تزكية النفس : السيد كاظم الحائري ٥
9 ساعات مضت
زاد الاخرة
5 زيارة
المِقياس الخامس ـ العواطف:
ومعنى مِقياسيّة العواطف: أنَّ ما نحسُّ به من حسن بعض الأُمور وقبح بعضها ليس مرجعه عدا العواطف الموجودة فينا، فنحن إنَّما نقول: إنَّ ضرب اليتيم قبيح، وإنَّ الترفيه عنه حسن; لما نملكه في أنفسنا من صفة الرقَّة والحنان والشفقة عليهم، في حين أ نَّنا لا نقول بقبح قتل الحشرات المزاحمة لراحة الإنسان; لأنَّنا لا نملك رأفة وشفقة عليها.
ولو فرضنا مجتمعاً قسيَّ القلب لا يعطف على يتيم أو ضعيف، ولا يتأ لَّم بأذاهم، ولا يرتاح براحتهم لما قالوا بقبح ضرب اليتيم وحسن مساعدة الضعيف.
ويمكن تنبيه الوجدان إلى خطأ فكرة من هذا القبيل بالفاته إلى بعض الأمثلة الوجدانيّة: من قبيل إحساس وجداننا بحقَّانيّة القِصاص حتّى لو كان القِصاص يجرح عواطفنا; لأنَّه كان يرد على ابننا مثلاً، فيؤدِّي إلى قتله أو جرحه أو نحو ذلك، فتنجرح عاطفتنا الرحميّة باصابة ابننا الأذى، ولكننا مع ذلك نحسُّ بحقَّانيّة هذا القِصاص.
وأيضاً نرى أنَّ الضمير والوجدان يحكمان بحسن العفو وبحقانيّة القِصاص في مورد واحد وفي وقت واحد، في حين أنَّه لو أُرجع ذلك إلى العواطف لكان هذا تناقضاً; لأنَّ الشخص إمّا أن تنحاز عاطفته بعد الكسر والانكسار نحو العفو أو نحو
القِصاص، فما معنى حسن العفو وحقَّانيّة القِصاص في وقت واحد ؟!
وبالإمكان افتراض أنَّ المِقياس في الحسن والقبح هو العادة، فالذين تعوَّدوا على ترك أكل لحم الحيوانات يحكمون بقبح ذلك، والذين تعوَّدوا على احتجاب النساء من الرجال يحكمون بحسن ذلك وبقبح سفورهن، والذين تعوَّدوا على سفورهن يحكمون بحسن السفور وبقبح الحجاب للنساء.
إلاَّ أ نَّنا لم نرَ حاجة إلى إفراز العادة بالبحث المستقل، فمِقياس العادة إمّا هو شبيه بمِقياس العواطف، ويمكن تنبيه الوجدان على خطأ ذلك بمثل الطريقة التي سلكناها لتنبيه الوجدان على خطأ مِقياسيّة العواطف، فحتى الشخص أو المجتمع الذي تعوَّد على إيذاء الضعيف لو لم يبلغ أمره إلى حدِّ موت الوجدان والضمير يحكم وجدانه وضميره بقبح ذلك، إلاَّ أنَّه يستهين بارتكاب القبيح.
وإمّا هو شبيه بمِقياس العرف والعقلاء، وبإمكانك أن تسمِّيه باسم مِقياس العرف والعقلاء، إلاَّ أنَّه كان المقصود فيما مضى رأيهم، والمقصودُ هنا عادتهم، وقد مضى الجواب عن مِقياسيّة العرف والعقلاء.