ص340.

[2] راجع: العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج43، ص344.

418

402
الموعظة الستّون: المدرسة الأخلاقيّة عِند أهل البيت (عليهم السلام)
مـا سـارَّكَ -إن شاء الله». فكتب الأنصاريّ: يا أبا عبد الله، إنّ لِفُلان عَلَيَّ خمسمئة دينار، وقد ألجَّ بي، فَكَلِّمْه يُنْظرني إلى مَيْسرة. فلمّا قرأ الإمام الحسين (عليه السلام) الرقعة، دخل إلى منزله، فأَخْرَج صرّة فيها ألف دينار، وقال (عليه السلام) له: «أَمّا خمسمئة فَاقْضِ بِها دَيْنك، وأمّا خمسمئة فاسْتَعِنَ بِها على دَهرِكَ. ولا تَرفَعْ حـاجتَكَ إلّا إِلى أحدِ ثلاث: إِلى ذي دين، أَو مُروّة، أو حَسَب؛ فأمّا ذو الدين فَيصُون دِينهُ، وأَمّا ذو المُروّة فإنّه يَستحي لِمُروّته، وأَمّا ذو الحَسَب فَيَعلم أنّك لمْ تُكرِم وجهكَ أن تَبذله في حاجتِكَ، فَهو يَصون وَجهكَ أن يَرُدَّك بِغير قضاءِ حـاجتِك»[1].

ونقرأ في سيرة الإمام الباقر (عليه السلام)، عن محمّد بن سُليْمان، عن أبيه: كانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشامِ يَخْتَلِفُ إِلى أَبي جَعْفَرٍ (عليه السلام) -وَكانَ مَرْكَزُهُ في المدينَةِ-، فيَقولُ لَهُ: يا مُحَمَّدُ، أَلا تَرى أَنّي إِنَّما أغْشي مَجْلِسَكَ حَياءً مِنّي لَكَ، وَلا أَقولُ إِنَّ في الأَرْضِ أَحَدًا أَبْغَض إِلَيَّ مِنْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ، وَأَعْلَمُ أَنَّ طاعَةَ اللَّهِ وَطاعَةَ رَسولِهِ وَطاعَةَ أَميرِ المؤْمِنينَ في بُغْضِكُمْ؟ وَلَكِنْ أَراكَ رَجُلًا فَصيحًا، لَكَ أَدَبٌ وَحُسْنُ لَفْظٍ، وَإِنَّما الاخْتِلافُ إِلَيْكَ لِحُسْنِ أَدَبِكَ.

وَكانَ أَبو جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقولُ لَهُ خَيْرًا: «لَنْ تَخْفى عَلى اللّهِ خافِيَة».

فَلَمْ يَلْبَثِ الشامِيُّ إِلّا قَليلًا، حَتّى مَرِضَ، وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ. فَلَمّا ثَقُلَ، دَعا وَلِيَّهُ، وَقالَ لَهُ: إِذا أَنْتَ مَدَدْتَ عَلَيَّ الثَوْبَ في النَعْشِ، فَأْتِ مُحَمَّدَ

[1] الشيخ ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، ص247.

419

403
الموعظة الستّون: المدرسة الأخلاقيّة عِند أهل البيت (عليهم السلام)
بْنَ عَلِيٍّ، وَأَعْلِمْهُ أَنّي أَنا الذي أَمَرْتُكَ بِذلِك.

فَلَمّا أَنْ كانَ في نِصْفِ الليْلِ، ظَنّوا أَنَّهُ قَدْ بَرَدَ، وَسَجَّوْهُ، فَلَمّا أَصْبَحَ الناسُ‏، خَرَجَ وَلِيُّهُ إِلى المسْجِدِ، فَلَمّا أَنْ صَلّى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام)، وَتَوَرَّكَ -وَكانَ إِذا صَلّى عَقَّبَ في مَجْلِسِهِ-، قالَ لَهُ: يا أَبا جَعْفَرٍ، إِنَّ فُلانًا الشامِيَّ قَدْ هَلَكَ، وَهُوَ يَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ.

فَقالَ أَبو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «كَلّا، إِنَّ بِلادَ الشامِ بِلادُ صِرٍّ، وَبِلادَ الحِجازِ بِلادُ حَرٍّ، وَلحمها شَديدٌ، فَانْطَلِقْ فَلا تَعْجَلَنَّ عَلى صَاحِبِكَ حَتّى آتيكُمْ». ثُمَّ قامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَأَخَذَ وضوءًا، ثُمَّ عادَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ تِلْقاءَ وَجْهِهِ -ما شاءَ اللّهُ-، ثُمَّ خَرَّ ساجِدًا، حَتّى طَلَعَتِ الشّمْسُ.

ثُمَّ نَهَضَ، فَانْتَهى إِلى مَنْزِلِ الشامِيّ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَدَعاهُ، فَأَجابَهُ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ، فَسَنَّدَهُ، وَدَعا لَهُ بِسَويقٍ، فَسَقاهُ، فَقالَ (عليه السلام) لِأَهْلِهِ: «امْلَؤوا جَوْفَهُ، وَبَرِّدوا صَدْرَهُ بِالطعامِ البارِدِ»، ثُمَّ انْصَرَفَ. فَلَمْ يَلْبَثْ إِلّا قَليلًا حَتّى عوفِيَ الشامِيُّ، فَأَتى أَبا جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقالَ: أَخْلِني. فَأَخْلاهُ. فَقالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ حُجَّةُ اللّهِ عَلى خَلْقِهِ، وَبابُهُ الذي يُؤْتى مِنْهُ، فَمَنْ أَتى مِنْ غَيْرِكَ خابَ وَخَسِرَ وَضَلَّ ضَلالًا بَعيدًا.

فقالَ لَهُ أَبو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «وَما بَدا لَكَ؟».

قالَ: أَشْهَدُ أَنِّي عَهِدْتُ بِروحي، وَعايَنْتُ بِعَيْني، فَلَمْ يَتَفاجَأني إِلّا وَمُنادٍ يُنادي. أَسْمَعُهُ بِأُذُني يُنادي، وَما أَنا بِالنائِمِ: رُدّوا عَلَيْهِ روحَهُ، فَقَدْ سَأَلَنا ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ. فَقالَ لَهُ أَبو جَعْفَرٍ (عليه السلام): «أَما عَلِمْتَ أَنَّ اللّهَ يُحِبُّ العَبْدَ وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَيُبْغِضُ العَبْدَ وَيُحِبُّ عَمَله؟».

420

404
الموعظة الستّون: المدرسة الأخلاقيّة عِند أهل البيت (عليهم السلام)
فَصارَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَصْحابِ أَبي جَعْفَرٍ (عليه السلام)[1].

وأَوْرَدَ الكُلينيّ في الجزء الأوّل مِن الكافي عن الإمام العسكري (عليه السلام): حُبِسَ أَبو مُحَمَّدٍ (الإمام العسكريّ) عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ نارْمَشَ -وَهُوَ أَنْصَبُ الناسِ، وَأَشَدُّهُمْ عَلى آلِ أَبي طالِبٍ-، وَقيلَ لَهُ: افْعَلْ بِهِ -وَافْعَلْ يعني مِن السوء وَالأذى-. فَما أَقامَ الإمام عِنْدَهُ إِلّا يَوْمًا، حَتّى وَضَعَ خَدَّيْهِ لَهُ، وَكانَ لا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَيْهِ إِجْلالًا وَإِعْظامًا، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ الناسِ بَصيرةً، وَأَحْسَنُهُمْ فيهِ قَوْلًا[2].

آثار سوء الخُلُق

إنّ سوء الخُلُق مِن أهمّ عوامل إيجاد الكراهيّة والتنفُّر والتفرُّق بين أفراد المجتمع؛ لذا وَرَد في الروايات تعبيرات شديدة تتحدّث عن سوء الخُلُق، نقرأ فيها -أحيانًا- كلمات مُذهلة ومخيفة عن النتائج الوخيمة والآثار السلبيّة لهذا المرض الأخلاقيّ. ومِن ذلك:

1. وَرَد في الحديث الشريف عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله): «إيّاكُم وَسوء الخُلقِ، فإنَّ سوءَ الخُلقِ في النارِ -لا مَحـالَةَ-»[3].

2. عن الإمام عليّ (عليه السلام) -في تقريره لِحالة سوء الخُلق-: «أشَدُّ المَصـائِبِ سوءُ الخُلق»[4].

[1] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص410 – 411.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص508.

[3] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج2، ص31؛ العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج68، ص383.

[4] الشيخ الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص118.

421

405
الموعظة الستّون: المدرسة الأخلاقيّة عِند أهل البيت (عليهم السلام)
الموعظة الحادية والستّون: وبشِّر الصابرين

بيان أهمّيّة الصبر وآثاره وضرورة التحلّي به، وعدم استعجال النتائج.

محاور الموعظة

الصبر، حكمةٌ وثمرة
ثمار الصبر في الدنيا
ثواب الصبر
لا تستعجلوا النصر

تصدير الموعظة

الإمام الصادق (عليه السلام): «الصبر يعقِّب خيرًا، فاصبروا ووطّنوا أنفسكم على الصبر، تؤجروا»[1].

[1] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص89.

422

406
الموعظة الحادية والستّون: وبشِّر الصابرين
الصبر، حكمةٌ وثمرة

إنّ الإنسان في هذه الدنيا معرّض للبلاءات، وللاختبارات والامتحانات، ومن ثوابت التجربة الإنسانيّة أنّ مواجهة ذلك كلّه له عدّته الملائمة والمناسبة لرفع سوءته وجلب خيره، وسواءٌ كان ما يبتلى فيه الإنسان محبوبًا أو مكروهًا فلا بدّ له لإصابة وجه الخير والحسن فيه من عدّة، ورأس العدد كلّ العدد وقوام أيّ عدّة هو الصبر، فإنّ الله يكشف عن سنّة عامّة، بقوله: ﴿وَلَنَبلُوَنَّكُم بِشَيءٖ مِّنَ ٱلخَوفِ وَٱلجُوعِ وَنَقصٖ مِّنَ ٱلأَموَٰلِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ﴾[1]. ولكنّه -تعالى- يقول إنّ هذه المعاناة مفتاح لشيء شديد الحسن والجمال والقيمة وهو لخاصّة هم الصابرون، فأتمّ قوله الآنف: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾[2].

فالحكمة من سنّة الابتلاء والبلاء هو الصبر، مضافًا إلى كونه الثمرة المرجوّ حصولها في نفوس المؤمنين جرّاء مكابدة المشاقّ والمتاعب والآلام، والتعوّد على تحمّلها ومواجهتها بثبات وصمود. فإن كان الإنسان في وجوده الدنيويّ لا ينقل وجوده هذا عن احتمال تعرّضه في كلّ آن إلى المصائب والبلاءات كالأمراض وذهاب الأموال وخسارتها أو تعرّضها للتلف أو فقد الأعزّة والأحباب، أو أن يتسلّط عليه من الظلمة من يُفقِده الأمان والشعور به أو غير ذلك ممّا لا يكون في الحسبان عنده، فإنّه لا بدّ له من الصبر عدّة وسلامًا ودرعًا ووقاءً في مواجهة الدهر وعواديه.

[1] سورة البقرة، الآية 155.

[2] الآية نفسها.

423

407
الموعظة الحادية والستّون: وبشِّر الصابرين
معنى الصبر

عُرّف الصبر بتعاريف كثيرة وشُرح بشروح مختلفة، منها: «أنّه كفّ النفس عن الجزع أو امتناعها عن الشكوى»، والحقيقة أنّ معنى الصبر من الأمور الواضحة عند العرف والتي لا يشتبه فيها، وهو ضدّ الشكاية والجزع، ومعناه وجود قوّة تحمّل عند الإنسان وثباته عندما يواجه المصاعب والمتاعب والبلاءات، بحيث لا يضطرب ولا يتزلزل ولا يفقد الاتّزان، بل يبقى متماسكًا صامدًا مقاومًا حتّى تنتهي المحن ونزول الصعوبات، وينفتح باب الفرج ويُكتب له النصر والفوز والفلاح والنجاح.

فليس الصبر قيمة سلبيّة تعني الخضوع والخنوع وقبول الشقاء والذلّة والاستسلام وتحمّلها، بل هو تحمّل إيجابيّ للمعاناة المترتّبة على المواجهة إمّا مع النفس أو مع الأعداء أو مع الظروف والحوادث ذات الطبيعة المرّة والمؤلمة؛ بمعنى أن لا ينهار الإنسان ويستسلم لتدوسه عجلات الواقع السيّء متعلّلًا بالعجز؛ لأنّ «العجز آفة»[1]، أو لتطأه نعال المحتلّين والظالمين أو يتردّى في سلاسل أغلال النفس الأمّارة، فيمكث دهره في عبوديّتها ليحشر يوم القيامة وفي عنقه السلسلة التي ذرعها سبعون ذراعًا.

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج70، ص160.

424

408
الموعظة الحادية والستّون: وبشِّر الصابرين
ثمار الصبر في الدّنيا

إنّ للصبر آثارًا جمّة؛ لذا نرى العقلاء في طول المسيرة البشريّة -ومهما كانت توجّهاتهم الذكريّة والدينيّة- يمدحون هذه الصفة والمتحلّين بها ويحثّون عليها.

فالصبر أحد أهمّ مقوّيات الإرادة والعزم، ويعين الإنسان على ترويض نفسه في عمليّة بنائها وتكاملها؛ لذا فهو مفتاح أبواب السعادات، ووسيلة لرقيّ الإنسان وتطوّره، فالذي يريد المقامات العلميّة لا بدّ له من الصبر؛ لذا ورد أنّه: «من لم يصبر على ذلّ التعلّم ساعة، بقي في ذلّ الجهل إلى قيام الساعة»[1].

والصبر يهوّن الصعاب ويعين الإنسان على تجاوز المحن والمصائب ويهوّنها ويمنح الإنسان القدرة على التماسك وعدم السقوط والتزلزل والاضطراب بحيث يستطيع امتلاك القدرة على الفعل والمواجهة، والصبر كذلك يصون حرّيّة الإنسان وعزّته، فبالصبر عن المعصية لا تستذلّه الأهواء والشهوات والمطامع فيلج منه إلى التقوى، وبالصبر على البلايا يترقّى إلى مقامات كالرضا بالقضاء، وبالصبر على الطاعة يمكن أن يجد حلاوة العبادة فيستأنس بها ليرقى بعدها إلى الاستيناس بالمعبود.

وبالصبر على مخاوف المواجهة والحرب تحصل الشجاعة فالإقدام يكون النصر؛ لذا كان: «النصر صبر ساعة»[2].

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج1، ص177.

[2] الشيخ الريشهريّ، ميزان الحكمة، ج2، ص1556.

425

409
الموعظة الحادية والستّون: وبشِّر الصابرين
ثمار الصبر في الدّنيا

إنّ للصبر آثارًا جمّة؛ لذا نرى العقلاء في طول المسيرة البشريّة -ومهما كانت توجّهاتهم الذكريّة والدينيّة- يمدحون هذه الصفة والمتحلّين بها ويحثّون عليها.

فالصبر أحد أهمّ مقوّيات الإرادة والعزم، ويعين الإنسان على ترويض نفسه في عمليّة بنائها وتكاملها؛ لذا فهو مفتاح أبواب السعادات، ووسيلة لرقيّ الإنسان وتطوّره، فالذي يريد المقامات العلميّة لا بدّ له من الصبر؛ لذا ورد أنّه: «من لم يصبر على ذلّ التعلّم ساعة، بقي في ذلّ الجهل إلى قيام الساعة»[1].

والصبر يهوّن الصعاب ويعين الإنسان على تجاوز المحن والمصائب ويهوّنها ويمنح الإنسان القدرة على التماسك وعدم السقوط والتزلزل والاضطراب بحيث يستطيع امتلاك القدرة على الفعل والمواجهة، والصبر كذلك يصون حرّيّة الإنسان وعزّته، فبالصبر عن المعصية لا تستذلّه الأهواء والشهوات والمطامع فيلج منه إلى التقوى، وبالصبر على البلايا يترقّى إلى مقامات كالرضا بالقضاء، وبالصبر على الطاعة يمكن أن يجد حلاوة العبادة فيستأنس بها ليرقى بعدها إلى الاستيناس بالمعبود.

وبالصبر على مخاوف المواجهة والحرب تحصل الشجاعة فالإقدام يكون النصر؛ لذا كان: «النصر صبر ساعة»[2].

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج1، ص177.

[2] الشيخ الريشهريّ، ميزان الحكمة، ج2، ص1556.

425

410
الموعظة الحادية والستّون: وبشِّر الصابرين
ويكفي لمعرفة مقام الصبر وأثره أنّه وسيلة للاصطفاء الإلهيّ، فقد قال -تعالى-: ﴿وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةٗ يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ﴾[1]، فالإمامة منصب يشكّل الصبر أحد أسباب استحقاقها، بل إنّ الصبر وسيلة لاستدرار المدد الغيبيّ: ﴿بَلَىٰ إِن تَصبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾[2].

وكذلك فإنّ من ثمار الصبر هو المعيّة الإلهيّة: ﴿وَٱصبِرُواْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾[3].

ثواب الصبر

لقد ورد أنّ ثمّة بابًا من أبواب الجنّة هو باب الصابرين يدخلون منه، ويكفي في ذلك أنّ الصابرين يدخلون الجنّة بلا حساب، فهم مُعفَون من المساءلة والمداقّة في الحساب، وقد قال -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسَابٖ﴾[4].

بل إنّ ثواب الصابرين هو إعطاؤهم الأجر على أحسن عملهم لا على أقلّه، إذ قال الله: ﴿وَلَنَجزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ أَجرَهُم بِأَحسَنِ مَا كَانُواْ يَعمَلُونَ﴾[5].

وأيضًا من ثمار الصبر المغفرة الإلهيّة والصبر الكبير: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰئِكَ لَهُم مَّغفِرَةٞ وَأَجرٞ كَبِيرٞ﴾[6].

[1] سورة السجدة، الآية 24.

[2] سورة آل عمران، الآية 125.

[3] سورة الأنفال، الآية 46.

[4] سورة الزمر، الآية 10.

[5] سورة النحل، الآية 96.

[6] سورة هود، الآية 11.

426

411
الموعظة الحادية والستّون: وبشِّر الصابرين
وذلك كلّه إضافة إلى الجنّة ونعيمها: ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا﴾[1].

الثناء على الصابرين

إنّ أعظم ثناء يمكن أن يثنى عليه الصّابرون هو ما وعدهم به الله -سبحانه-، إذ قال: ﴿أُوْلَٰئِكَ عَلَيهِم صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِم وَرَحمَةٞ وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلمُهتَدُونَ﴾[2]، وما وصفهم به من عظيم المنزلة بين يديه، ذلك أنّهم وتد مسيرة هذه الحياة، واستمراريّة ثبات وتقدّم المؤمنين في معترك هذه الحياة التي يملؤها الكثير من المواجهات المختلفة بين جنود الرّحمن وجنود الشيطان.

فليس الصّابرون إلّا مظهر أمل يُزرع في نفوس عامّة النّاس، كي يبقوا على ثبات، لا يتزلزلون عند البلااءات والمصاعب.

[1] سورة الإنسان، الآية 12.

[2] سورة البقرة، الآية 157.

427

412
الموعظة الثانية والستّون: عزّة النّفس
الموعظة الثانية والستّون: عزّة النّفس

تعرّف مكانة النّفس الإنسانيّة، وموارد عزّتها وصونها.

محاور الموعظة

كرامة الإنسان عند الله
عزّة النّفس
من مصاديق عزّة النفس

تصدير الموعظة

﴿وَلِلَّهِ ٱلعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ﴾.[1]

[1] سورة المنافقون، الآية 8.

428

413
الموعظة الثانية والستّون: عزّة النّفس
الموعظة الثانية والستّون: عزّة النّفس

تعرّف مكانة النّفس الإنسانيّة، وموارد عزّتها وصونها.

محاور الموعظة

كرامة الإنسان عند الله
عزّة النّفس
من مصاديق عزّة النفس

تصدير الموعظة

﴿وَلِلَّهِ ٱلعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ﴾.[1]

[1] سورة المنافقون، الآية 8.

428

414
الموعظة الثانية والستّون: عزّة النّفس
كرامة الإنسان عند الله

إنّ للإنسان كرامة عظيمة حفظها له الباري -سبحانه وتعالى-، بأن جعلها مقرونة بعزّة الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)، إذ قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلمُؤمِنِينَ﴾[1]، وقال أيضًا: ﴿وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي ءَادَمَ﴾[2].

وإنّ كرامته إنّما منبثقة من أنّه المخلوق المدرك الذي حمّله الله -تعالى- أمانته الكبرى، حين أشفق منها غيره من المخلوقات، وهذا ما يعطيه مقامًا ومكانة عنده -سبحانه-.

وليست الأحكام والإرشادات التي وضعها الله -عزّ وجلّ-، في ما يتعلّق بحرمة الإنسان، وحرمة قتله، وحرمة أذيّته وإخافته وذلّته، إلّا تأكيدًا على هذا المعنى، وأنّ للنّفس الإنسانيّة كرامة ومقامًا.

من هنا، فإنّ الإنسان موكول بحفظ هذه النّفس، من كلّ ما يخرجها عن موضعها اللائق بها، فيُحرم عليه أن يقحمها في المهلكات، سواء أكانت الجسديّة منها أم المعنويّة.

عزّة النّفس

من أبرز ما ينبغي على الإنسان أن يتنبّه إليه في التعامل مع نفسه، هو أن لا يقحمها في ما يعرضها للذلّة والمهانة، وإلى هذا تشير بعض الأحاديث الواردة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، والتي أشارت إلى أنّ كرامة النّفس الإنسانيّة أعزّ عند الله من الكعبة المشرّفة، كما عن

[1] سورة المنافقون، الآية 8.

[2] سورة الإسراء، الآية 70.

429

415
الموعظة الثانية والستّون: عزّة النّفس
الإمام الصادق (عليه السلام): «المؤمن أعظم حرمةً من الكعبة»[1]، وعن الإمام الباقر(عليه السلام): «إنّ الله -عزّ وجلّ- أعطى المؤمن ثلاث خِصال: العزّ في الدّنيا في دينه، والفلَج (الظفر والفلاح) في الآخرة، والمهابة في صدور العالمين»[2].

إذا كان الأمر كذلك، فلا بدّ من التحرز من الوقوع في الأمور التي تجعله ذليلًا، بل لا بدّ من أن ينتفض وينهض في وجه كلّ من يريد إذلاله وإهانته، كمن يعيش تحت رهن الظالمين، وهم يغتصبون حقوقه وأمواله وأملاكه، ويعتدون عليه، وغير ذلك من مظاهر الذلّ الذي تنفر منه النفوس الكريمة.

من مصاديق عزّة النفس

ثمّة الكثير من الأمور التي تدلّ على عزّة نفس الإنسان وغناها، ومن ذلك:

1. عفّتها عن الأمور الدنيئة: عن الإمام عليّ (عليه السلام): « وأكرم نفسك عن كلّ دنية، وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضًا»[3].

2. اليأس ممّا في أيدي الناس: عن الإمام الباقر (عليه السلام): «اليأس ممّا في أيدي الناس عزّ المؤمن في دينه، أوما سمعت قول حاتم:

إِذَا مَا عَزَمْتَ الْيَأْسَ أَلْفَيْتَه الْغِنَى

إِذَا عَرَّفْتَه النَّفْسَ والطَّمَعُ الْفَقْرُ»[4].

[1] الشيخ الصدوق، الخصال، ص27.

[2] المصدر نفسه، ص139.

[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص401.

[4] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص149.

430

416
الموعظة الثانية والستّون: عزّة النّفس
3. الطلب بكرامة: عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله): «اطلبوا الحوائج بعزّة الأنفس»[1].

يوضّح الإمام عليّ (عليه السلام) هذا المعنى، كما عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم، فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك، يكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزّك»[2].

ومن الرّوايات الدالّة على أهمّيّة عزة النّفس لدى أهل البيت (عليهم السلام)، أنّ أحدهم دخل على الإمام الصادق (عليه السلام) يشكو إليه حاله، فأمر الإمام (عليه السلام) بأن يؤتى له بكيس فيه مال، فأعطاه للرّجل، وقال له: «هذا كيس فيه أربعمئة دينار، فاستعن به»، فقال الرّجل: والله، جُعِلت فداك! ما أردت هذا، ولكن أردت الدعاء لي، فقال (عليه السلام): «ولا أدع الدعاء، ولكن لا تخبر الناس بكل ما أنت فيه فتهون عليهم»[3].

4. عدم الرضوخ للأعداء: عن الإمام عليّ (عليه السلام): «فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين»[4].

5. إكرام الآخرين: عن الإمام عليّ (عليه السلام): «إن مكرمة صنعتها إلى أحد من الناس، إنّما أكرمتَ بها نفسَك وزيَّنت بها عِرْضَك، فلا تطلب من غيرِك شُكْرَ ما صَنعتَ إلى نفسك»[5].

[1] المتّقيّ الهنديّ، كنز العمّال، ج6، ص518.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص149.

[3] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج47، ص35.

[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص88.

[5] الشيخ الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص154.

431

417
الموعظة الثالثة والستّون: حِفْظ الإنسان بِصَوْن اللِسان
الموعظة الثالثة والستّون: حِفْظ الإنسان بِصَوْن اللِسان

تعرّف قيمة اللِسان، ودورِه في صَوْنِ الإنسانِ أو ضَياعه وانحرافه، والميزان الصحيح بين السُكوت والكلام.

محاور الموعظة

اللِسان؛ قيمته وخَطَره
اللِسان والإيمان
آفات اللِسان
عذاب اللِسان
كيف نستفيد مِن اللِسان؟
أيُّهما أفضل: الكلام أم الصَمت؟

تصدير الموعظة

أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ أكثر خَطايا ابْنِ آدم في لِسانه»[1].

[1] المتّقيّ الهنديّ، كنز العمّال، ج3، ص556.

432

418
الموعظة الثالثة والستّون: حِفْظ الإنسان بِصَوْن اللِسان
اللِسان؛ قيمَته وخَطَره

اللِسان مَظهر إبداع الخِلْقة وعجيب الصنعة، فقد قالَ الإمام عليّ (عليه السلام): «اعْجَبوا لِهذا الإِنْسان، يَنْظُرُ بِشَحْمٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ، وَيَسْمَعُ بِعَظْمٍ، وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خرْمٍ»[1]. وهو المُعَبِّرُ الحاكي، والمُتَرْجِمُ الراوي لِخَلَجاتِ النفْس وما يجول في الفِكْر، وهو جالِبُ المحبّة، وباعثُ الفِتنة، ومِن أعظم الجوارح فِعْلًا وتَأثيرًا.

جِراحاتُ السِنانِ لها الْتِئامٌ

ولا يَلْتامُ ما جَرَحَ اللِسانُ

سَأَل سائلٌ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: يا رسول الله، أَوْصِني. فقال (صلى الله عليه وآله): «احْفَظْ لِسانَك. وَيْحكَ! وهَل يُكَبُّ الناس على مَناخِرهم في النار إلّا حَصائِد ألسِنَتِهم»[2].

وعن الإمام عليّ بن الحسين (عليهما السلام): «إنّ لِسان ابْنِ آدم يُشْرِف كلّ يومٍ على جوارحه، كلَّ صَباح، فيقول: كيف أصبَحْتُم؟ فيقولون: بِخَيرٍ إنْ تركْتَنا. ويقولون: الله الله فينا. ويُناشدونَه، ويقولون: إنّما نُثاب ونُعاقَب بِك»[3].

وعن الإمام عليّ (عليه السلام): «اللِسان سَبُعٌ إنْ خُلِّيَ عنه عَقَر»[4].

ومِثله أيضًا ما رُوِيَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «كَمْ مِن دَمٍ سَفَكَهُ فَم!»[5].

[1] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص470.

[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص115.

[3] المصدر نفسه، ج2، ص115.

[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص478.

[5] الآمديّ، غرر الحكم، 4158، ص512.

433

419
الموعظة الثالثة والستّون: حِفْظ الإنسان بِصَوْن اللِسان
اللِسان والإيمان

لا شكَّ في أنّ الإيمان الحقيقيّ مَوطنه القلب، واللِسان ترجمان هذا القلب، فما يظهر على اللِسان، غالبًا ما يكون تَجَلِّيًا لِما يُضمَر في القلب؛ رُوِيَ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لا يَستقيم إيمان عبدٍ حتّى يَستقيم قلبُه. ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه. فَمَن استطاع مِنكم أن يَلقى الله -سبحانه- وهو نَقيُّ الراحة مِن دِماء المسلمين وأموالهم، سليم اللِسان مِن أعراضهم، فَلْيَفْعَل»[1].

وقال الشاعر:

إنّ الكـلامَ لَـفـي الـفـؤاد وإنـّمـا

جـُعـل اللِسانُ على الـفـؤاد دليلا

آفات اللِسان

اللِسان جارحةٌ لها الصَدارة في الخُطورة بين الجوارح، تَعتَريها الكثير مِن الآفات والموبقات الواجب اجتنابها والحَذر مِنها، مِنها:

1. الخَوْض في الباطل

يقول المولى الكريم -حِكايةً عن بعضِ أهل النار-: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلخَائِضِينَ﴾[2]؛ والمُراد منه الدخول في أيّ حديثٍ وأيّ كلام بِلا حساب ولا تَدَبُّر ولا وعي. وقد وَرَدَ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «أعظم الناس خَطايا يوم القيامة أكثرُهم خَوْضًا في الباطل»[3].

[1] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج68، ص292.

[2] سورة المدّثّر، الآية 45.

[3] المتّقيّ الهنديّ، كنز العمّال، ج3، ص566، ح7932.

434

420

شاهد أيضاً

مآثر العلماء في الطريق الى الله ٣٥

#دورة_في_جهاد_النفس • الدرس الثاني : حجب الظلمة – الفصل الحادي عشر: السخرية إن الله سبحانه …