الدوافع والتحديات الجيوسياسية لانضمام سوريا إلى “اتفاق مكة”
ساعة واحدة مضت
مقالات متنوعة
9 زيارة
الدوافع والتحديات الجيوسياسية لانضمام سوريا إلى “اتفاق مكة”
الوقت – في منتصف الشهر المنصرم، شدّ وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، الرحال إلى باكستان، في أول زيارة يجريها دبلوماسي سوري رفيع المستوى إلى إسلام آباد منذ 19 عاماً، التقى خلالها بكبار المسؤولين الباكستانيين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء شهباز شريف، حيث أجمع الطرفان على تعزيز أواصر العلاقات الدبلوماسية والتجارية والأمنية الثنائية. غير أن النقطة الأبرز في هذه الزيارة ربما تجلت في تصريحات الشيباني حول دراسة انضمام سوريا إلى اتفاقية الدفاع المشترك في مكة؛ وهي الاتفاقية التي أُبرمت في البداية بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، وإن كانت دمشق لم تحسم قرارها النهائي في هذا الشأن بعد.
يُعد “اتفاق مكة” معاهدة دفاع مشترك أُبرمت في السابع من أغسطس/آب 2026 بين السعودية وتركيا وباكستان في رحاب مدينة مكة المكرمة. وبموجب هذا الاتفاق، الذي يشبّهه البعض بالمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، يُعتبر أي هجوم مسلح على أي من الأعضاء بمثابة هجوم على الجميع، وتأخذ الأطراف على عاتقها التزاماً بالدفاع المتبادل. ويرى عدد من المحللين في هذا الاتفاق إيذاناً بتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة، ومسعى من الدول المذكورة لإرساء نظام أمني جديد أكثر استقلاليةً.
وتجدر الإشارة إلى أنه ينبغي النظر إلى “اتفاق مكة”، في المقام الأول، كمسعى حثيث لخلق إطار أمني ودفاعي بين الدول الأعضاء؛ وهو اتفاق يطرح مبدأ الحماية المتبادلة في حال تعرض أحد الأعضاء لهجوم مسلح، ويرمي إلى تعزيز القدرة الرادعة والتنسيق العسكري، فضلاً عن تقليص التبعية الأمنية للأعضاء تجاه القوى من خارج المنطقة. وقد شكّلت تركيا والسعودية وباكستان النواة الأولى لهذه الآلية، وتكمن أهميتها في أنها، على النقيض من التحالفات التقليدية في الشرق الأوسط، تتبلور خارج العباءة المباشرة للقيادة الأمريكية. غير أنه لا ينبغي مطابقة هذا الاتفاق بنسخة شرق أوسطية من الناتو، إذ إن حجم وطبيعة رد فعل الأعضاء في حال وقوع هجوم على أحدهم لم تتضح معالمه بالكامل بعد، والالتزام الدفاعي فيه لا يعني بالضرورة انخراط جميع الأعضاء تلقائياً في أتون الحرب.
وفي خضم هذا السياق، تكتسي دراسة احتمالية انضمام سوريا أهميةً من نوع آخر. فآفاق هذا الانضمام تثير تساؤلات جمّة حول التداعيات المحتملة لهذه الخطوة؛ إذ إن الالتحاق بركب هذا الميثاق الأمني الوليد قد يجلب مكاسب استراتيجية لدمشق والأعضاء الحاليين على حد سواء، ولكنه في الوقت عينه سيفرز تعقيدات سياسية وأمنية قد تضع مصداقية هذا الاتفاق على محك الاختبار.
فبالنسبة للمملكة العربية السعودية، يمكن لهذه الخطوة أن توطد دعائم ريادتها الإقليمية. فقد أبرز توقيع هذه الاتفاقية في مدينة مكة المقدسة الدور المحوري للمملكة في هذا الاتفاق منذ انطلاقته. وعليه، فإن توسيع نطاقه من شأنه أن يرسخ مكانة الرياض كقطب سياسي واستراتيجي له. أما بالنسبة لتركيا، بصفتها الشريك العسكري الأبرز لدمشق، فإن هذه العضوية تعني تحصين جبهتها في مواجهة التحديات التي يفرضها الكيان الصهيوني في سوريا على أنقرة. فبموجب اتفاقية الدفاع لعام 2025، تقدم تركيا لسوريا التدريب العسكري، والمساعدة الفنية، والعتاد الحربي. وبالنسبة لباكستان، قد يسهم انضمام سوريا في تعزيز حضورها الاستراتيجي ونفوذها المتنامي في الشرق الأوسط.
وفي المحصلة، سيمنح انضمام سوريا إلى اتفاقية مكة ميزةً استراتيجيةً جوهريةً لأعضائه الحاليين، ألا وهي: الجغرافيا. فسوريا قادرة على ربط هذا الميثاق بالبحر الأبيض المتوسط، وحدود الأراضي المحتلة، وقلب المعادلات في بلاد الشام.
في المقابل، يمكن أن يشكل “اتفاق مكة” ظهيراً إقليمياً متيناً لدمشق في مرحلة إعادة الإعمار. فالسعودية ترفد هذا الاتفاق بثقلها ورصيدها الجيوسياسي، بينما تسخّر تركيا قدراتها العسكرية المتطورة، وتضع باكستان قوتها العسكرية والنووية الكبيرة في الميزان.
ومع ذلك، إذا ما انضوت دمشق تحت لواء اتفاق مكة، فإن هذا الاتفاق سيتحول من مجرد تعاون دفاعي بين ثلاث دول، إلى آلية يقع أحد أعضائها مباشرةً في قلب واحدة من أشدّ بؤر الصراع الإقليمي التهاباً.
فسوريا، على النقيض من السعودية وباكستان، تقبع على تماس مباشر مع الكيان الصهيوني، وهي تدرس هذا الخيار في خضم ظروفٍ تتزامن فيها هجمات كيان الاحتلال مع مساعي سوريا لإعادة بناء هيكليتها العسكرية والأمنية وتزايد الحضور التركي على أراضيها.
وسيشكّل الكيان الصهيوني التحدي الأكبر في حال انضمام سوريا إلى اتفاق مكة. وتعد الهجمات الأخيرة على قاعدة “أبو الظهور” الجوية أحدث دليل على نزوع “إسرائيل” نحو استخدام القوة العسكرية، لإرغام سوريا على التراجع عن مسارات التعاون الأمني التي تراها دمشق لصالحه. وعلاوةً على الهواجس الإسرائيلية الواضحة حيال التحركات التركية في سوريا، فقد أعرب الصهاينة عن توجسهم إزاء النفوذ الإقليمي الباكستاني المتصاعد واتفاق مكة.
لذا، ينبغي الغوص في دوافع سوريا لاتخاذ مثل هذه الخطوة، قبل كل شيء، في سعيها الحثيث نحو تحقيق الردع. فالجيش السوري، بعد سنوات عجاف من الحروب والتحولات السياسية، ليس في موقعٍ يمكّنه من إرساء توازن فعال بمفرده في مواجهة الصهاينة. ومن هنا، يمكن لعضوية اتفاق مكة أن ترأب هذا الصدع جزئياً من خلال نسج روابط دفاعية، واستخباراتية، وتدريبية، ولوجستية مع أعضاء أشدّ بأساً. وفي خضم ذلك، ستكون تركيا، بحكم جوارها الجغرافي لسوريا ودورها المتشعب في تطورات هذا البلد، الطرف الأهم بالنسبة لدمشق.
وهنا تتجلى أهمية التوتر المحتدم بين تركيا والكيان الصهيوني. فالخلاف بين الطرفين لم يعد مقتصراً على القضية الفلسطينية فحسب، بل أضحت سوريا إحدى الساحات الرئيسة لتصادم مصالحهما. فـ “إسرائيل” تنظر بعين الريبة إلى تمركز وتمدد القدرات العسكرية التركية في سوريا، في حين تعتبر أنقرة الهجمات الصهيونية على الأراضي السورية ومساعي تل أبيب لفرض قيود أمنية في هذا البلد، تهديداً سافراً لمصالحها.
وفي ظل هذا المشهد، من شأن عضوية سوريا في اتفاق مكة أن ترتقي بهذا التنافس من مجرد خلاف ثنائي بين تركيا و”إسرائيل”، إلى مستوى معادلة أمنية متعددة الأطراف.
ومما تجدر إضافته، أن دخول سوريا في اتفاق مكة يعني بالنسبة لتركيا إدراج عمقها الجنوبي ضمن إطار آلية دفاعية أوسع نطاقاً. أما بالنسبة لسوريا، فيعني ذلك التمتع بظهير يتخطى حدود العلاقات الثنائية مع أنقرة. فالسعودية وباكستان ليستا ملزمتين بالضرورة بخوض غمار الحرب السورية ضد “إسرائيل” ضمن هذه المعادلة، لكنهما قادرتان على المساهمة في الارتقاء بقدرات الحكومة السورية عبر قنوات التعاون العسكري والسياسي والاستخباراتي والاقتصادي. ومثل هذه الشبكة الداعمة كفيلة بأن تزيد من تعقيد الحسابات الإسرائيلية بشأن تكلفة تصعيد الضغوط على دمشق.
وفي سياق متصل، لا بد من التنويه إلى أن عضوية سوريا تنطوي في الوقت عينه على مخاطرة جسيمة. فإذا ما نظرت تل أبيب إلى اتفاق مكة كأداة لتكريس النفوذ التركي في سوريا، فقد تغدو أكثر حساسيةً تجاه تعزيز القدرات العسكرية لدمشق. وفي هذه الحالة، وبدلاً من أن تستثمر سوريا هذا الميثاق حصراً لزيادة أمنها، قد تتحول إلى ساحة تصادم أكثر مباشرةً لمصالح تركيا والأراضي المحتلة. وعليه، فإن الاتفاق ذاته الذي يلعب دور الرادع لدمشق، قد يؤدي، في حال سوء إدارته، إلى تفاقم الضغط الأمني على كاهلها.
وثمة نقطة غاية في الأهمية، ألا وهي أن المسألة السورية ستكون بمثابة اختبار جدي لاتفاقية مكة أيضاً. فما لم يواجه أعضاء الميثاق تهديداً مباشراً يستهدف أراضيهم، فإن المدى الفعلي لالتزامهم الدفاعي على أرض الواقع سيبقى غير واضح. ولكن إذا ما نالت سوريا العضوية ثم تعرضت لهجوم واسع النطاق، فإن طبيعة رد فعل كل من تركيا والسعودية وباكستان ستميط اللثام عن مدى كون اتفاق مكة تحالفاً عملياتياً، أو مجرد إطار سياسي للتنسيق الأمني.
وفي غضون ذلك، يتوجب على دمشق أن توازن بين مسارين متباينين. فمن جهة، يمكن للتقارب مع اتفاق مكة أن يعزز من قوة الردع السورية وقدرتها على المساومة، ومن جهة أخرى، لا تزال دمشق تسعى لخفض التصعيد وإرساء ترتيبات أمنية مع “إسرائيل”. وبالتالي، فإن العضوية المتسرعة في حلف دفاعي قد تضيق الخناق على مساحة التفاوض مع تل أبيب. ولعل الاستراتيجية الأقرب للمنطق بالنسبة لسوريا تكمن في الاحتفاظ بخيار العضوية واستخدامه كرافعة سياسية، دون أن تضع نفسها بالضرورة في موقع العضو النشط ضمن جبهة عسكرية في مواجهة “إسرائيل”.
ولهذا السبب، ينبغي النظر إلى احتمالية انضمام سوريا كجزء من صراع أوسع حول مستقبل النظام الأمني في المنطقة. فإذا نجحت دمشق في إرساء توازن بين تركيا والدول العربية وباكستان والولايات المتحدة، فقد يتحول اتفاق مكة إلى أداة لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية لسوريا. أما إذا استحالت سوريا إلى أحد الخطوط الأمامية للمنافسة بين تركيا وكيان الاحتلال، فإن هذا الميثاق ذاته قد يزجّ بالبلاد في أتون مرحلة جديدة من التجاذبات الأمنية الإقليمية.
وخلاصة القول، إن الانضمام المحتمل لسوريا إلى اتفاق مكة يحمل في طياته فرصاً ومخاطر على حد سواء. وبالنسبة لسوريا والأعضاء الحاليين في هذا الاتفاق، لم يعد السؤال يتمحور حول ما إذا كان الانضمام إلى هذا الاتفاق ينطوي على مكاسب استراتيجية أم لا، بل عما إذا كانت هذه المكاسب سترجّح كفتها على حساب ما قد يترتب عليها من تعقيدات سياسية وأمنية.