الضوء الأخضر من طهران إلى أبوظبي
يومين مضت
مقالات متنوعة
7 زيارة
الضوء الأخضر من طهران إلى أبوظبي
مهدي خراتيان، مدير مركز إحياء السياسات للدراسات.
في ضوء الهجوم الأمريكي الذي استهدف الليلة الماضية جسور السكك الحديدية في منطقتي آق قلا وكاشمر (على خط قطارات الركاب المتجه إلى مشهد)، يمكن القول بثقة إن أكبر خطأ استراتيجي ارتكبته إيران بعد وقف إطلاق النار كان سعيها إلى تطبيع العلاقات مع الإمارات عبر قنوات أمنية رفيعة المستوى. ولكن لماذا؟
إن استهداف جسر آق قلا، الواقع على خط إنجه برون – جرجان – كرمسار، لا يُعدّ مجرد تصعيد أفقي (جغرافي) للحرب بعد اتفاق إسلام آباد، بل يُمثل أيضًا تصعيدًا رأسيًا خطيرًا بسبب الطابع اللوجستي والبنيوي لهذا الممر.
فهذا الخط يشكل جزءًا أساسيًا من ممر الشمال – الجنوب الذي يربط إيران بالهند وروسيا، وكذلك ممر الشرق – الغرب الذي يصلها بالصين وأوروبا. ومن ثم فإن استهدافه يهدف، أولًا، إلى تعطيل إمدادات السلع الأساسية القادمة من الصين وروسيا، وإضعاف قدرة إيران على الالتفاف على الحصار البحري، الذي يُنظر إليه بوصفه ردًا على إغلاق مضيق هرمز (مع أن فكرة الحصار كانت مطروحة سابقًا بشكل مستقل). وثانيًا، يستهدف الموقع الاستراتيجي لإيران باعتبارها عقدة رئيسية في شبكة الممرات التجارية بين الشرق والغرب.
لكن ما علاقة ذلك بالإمارات؟
سبق أن أوضحنا أن قضية مضيق هرمز وما يسمى بـ«الممر العُماني» ترتبط، في الحقيقة، أكثر بميناء جبل علي الاستراتيجي وصلته بميناء حيفا في إسرائيل ضمن مشروع الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، أكثر من ارتباطها بسلطنة عُمان نفسها. ومن هذا المنطلق، فإن فرض إيران سيادتها على مضيق هرمز يعني تعطيل أحد أهم الممرات العالمية التي تعول عليها الولايات المتحدة في النظام الدولي الذي تسعى إلى بنائه.
ومنذ بداية الحرب، مارست الإمارات ضغوطًا على واشنطن لدفعها إلى لعب دور عسكري في تأمين المضيق، وبعد تجديد اتفاقها الدفاعي مع فرنسا، دفعت باريس، ومن ثم حلف شمال الأطلسي، إلى الانخراط بصورة أكبر في صراع الشرق الأوسط.
وتبنّت واشنطن، وفق هذا التحليل، منطق «الممر مقابل الممر»، فهاجمت آق قلا بعدما توصلت إلى قناعة، أو على الأقل إلى تصور واضح، بأن إيران استبعدت الإمارات من بنك أهدافها، ولم تعد تمتلك خيارًا للتصعيد الأفقي أو الرأسي ضدها، وأنها ستكتفي باستهداف الكويت أو البحرين، وهو ما لا يحمل قيمة تصعيدية أو رسالة استراتيجية مؤثرة.
وترى الولايات المتحدة، بحسب الكاتب، أن هذه الخطوة ستحقق ثلاثة أهداف:
-
أولًا: دفع إيران إلى التردد في فرض سيادتها على مضيق هرمز، أي تعطيل ممر IMEC.
-
ثانيًا: تعزيز جدوى إعادة فرض الحصار البحري عليها.
-
ثالثًا: زيادة اعتماد إيران اللوجستي على موانئ مثل جبل علي وكراتشي، الذي يجري تطويره بإدارة إماراتية.
ويخلص الكاتب إلى أن إيران، بمنحها الإمارات «شيكًا أمنيًا على بياض»، وهي الدولة التي تتصدر المشهد الإقليمي في التصور الأمريكي–الإسرائيلي للنظام الجديد في غرب آسيا، قد منحت إدارة ترامب هامشًا أوسع لاستهداف بنيتها التحتية، كما مهدت الطريق أمام تنامي النفوذ الأمني والاقتصادي الإماراتي داخل إيران.
ويضيف أن الإمارات فعلت مع إيران، وستواصل فعل ما فعلته مع نظام بشار الأسد؛ إذ تلقى الأسد وعودًا كثيرة من أبوظبي بالاستثمار وإعادة إعمار سوريا، بينما كانت الإمارات، بحسب الكاتب، تعمل في الخفاء على إسقاطه، وكان أحمد العودة، المدعوم من الإمارات ومحمد دحلان، أول من دخل دمشق.
ويختتم الكاتب بالقول إن إيران، ما لم تعتمد رؤية قائمة على فهم النظام الدولي في مقاربتها لمحيطها، وتدرك طبيعة اللعبة الكبرى بين القوى العظمى، فإنها ستظل، رغم امتلاكها قدرات وإنجازات سياسية وعسكرية مهمة، عاجزة عن استثمار مكاسب حروبها، وخاسرة في معركة تشكيل النظام الإقليمي على المدى البعيد.