تفسير الميزان : السيد الطباطبائي

.
سورة البقرة آية ٢٦-٢٧. ۱۰۱
و في الاحتجاج فيما سأله عباية بن ربعي الأسدي عن أمير المؤمنين علي علبة الف
في معنى الإستطاعة ، فقال أمير المومنين ال : تملكها من دون الله أو مع الله ؟
فسكت عباية بن ربعي فقال له قل يا عباية ، قال : وما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال :
تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك فإن ملككها كان ذلك من عطائه وإن
سلبكها كان ذلك من بلائه وهو المالك لما ملكك والقادر على ما عليه أقدرك الحديث .
أقول : ومعنى الرواية واضح مما بيناه آنفاً
وفي شرح العقائد للمفيد قال : وقد روى عن أبي الحسن الثالث على إنه سئل
عن أفعال العباد أهي مخلوقة الله تعالى ؟ فقال عن : لو كان خالقاً لها لما تبرأ منها
وقد قال سبحانه : إن الله بريء من المشركين ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم وإنما
تبرأ من شركهم وقبائحهم
اقول للافعال جهتان : جهة ثبوت ووجود ، وجهة الانتساب إلى الفاعل ،
وهذه الجهة الثانية هي التي تنصف بها الأفعال بأنها طاعة أو معصية أو حسنة أو
سيئة ، فإن النكاح والزنا لا فرق بينهما من جهة الثبوت والتحقق ، وإنما الفرق الفارق
هو أن النكاح موافق لأمر الله تعالى ، والزنا فاقد للموافقة المذكورة ، وكذا قتل
النفس بالنفس وقتل النفس بغير نفس ، وضرب اليتيم تأديباً وضربه ظلماً ، فالمعاصي
فاقدة الجهة من جهات الصلاح أو لموافقة الأمر أو الغاية الاجتماعية بخلاف غيرها ، وقد
قال تعالى : ) الله خالق كل شيء الزمر – ٦٢ ، والفعل شيء بثبوته ووجوده ، وقد
قال عال : » كل ما وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا الله الحديث ، ثم قال
تعالى : ) الذي أحسن كل شيء خلقه السجدة – ،٧ فتبين أن كل شيء كما أنه
مخلوق فهو في أنه مخلوق حسن، فالخلقة والحسن متلازمان متصاحبان لا ينفك أحدهما
عن الآخر أصلاً ، ثم إنه تعالى سمى بعض الأفعال سيئة فقال : » من جاء بالحسنة فله
عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ، الأنعام – ١٦٠ ، وهي المعاصي
التي يفعلها الانسان بدليل المجازاة ، وعلمنا بذلك أنها من حيث أنها معاص عدمية غير
مخلوقة وإلا كانت حسنة ، وقال تعالى : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في
أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، الحديد – ۲۲ ، وقال : » ما أصاب من مصيبة
الجزء الأول ۱۰۲ جا
إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه التغابن – ۱۱ ، وقال : » ما أصابكم من مصيبة
فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير الشورى – ٣٠ ، وقال : » ما أصابك من حسنة
فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك النساء – ،۷۹ وقال : » وإن تصبهم
حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ، قل كل من عند
الله الهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ، النساء — ۷۸، علمنا بذلك أن هذه المصائب
إنما هي سيئات نسبية بمعنى أن الانسان المنعم بنعمة من نعم الله كالأمن والسلامة
والصحة والغنى يعد واجداً فاذا فقدها لنزول نازلة وإصابة مصيبة كانت النازلة بالنسبة
إليه سيئة لأنها مقارنة لفقد ما وعدم ما ، فكل نازلة فهي من الله وليست من هذه
الجهة سيئة وإنما هي سيئة نسبية بالنسبة إلى الانسان وهو واجد ، فكل سيئة فهي
أمر عدمي غير منسوب من هذه الجهة إلى الله سبحانه البتة وإن كانت من جهة أخرى
منسوبة إليه تعالى بالإذن فيه ونحو ذلك
و في قرب الاسناد عن البزنطي ، قال : قلت : الرضا عن إن أصحابنا بعضهم
يقول : بالجبر ، وبعضهم بالاستطاعة فقال لي : ) أكتب ، قال الله تبارك وتعالى يا بن
آدم بمشيتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبقوتي أديت إلي فرائضي وبنعمتي
قويت على معصيتي جعلتك سميعاً بصيراً قويا ، ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما
أصابك من سيئة فمن نفسك ، وذلك إني أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك
مني ، وذلك أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون ، فقد نظمت لك كل شيء تريد
الحديث ( وهو أو ما يقربه مروي بطرق عامية وخاصية اخرى وبالجملة فالذي لا
تنسب إلى الله سبحانه من الأفعال هي المعاصي من جهة أنها معاص خاصة ، وبذلك
يعلم معنى قوله عن في الرواية السابقة ؛ لو كان خالقاً لها لما تبراً منها إلى قوله وإنما
تبرأ من شركهم وقبائحهم الحديث
و في التوحيد : عن أبي جعفر وأبي عبد الله عه قالا : إن الله عز وجل أرحم
بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثم يعذبهم عليها ، والله أعز من أن يريد أمراً فلا
يكون ، قال : فسئلا عليها السلام هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا نعم أوسع
مما بين السماء والأرض .
۱۰۳ سورة البقرة آية ٢٧٢٦
وفي التوحيد عن محمد بن عجلان ، قال : قلت : لأبي عبدالله از فوض الله
الأمر إلى العباد ؟ قال : ) الله أكرم من أن يفوض إليهم ، قلت : فأجبر الله العباد
على أفعالهم فقال : و الله أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثم يعذبه عليه ( .
و في التوحيد أيضاً عن مهزم ، قال قال أبو عبد الله علة أخبرني عما اختلف فيه
من خلفك من موالينا ، قال : قلت : في الجبر والتفويض ؟ قال : فاسألني قلت : أجبر
لله العباد على المعاصي ؟ قال : ) الله أقهر لهم من ذلك قلت : ففوض إليهم ؟ قال الله
أقدر عليهم من ذلك، قال قلت فأي شيء هذا ، أصلحك الله ؟ قال : فقلب يده مرتين
أو ثلاثاً ثم قال : » لو أجبتك فيه لكفرت ،
اقول : قوله : الله أقهر لهم من ذلك ، معناه أن الجبر إنما هو لقهر من
المجبر يبطل به مقاومة القوة الفاعلة ، وأقهر منه وأقوى أن يريد المريد وقوع الفعل
الاختياري من فاعله من مجرى إختياره فيأتي به من غير أن يبطل إرادته وإختياره
أو ينازع إرادة الفاعل إرادة الأمر .
و في التوحيد أيضاً عن الصادق ان قال : قال : » رسول الله : من زعم أن
الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله ، ومن زعم أن الخير والشر بغير مشية
الله فقد أخرج الله من سلطانه ( .
و في الطرائف : روي أن الحجاج بن يوسف كتب إلى الحسن البصري وإلى عمرو
ابن عبيد وإلى واصل بن عطاء وإلى عامر الشعبي أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم
في القضاء والقدر ، فكتب إليه الحسن البصري أن أحسن ما انتهى إلي ما سمعت أمير
المؤمنين علي بن أبي طالب عنا ، إنه قال : ) أتظن أن الذي نهاك دهاك ؟ وإنما
دهاك أسفلك وأعلاك ، والله بريء من ذاك . وكتب إليه عمرو بن عبيد أحسن ما
سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عان و لو كان الزور في
الأصل محتوماً لكان المزور في القصاص مظلوماً .. وكتب إليه واصل بن عطاء أحسن
ما سمعت في القضاء والقدر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أبدلك على
الطريق ويأخذ عليك المضيق ؟ ، وكتب إليه الشعبي أحسن ما سمعت في القضاء والقدر
جا الجزء الأول ٠١
قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب له كلما استغفرت الله منه فهو منك ،
و كلما حمدت الله عليه فهو منه ، فلما وصلت كتبهم إلى الحجاج ووقف عليها قال :
لقد أخذوها من عين صافية
و في الطرائف أيضاً روى أن رجلا سأل جعفر بن محمد الصادق عالان عن القضاء
والقدر فقال : » ما استطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه ، وما لم تستطع أن تلوم
العبد عليه فهو من فعل الله ( … يقول الله للعبد : لم عصيت ، لم فسقت ، لم شربت
الخمر ، لم زنيت ؟ فهذا فعل العبد ، ولا يقول له لم مرضت ، لم قصرت ، لم
ابيضضت ، لم إسوددت ؟ لأنه من فعل الله تعالى .
و في النهج سئل علن عن التوحيد والعدل فقال : » التوحيد أن لا تتوهمه ،
والعدل أن لا تتهمه (
اقول : والأخبار فيما مر متكاثرة جداً غير أن الذي نقلناه حاو المعاني ما
تركناه ولن تدبرت فيما تقدم من الأخبار وجدتها مشتملة على طرق خاصـــــة عديدة
من الاستدلال
منها : الاستدلال بنفس الأمر والنهي والعقاب والثواب وأمثالها على تحقق
الاختيار من غير جبر ولا تفويض ، كما في الخبر المنقول عن امير المؤمنين علي ليلة
فيما أجاب به الشيخ ، وهو قريب المأخذ مما استفدناه من كلامه تعالى .
ومنها الاستدلال بوقوع امور في القرآن لا تصدق لو صدق جبر أو تفويض ،
كقوله تعالى : والله ملك السموات والأرض ( ، وقوله : » وما ربك بظلام للعبيد ،،
و قوله تعالى : ) قل ان الله لا يأمر بالفحشاء الآية ، ويمكن أن يناقش فيه بأن
الفعل إنما هو فاحشة أو ظلم بالنسبة إلينا وأما إذا نسب اليه تعالى فلا يسمى فاحشة
ولا ظلماً فلا يقع منه تعالى فاحشة ولا ظلم ، ولكن صدر الآية بمدلولها الخاص يدفعها
فإنه تعالى يقول : ) وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليه آبائنا والله أمرنا بهذا قل إن
الله لا يأمر بالفحشاء الآية ، فالإشارة بقوله بهذا يوجب أن يكون النفي اللاحق
متوجها إليه سواء سمي فحشاء أو لم يسم .
١٠٥ سورة البقرة آية ٢٧٢٦
و منها : الاستدلال من جهة الصفات وهو أن الله تسمى بأسماء حسنى وإتصف
بصفات عليا لا تصدق ولا تصح ثبوتها على تقدير جبر أو تفويض فانه تعالى قمار
قادر کریم رحيم ، وهذه صفات لا تستقر معانيها إلا عندما يكون وجود كل شيء
منه تعالى ونقص كل شيء و فساده غير راجع الى ساحة قدسه كما في الروايات التي
نقلناها عن التوحيد .
ومنها : الاستدلال بمثل الاستغفار وعروض اللوم فان الذنب لو لم يكن من العبد
لم يكن معنى لاستغفاره ولو كان الفعل كله من الله لم يكن فرق بين فعل وفعل في
عروض اللوم على بعضها وعدم عروضه على بعض آخر .
وهيها روايات أخر مروية فيما ينسب إليه سبحانه من معنى الإضلال والطبع
والإغواء وغير ذلك .
ففي العيون عن الرضا عن في قوله تعالى : ، وتركهم في ظلمات لا يبصرون (
قال علك ولا ) إن الله لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه لكنه متى علم إنهم لا يرجعون
عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف وخلي بينهم وبين اختيار هم ، .
و في العيون ايضاً عنه للان في قوله تعالى : ختم الله على قلوبهم ، قال : الختم
هو الطبع على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم ، كما قال الله تعالى : بل طبع الله عليها
بكفر هم فلا يؤمنون إلا قليلا
و في المجمع عن الصادق عليلة في قوله تعالى : إن الله لا يستحيي الآية ، هذا
القول من الله رد على من زعم إن الله تبارك وتعالى يضل العباد ثم يعذبهم على ضلالتهم
الحديث أقول : قد مر بيان معناها .
) بحث فلسفي (
لا ريب ان الامور التي نسميها أنواعاً في الخارج هي التي تفعل الأفاهيل
النوعية ، وهي موضوعاتها، فإذا انما أثبتنا وجود هذه الأنواع ونوعيتها الممتازة عن غيرها

شاهد أيضاً

العهد” يواكب أمواج الوفاء في وداع قائد الأمة .. معزون يؤكدون الثبات على نهج الإمام

العهد” يواكب أمواج الوفاء في وداع قائد الأمة .. معزون يؤكدون الثبات على نهج الإمام 2026-07-10  …