إلى نزهة الجنان[1]فيخرج من كان علّمه في الدّنيا خيرا، أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا، أو أوضح له عن شبهة».
قال: «و حضرت امرأة عند فاطمة الصديقة عليها السّلام فقالت: إنّ لي والدة ضعيفة، و قد لبس عليها في أمر صلاتها شيء، و قد بعثتني إليك أسألك؟ فأجابتها عن ذلك، فثنّت فأجابت، ثمّ ثلّثت فأجابت إلى أن عشّرت فأجابت، ثمّ خجلت من الكثرة و قالت:
لا أشقّ عليك يا بنت رسول اللّه، قالت فاطمة عليها السّلام: هاتي سلي عمّا بدا لك أ رأيت من اكترى يوما يصعد إلى سطح بحمل ثقيل و كراه مائة ألف دينار أ يثقل عليه ذلك؟ فقالت:
لا، فقالت: أكريت أنا لكلّ مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤا فأحرى ألاّ يثقل عليّ، سمعت أبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «إنّ علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم و جدّهم في إرشاد عباد اللّه حتّى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلّة من نور، ثمّ ينادي مناد في السماء من ربّنا عزّ و جلّ: أيّها الكافلون لأيتام آل محمّد الناعشون لهم[2]عند انقطاعهم عن آبائهم الّذين هم أئمّتهم هؤلاء تلامذتكم و الأيتام الّذين كفلتموهم و نعشتموهم فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدّنيا فيخلعون على كلّ واحد من أولئك الأيتام على قدر علمه ما أخذوا عنهم من العلوم حتّى أنّ فيهم- يعني في الأيتام- لمن يخلع عليه مائة ألف حلّة و كذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلّم منهم، ثمّ إنّ اللّه تعالى يقول: أعيدوا على هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام حتّى تتمّوا لهم خلعهم، و تضعّفوها، فيتمّ لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم و يضاعف لهم، و كذلك من بمرتبتهم ممّن خلع عليهم على مرتبتهم».
و قالت فاطمة: «يا أمة اللّه إنّ سلكا من تلك الخلع لأفضل مما طلعت عليه الشمس ألف ألف مرّة و ما فضل ما طلعت عليه الشمس فإنّه مشوب بالتنغيص و الكدر»[3].
[1] في المنقول منه في البحار «نزه الجنان» و في تفسير البرهان «روض الجنان» و في بعض نسخه «ذروة الجنان».
[2] نعشه أي رفعه
[3] ينغص اللّه عليه العيش تنغيصا أي كدرة. و قال الحسن بن عليّ عليهما السّلام: «فضل كافل يتيم آل محمّد، المنقطع عن مواليه، الناشب في تيه الجهل [1]يخرجه من جهله، و يوضح له ما اشتبه عليه على فضل كافل يتيم يطعمه و يسقيه كفضل الشمس على السهى».
و قال الحسين عليه السّلام: «من كفل لنا يتيما قطعته عنّا محنتنا باستتارنا فواساه من علومنا الّتي سقطت إليه حتّى أرشده بهداه قال اللّه عزّ و جلّ: يا أيّها العبد الكريم المواسي إنّي أولى بهذا الكرم منك، اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كلّ حرف علّمه إيّاه ألف ألف قصر و ضمّوا إليها ما يليق بها من سائر النعم».
و قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام: «أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى موسى حبّبني إلى خلقي و حبّب خلقي إليّ، قال: يا ربّ كيف أفعل؟ قال: ذكّرهم آلائي و نعمائي ليحبّوني فلئن تردّ آبقا عن بابي، أو ضالاّ عن فنائي أفضل لك من عبادة مائة سنة بصيام نهارها و قيام ليلها، قال موسى عليه السّلام: و من هذا العبد الآبق منك؟ قال: العاصي المتمرّد، قال: فمن الضالّ عن فنائك؟ قال: الجاهل بإمام زمانه تعرّفه، و الغائب منه بعد ما عرفه، الجاهل بشريعة دينه تعرّفه شريعته، و ما يعبد به ربّه، و يتوصّل به إلى مرضاته».
قال عليّ عليه السّلام: «فأبشروا معاشر علماء شيعتنا بالثواب الأعظم و الجزاء الأوفر».
و قال محمّد بن عليّ عليهما السّلام: «العالم كمن معه شمعة تضيء للنّاس، فكلّ من أبصر بشمعته دعا له بخير، كذلك العالم معه شمعة يزيل بها ظلمة الجهل و الحيرة، فكلّ من أضاءت له فخرج بها من حيرة، أو نجى بها من جهل فهو من عتقائه من النّار، و اللّه تعالى يعوّضه عن ذلك بكلّ شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل له من الصدقة بمائة ألف قنطار على غير الوجه الّذي أمر اللّه عزّ و جلّ به، بل تلك الصدقة و بال على صاحبها لكن يعطيه اللّه تعالى، ما هو أفضل من مائة ألف ركعة بين يدي الكعبة».
و قال جعفر بن محمّد عليهما السّلام: «علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الّذي يلي إبليس و عفاريته يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا و عن أن يتسلّط عليهم إبليس و شيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممّن جاهد الرّوم و الترك و الخزر
[1] نشب الشيء في الشيء- بالكسر- نشوبا أي علق فيه. (الصحاح). ألف ألف مرّة. لأنّه يدفع عن أديان محبّينا و ذلك يدفع عن أبدانهم».
و قال موسى بن جعفر عليهما السّلام «فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عنّا و عن مشاهدتنا، و التعليم عن علومنا بتعليمه ما هو محتاج إليه أشدّ على إبليس من ألف عابد لأنّ العابد همّه ذات نفسه فقطّ و هذا همّه مع ذات نفسه ذات عباد اللّه و إمائه لينقذهم من يد إبليس و مردته فلذلك هو أفضل عند اللّه من ألف ألف عابد و ألف ألف عابدة».
و قال عليّ بن موسى عليهما السّلام: يقال للعابد يوم القيامة: نعم الرّجل كنت، همّتك ذات نفسك و كفيت النّاس مئونتك فادخل الجنّة، ألا إنّ الفقيه من أفاض على الناس خيره و أنقذهم من أعدائهم، و وفّر عليهم نعم جنان اللّه تعالى، و حصّل لهم رضوان اللّه تعالى و يقال للفقيه: يا أيّها الكافل لأيتام آل محمّد، الهادي لضعفاء محبّيهم و مواليهم، قف حتّى تشفع لكلّ من أخذ عنك أو تعلّم منك، فيقف فيدخل الجنّة معه فئاما و فئاما و فئاما- حتّى قال عشرا- و هم الّذين أخذوا عنه علومه و أخذوا عمّن أخذ عنه و عمّن أخذ عمّن أخذ عنه إلى يوم القيامة، فانظروا كم فرق ما بين المنزلتين».
و قال محمّد بن عليّ عليهما السّلام: «من تكفّل بأيتام آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المنقطعين عن إمامهم المتحيّرين في جهلهم، الاسراء في أيدي شياطينهم، و في أيدي النواصب من أعدائنا، فاستنقذهم منهم، و أخرجهم من حيرتهم، و قهر الشياطين بردّ وساوسهم، و قهر الناصبين بحجج ربّهم و دليل أئمّتهم ليفضّلون عند اللّه تعالى على العباد بأفضل المواقع بأكثر من فضل السماء على الأرض و العرش و الكرسيّ و الحجب على السماء، و فضلهم على هذا العابد كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء».
و قال عليّ بن محمّد عليهما السّلام: «لو لا من يبقى بعد غيبة قائمنا من العلماء الدّاعين إليه، و الدالّين عليه، و الذابّين عن دينه بحجج اللّه تعالى، و المنقذين لضعفاء عباد اللّه من شباك إبليس- لعنه اللّه- و مردته، و من فخاخ النواصب لما بقي أحد إلّا ارتدّ عن دين اللّه تعالى و لكنّهم الّذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكّانها أولئك هم الأفضلون عند اللّه عزّ و جلّ».
و قال الحسن بن عليّ عليهما السّلام: تأتي علماء شيعتنا القوّامون بضعفاء محبّينا و أهل ولايتنا يوم القيامة و الأنوار تسطع من تيجانهم، على رأس كلّ واحد منهم تاج بهاء، قد انبثّت تلك الأنوار في عرصات القيامة، و دورها مسيرة ثلاثمائة ألف سنة، فشعاع تيجانهم ينبث فيها كلّها، فلا يبقى هناك يتيم قد كفلوه و من ظلمة الجهل أنقذوه و من حيرة التيه أخرجوه إلّا تعلّق بشعبة من أنوارهم فرفعتهم إلى العلوّ يحاذى بهم فوق الجنان، ثمّ ينزلونهم على منازلهم المعدّة في جوار أساتيدهم و معلّميهم و بحضرة أئمّتهم الّذين كانوا إليهم يدعون، و لا يبقى ناصب من النواصب يصيبه من شعاع تلك التيجان إلّا عميت عيناه و صمّت أذناه، و أخرس لسانه، و يحول عليه أشدّ من لهب النيران فيحملهم حتّى يدفعهم إلى الزّبانية فيدفعوهم إلى سواء الجحيم» [1].
فهذه نبذة ممّا ورد في فضائل العلم من الحديث اقتصرنا عليها إيثارا للاختصار.
(فصل) [شواهد من الكتب السالفة في فضل العلم و العلماء]
قال[1]: و من الحكمة القديمة: قال لقمان لابنه: «يا بنيّ اختر المجالس على عينك فإن رأيت قوما يذكرون اللّه تعالى فاجلس معهم فإن تكن عالما ينفعك علمك و إن تكن جاهلا علّموك و لعلّ اللّه تعالى أن يظلّهم برحمة فتعمّك معهم، و إذا رأيت قوما لا يذكرون اللّه تعالى فلا تجلس معهم فإن تكن عالما لا ينفعك علمك و إن تكن جاهلا يزيدوك جهلا و لعلّ اللّه أن يظلّهم بعقوبة فتعمّك معهم» [2].
و في التوراة «قال اللّه تعالى لموسى عليه السّلام: عظّم الحكمة فانّي لا أجعل الحكمة في قلب أحد إلّا و أردت أن أغفر له فتعلّمها، ثمّ اعمل بها، ثمّ ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدّنيا و الآخرة».
و في الزبور «قل لأحبار بني إسرائيل و رهبانهم: حادثوا من الناس الأتقياء، فإن لم تجدوا فيهم تقيّا فحادثوا العلماء، فإن لم تجدوا فيهم عالما فحادثوا العقلاء، فإن التقى و العلم و العقل ثلاث مراتب ما جعلت واحدة منهنّ في خلقي و أنا أريد هلاكه».
[1] يعنى الشهيد- رحمه اللّه- في المنية.
[1] منية المريد ص 9 من تفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السّلام.
[2] نقله ابن عبد البر في العلم كما في المختصر ص 54 و في الكافي ج 1 ص 39.