مخلوق أو اتحاده معه، كما أن ذلك يلزم أن يكون الإله عرضة للتغير والتحول وهو مستحيل… وغيرها من الإشكالات الفلسفية الكثيرة التي تواجه هذه العقيدة المتناقضة.. ثانيا: إضافة إلى ما ذكرنا فإن نسبة هذه العقيدة إلى المسيح (عليه السلام) والوحي الإلهي هي الأخرى غير صحيحة، فكما أشرنا في بحثنا للثالوث الأقدس، تبين أن هذه العقيدة لم ينطق باسمها أحد، ولم تظهر إلى الوجود إلا في القرن الثاني وعلى لسان (ترتوليان)، فالمسيح (عليه السلام) والرسل والتلاميذ لم يشيروا إلى هذه العقيدة، وقول المسيحيين بأن المسيح (عليه السلام) وبعض الرسل، ولا سيما بولس، كانوا قد هيأوا العناصر الأساسية للعقيدة، وأن العلماء وآباء الكنيسة لم يقوموا بشئ سوى أنهم أطلقوا اسم الأقنوم على الأشخاص الثلاثة وأظهروا هذه العقيدة بوضوح، هو الآخر مجرد ادعاء، إذ أنه إلى القرن الرابع الميلادي لم تكن هذه العقيدة محط نظر المسيحيين ومورد اعتمادهم، ومن الأصول المهمة في العقيدة المسيحية. وكما أوردنا فإن المؤسس العلني لها وبشكلها الموجود الآن هو (أثناسيوس)، ولم تقبلها الكنيسة إلا بعد مناقشات وجدال طويل في مجمع نيقية سنة 325 ميلادي، وأعدتها في هذا القالب الذي بين أيدينا الآن، فهي نتيجة الخيال البشري، ولهذا فأنا نجد فيها التناقض الكثير (حتى أنه قيل أن (أثناسيوس) وهو الأب الذي صاغ هذه
(١٠٦)
العقيدة قد أعترف بأنه كلما كتب أكثر حول هذه المسألة أصبح أقل قدرة على التعبير بوضوح عن أفكاره بخصوصها) (1). فالقول بأن هذه العقيدة يجب أن تقبل لأن الوحي قد جاء بها أمر غير صحيح أطلاقا والدليل على ذلك أن علماء المسيحية أنفسهم كانوا مختلفين فيها، والباحث في المذاهب المسيحية في القرنين الأول والثاني، يجد كثرة الآراء المتضاربة حول شخصية المسيح (عليه السلام). بل وحتى بعد قبول هذه العقيدة رسميا، ومعاقبة كل مخالف لها، وبالرغم من عمليات تفتيش العقائد، والقتل والسجن التي مارستها الكنيسة، والتي يذكرها التاريخ، فإن صيحات المعارضة لها كانت تعلو بين الحين والآخر، معلنة بأن هذه العقيدة غير مقبولة عقلا، وأن المسيح (عليه السلام) لم ينطق بها. ثالثا: لو رجعنا إلى كتب العهد القديم لنرى من هو الإله (الله) وما هي صفاته التي تنعته بها، لوجدنا أن ما يقوله المسيحيون مخالف للعهد القديم الذي يعتبرونه كلام الله الموحى، وحتى لو قلنا بأن الله سبحانه لم يعرف نفسه في العهد القديم بشكل تام، بل تم ذلك في العهد الجديد بالمسيح (عليه السلام)، لا يمكننا القول بأن العهد الجديد يناقض ما جاء به العهد القديم، فهو متمم له حسب ادعاء المسيحيين. فالله في العهد القديم هو (الموجود الذي ليس له بداية ولا
(1) نظرة عن قرب في المسيحية: 38.
(١٠٧)
صيرورة فهو الأول والآخر) (أشعيا: 41: 4،..) وهو (الخالق المدبر، فالعالم كله من صنعه وخلقه جل وعلا، وتحت أمرته وتدبيره، وهو الحي الذي لا يموت أبدا فهو يختلف عن الإنسان (لأني أنا الله لا إنسان) (هو شع 11: 9)، وأيضا فهو سبحانه لا شبيه له، فهو يحرم كل تصوير له، وكل صورة يجعلها الإنسان له فهي وثن، فليس من شئ يشابهه (أشعيا: 31: 3) (1). وغيرها من الأوصاف الكثيرة التي يذكرها العهد القديم لله سبحانه وتعالى، والتي تخالف ما يدعيه المسيحيون في عقيدة الثالوث، فإذا ما قايسنا بين هذه الأوصاف والنعوت وبين ما يعتقده المسيحيون من أن الله سبحانه وتعالى قد تجسد في صورة إنسان، وصار انسانا، يجد التناقض الواضح بين العهد القديم والاعتقاد المسيحي، فالخالق والصانع لكل العالم، صار مخلوقا، والحي الذي لا يموت، صلب ومات، والأزلي الذي لا بداية له ولا صيرورة، ولد من أحشاء امرأة، والذي ليس كالانسان أصبح انسانا يأكل ويشرب وينام ويحزن ويفرح، والغني المطلق يحتاج إلى غيره لإدامة حياته، والعشرات من التناقضات الأخرى، والتي يرفضها العقل والوجدان، وتنتقص من قدسية الخالق المتعال الذي ليس كمثله شئ. رابعا: إذا سلمنا للمسيحيين وقلنا بأن الله (سبحانه) له أقانيم
(1) راجع معجم اللاهوت الكتابي: ص 9.
(١٠٨)
ثلاثة، نتساءل: هل هذه الأقانيم متساوية أم لا؟ والجواب يكون كما يذكره المسيحيون، نعم كلها متساوية في الجوهر والقدرة والمجد… ولكننا نرى أيضا أن العهد الجديد يؤكد أن المسيح (عليه السلام) (الأقنوم الثاني) يبقى خاضعا للأب بشهادة المسيح (عليه السلام) أنظر (متي: 11: 27) وهو لا يعلم الساعة (القيامة) بل الأب وحده يعلمها (24: 37)، والأب هو مصدر كل الأشياء وغايتها (اكو 8: 6) والابن لا يعمل إلا تبعا للأب (يو 5: 19) والأب أعظم من الابن (يو: 14: 28) وغيرها… فهذا يؤكد أن الأقانيم الثلاثة غير متساوية أطلاقا، فالأب هو الأصل والمصدر الوحيد للقدرة، والابن ليس له القدرة والقابلية على القيام بشئ دون إذن الأب، فالأب لا يحتاج إلى الابن ولا إلى غيره في شئ، إذن نستطيع أن نقول أن الأب مستغن عن الابن دون العكس. و هذا هو الذي يقبله العقل ويؤيده العهد الجديد، وعلى هذا فإن الله سبحانه هو الأب وحده فهو لا يحتاج إلى شئ إطلاقا، وأما الابن فهو مخلوق له وخاضع وتابع إليه، لا يفعل إلا ما يأمره الأب به، ومن يطالع العهد الجديد يلمس هذه المسألة بوضوح.. فكيف يصح أن نقول أن الابن (الأقنوم الثاني) هو مساو للأب في الجوهر والألوهية والقدرة والمجد، وهو في نفس الوقت خاضع
(١٠٩)
إليه في كل شئ، فأين ألوهيته؟؟؟ خامسا: أن العهد الجديد كثيرا ما يذكر الله سبحانه بأنه أب لجميع المؤمنين والصالحين والأبرار، فهذا المسيح (عليه السلام) يقول (أبيكم الذي في السماوات) (متي: 6: 2:)، وفي صلاتنا اليومية كنا نقول كما علمنا المسيح (عليه السلام) أن نصلي أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك (متي: 6: 9) وكذلك أيضا (متي: 6: 149) (فإن غفرتم للناس يغفر لكم أبوكم السماوي) وغيرها الكثير. وأيضا يعترف العهد الجديد بأن المؤمنين هم أبناء الله، أنظر (متي: 5: 9) (طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون) وكذلك (لو: 20: 36) (لأنهم مثل الملائكة، وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة) وغيرها. فلماذا يدعي المسيحيون بأن هذه الأسماء كلها تحمل على المعنى المجازي لها، ولكن حين يقول المسيح (عليه السلام) (أبي) إشارة إلى الله سبحانه، فإنه يستعمله في المعنى الحقيقي، ويجيبون على ذلك بقولهم: (أن المسيح (عليه السلام) أجرى الكثير من المعجزات كإحياء الموتى، وإشفاء المرضى وغيرها)، فإذا قلنا بأن الأنبياء أيضا جرت على أيديهم المعاجز مثل إيليا وأليشع وموسى وغيرهم، قالوا (نعم، ولكن الطريقة التي كان يجري بها المعاجز تميزه عن باقي الأنبياء صانعي العجائب، فالآخرون كانوا يصنعون المعجزات بقدرة الله وسلطانه، في حين أن المسيح (عليه السلام) كان يجريها بسلطته الخاصة،