الرئيسية / بجوث اسلامية / تربية الإنسان عقليا – اية الله مرتضى مطهري

تربية الإنسان عقليا – اية الله مرتضى مطهري

كان بحثنا السابق يدور حول هذا المطلب وهو أن الإسلام دعا إلى العلم وإلى العقل (بمعنى التعقل) وقد ذكرنا الفرق بين هذين الأمرين، وهو أن العلم بمعنى التعلم والأخذ، ولكن الأخذ وحده ليس كافياً، وان ما هو ضروري في الأخذ هو مسألة التفكير في المادة المأخوذة.

في البداية كنت أنوي الاكتفاء بهذا القدر، إلا أنني بعد ذلك راجعت المذكرات التي كتبتها قبل عدة سنوات بشأن موضوع العقل والتفكير، فرأيت مسائل يحسن ذكرها ولو بشكل إجمالي، وإن كنا غالباً عندما نمر بهذه المسائل نتصور أنها مجرد بيانات لمجموعة من المسائل النظرية، ولكن الهدف من هذه البيانات هو التعليم والتربية وانها قيلت ليتربى عليها المسلمون، ونشرع في البداية بما ورد في باب العقل.

ينبغي للعقل أن يكون غربالاً

لدينا رواية معروفة في باب (العقل والجهل) من كتاب الكافي والبحار وتحف العقول[1]، وقد نقلها هشام بن الحكم[2] المتكلم الشهير عن الإمام موسى بن جعفر (ع) مخاطباً هشاماً وهي رواية مفصلة، وفيها يستند الإمام على قوله تعالى في سورة الزمر: (فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) [3]، إنها آية عجيبة، فيا ترى هل أن هؤلاء يصدقون بكل ما يسمعونه وينفذونه؟ أو أنهم يرفضونه مرة واحدة؟

إنهم يستمعون الكلام وينتقدونه ويزنونه فينتخبون أحسنه ويتبعونه، ثم يقول تعالى أولئك الذين هداهم الله، أي ألهمهم الاستفادة من قوة العقل.

قال الإمام لهشام: يا هشام إن الله تعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: (فبشر عباد، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه…).

يظهر من هذه الآية والحديث بشكل كامل أن أبرز صفات العقل الإنساني هي التمييز والفرز، فرز الكلام الصادق عن الكاذب، والضعيف عن القوي، والمنطقي عن غير المنطقي، والخلاصة: إنه يقوم بعملية غربلة للكلام، لا يكون العقل عقلاً ما لم يكن غربالاً يزن كل ما يرد عليه ويغربله فيرمي ما لا ينفع خارجاً ويحتفظ بما ينفع.

هناك حديث عن الرسول الأكرم، ناظر إلى هذا المطلب يقول: “كفى بالمرء جهلاً أن يحدث بكل ما سمع”[4]، توجد عند البعض خاصية المسجل، يمتلئون بكل ما يسمعون، وبعد ذلك يكررونه في محل آخر دون أن يشخص أن ما سمعوه كان صحيحاً أم خاطئاً.

قلت سابقاً: هناك بعض العلماء أقل عقلاً مما علموه، فهم علماء بمعنى أن لديهم معلومات كثيرة، لكنهم عاقلون بنحو أقل، لأنهم يجمعون كل شيء أينما يرونه وينقلونه بأجمعه دون أن يتدبروه، ليروا هل أنه يتلاءم مع الواقع أم لا؟ والعجيب أنه مع وجود روايات تقول: إن الراوي ينبغي أن يكون ناقداً، وأن لا ينقل كل ما سمعه، نرى الكثير من هؤلاء المحدثين والرواة والمؤرخين لا يراعون هذه القاعدة.

انتقاد ابن خلدون

أحد الانتقادات التي يوجهها ابن خلدون في مقدمة تاريخه لبعض المؤرخين أنهم يبحثون عن صحة السند فقط في نقلهم التاريخ، يقول: قبل هذا ينبغي أن نبحث في صحة المضمون، فلابد أولاً من التفكير في أن هذا المطلب هل ينسجم مع المنطق أو أنه لا ينسجم، ثم يمثل لذلك بقوله: إنهم كتبوا أنه عندما اجتاز قوم موسى (ع) البحر وتعقبهم الفراعنة كانوا مائتين وخمسين ألف رجل محارب، ولابد من تمحيص هذا الأمر، فإن بني إسرائيل كلهم أولاد يعقوب وهو شخص واحد، ولم يمض عليه خمسة أو ستة أظهر (164 سنة) وذكروا أيضاً أنها (400) سنة فحتى لو مضى (400) سنة فإذا قلنا أن عددهم (250000) ألف رجل محارب فلابد أن يكون عددهم في الأقل مليون شخص ربعهم جنود مع أن فرعون كان يقوم بقتل أبنائهم: (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم) وهذا أمر غير مقبول عقلاً.

يقول ابن خلدون: إن المؤرخين لم يلتفتوا إلى أن هذه الواقعة التي ينقلونها تلائم المنطق أم لا؟

سمعت في يوم من واعظ مشهور يريد أن يبين كيفية انقراض بني أمية، وكيف أن الله بارك في ذرية الحسين، فقال: لم يبق للحسين (ع) إلا ولد واحد وهو الإمام علي بن الحسين (ع)، ومنه جميع السادة الحسينيين والموسويين والرضويين، وهم بالنتيجة حسينيون أيضاً، ولم يبق أحد من بني أمية، ثم قال عن بني أمية:

في سنة (61) للهجرة التي وقعت فيها واقعة الطف كان هناك ألف مهد ذهبي في بيوت بني أمية، والآن يجب علينا أن نحسب كم هو عدد بني أمية؟ كم مهداً يوجد في بيوتهم؟ وما هو عدد الذهبي منها؟

كان السيد الخوانساري يسخر من هذه النقولات ويقول: أجل كانت هراة في يوم ما كبيرة جداً وكان فيها (2.000) شخص أحول اسمه أحمد يطهو رؤوس الأغنام (باجة)، والآن عددوا كم طباخاً كان في المدينة ليكون من بينهم ذلك الرقم الهائل من الطباخين الذين يتصفون بالصفات المذكورة.

قرأت يوماً في كتب التاريخ المتداولة التي كتبها أشخاص كبار: إنه في واقعة الحرة أحدثوا القتل الذريع في المدينة، وقد دخلوا بيت شيخ من أهل المدينة وكان من الأنصار ـ وكانت عائلته فقيرة وامرأته قد وضعت حملها قريباً، وكانت راقدة في الفراش والطفل في مهده، فدخل رجل شامي ليأخذ شيئاً من هذا البيت، فتوسلت به المرأة قائلة: أنا زوجة فلان أحد أصحاب رسول الله (ص) وقد بايعنا رسول الله في بيعة الرضوان، فلم ينفع ذلك وأخذ الرجل الشامي برجل الطفل وأداره حول رأسه ثم ضرب به الجدار فتناثر مخه.

نقل هذه الواقعة عدد كبير، فهل يكفي هذا في صحتها؟ يعني هل يمكن للمرأة التي بايعت مع زوجها رسول الله في بيعة الرضوان أن تضع حملاً في سنة (63) للهجرة بعد فاصلة زمنية قدرها (58) سنة؟ فلو فرضنا أنها في ذلك الوقت كانت صبية عمرها عشر سنوات متزوجة حديثاً وذهبت مع زوجها لمبايعة الرسول، فأنها تكون الآن في الثامنة والستين من عمرها، فهل يمكن لمن في سنها أن تضع حملاً؟ هذه المسائل بحاجة إلى نقد وتمحيص، فلو فكر الإنسان قليلاً لوقف على مخالفتها للواقع، وهذه هي عملية الغربلة، قال الرسول (ص): “كفى بالمرء جهلاً أن يحدث بكل ما سمع” الجهل غالباً لا يكون في الأحاديث في قبال العلم، بل يكون في قبال العقل، أي عدم التفكير لا عدم العلم، فيكفي في عدم تفكر الإنسان وتمحيصه للأشياء أن يحدث بكل ما سمع.

نقد الكلام

المسألة الأخرى القريبة من هذا المطلب والتي تستنبط من هذه الآية وبعض الأحاديث هي مسألة تحليل الكلام وعزل العناصر الصحيحة عن العناصر غير الصحيحة، ففرق بين أن يأخذ الإنسان من كلامين الصحيح منهما ويهمل الآخر، وبين تجزئة الكلام بحيث ينتقي الإنسان العناصر الصحيحة، ويفند العناصر الخاطئة فيه بحيث تكون له القدرة على التشخيص في أن يقول: هذا الجزء من الكلام صحيح وهذا الجزء غير صحيح، وهذا هو الأمر الذي عبر عنه في الروايات بالنقد والانتقاد.

عندما يقولون: انتقد الدرهم أو انقد الكلام، يعني: أظهر عيوبه ومحاسنه، فكما أن السكة عندما توضع في المحك ليتعرفوا أنها ذهب خالص، ومقدار عياره، فكذلك نقد الكلام معناه عزل محاسنه عن مساوئه.

لدينا بهذا الشأن أحاديث كثيرة وعجيبة منها أن المسيح (ع) قال: “خذ الحق من أهل الباطل ولا تأخذ الحق من أهل الحق” والأظهر أنه يريد أن يقول: لا تلتفت إلى القائل، بل التفت إلى نفس القول، والشاهد على ذلك الجملة الأخيرة حيث قال: “كونوا نقاد الكلام”[5].

ثم ينقل الإمام جملاً في هذا الخصوص: يا هشام إن الله تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، ونصر النبيين بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالإدلاء، فقال: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار… لآيات لقوم يعقلون)[6].

تدبر العاقبة

الشيء الآخر الذي يجب أن تقوم تربية العقل على أساسه هو مسألة الاهتمام بالمستقبل، إذ يستند في التربية الإسلامية استناداً كبيراً على هذه المسألة، وأنه لا ينبغي لكم أن تقيدوا أنفسكم بهذا العصر، بل التفتوا إلى المستقبل، وضعوا نصب أعينكم العواقب والنتائج النهائية للعمل الذي أنتم بصدد فعله.

ثمة حديث مشهور نقلناه عن كتاب (قصص الأبرار) وهو أنه: قد جاء شخص إلى رسول الله (ص) وقال: يا رسول الله عظني، فقال الرسول: وهل ستفعل ما أقوله لك حقاً؟ فقال: نعم، فكرر عليه الرسول جملته، فقال: أجل، فكرر الرسول كلامه للمرة الثالثة، وما هذا التكرار من الرسول (ص) إلا لأنه أراد أن يجعله مستعداً بشكل كامل لما سيقوله له، وما إن أتم ذلك حتى قال له: إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته[7]، وهذا هو الذي جاء في الأدب الإسلامي بعنوان (تدبر العاقبة) وخاصة في (المثنوي) فقد تطرق لهذه النقطة بكثرة.

“إن الهوى كان مليئاً بالحرص والغبطة، وأما العقل مما يفكر بسوى يوم الدين”. “ومن كان ينظر العواقب فهو عاقل وأما من همه علفه فلا دين له”.

العقل والعلم توأمان

المسألة الأخرى هي وجوب أن يكون العقل والعلم توأمين، وهذه النقطة مهمة للغاية فإن الإنسان الذي يفكر ولكن معلوماته ضعيفة يكون كالمصنع الذي تكون فيه المواد الخام معدومة أو قليلة، فإن انتاجه سيكون قليلاً، لأن الإنتاج موقوف على وصول المادة الخام، وكذلك المصنع الذي تتوفر فيه المادة الخام إلا أنه لا يعمل فإنه يكون مشلولاً وغير منتج.

يقول الإمام (ع) في تلك الرواية: “يا هشام ثم بين أن العقل مع العلم” وقد قلنا: إن العلم هو عملية الأخذ، وهو بمنزلة الحصول على المادة الخام، وأما العقل فهو تفكير واستنتاج واستخلاص وتجزئة وتحليل، ثم يستند الإمام على هذه الآية (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) [8]، أترون كيف تمت الملاءمة بين العقل والعلم.

تحرير العقل من تقاليد المجتمع

الأمر الآخر مسألة تحرير العقل من أن تتحكم به إيحاءات المجتمع المحيط والعرف وتقاليده، أو ما يصطلح عليه اليوم بنفوذ السنن وعادات المجتمع، يقول الإمام (ع): “يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون”، فقال: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) [9].

فالقرآن يذم الذين يقيدون أنفسهم بتقليد آبائهم واتباعهم إياهم ولا يفكرون بتحرير أنفسهم من هذا القيد، ما هو هدف القرآن من هذا الذم؟ هدفه هو التربية، يعني أنه هو يريد تنبيه الناس إلى أن المعيار والمقياس يجب أن يكون هو ما يشخصه العقل والتفكير، لا مجرد فعل الآباء، استخرجت يوماً الآيات التي تتحدث عن الاتباع والتقليد فوجدتها كثيرة جداً، والشيء الذي لفت انتباهي فيها أنه ما من نبي دعا قومه إلى الله إلا جوبه بهذا الكلام: (إنا وجدنا آباءنا على اُمة وإنا على آثارهم مقتدون) [10]، وأنه لماذا تريد صرفنا عن تقاليد آبائنا الماضين؟ مع أن أقوام الأنبياء كانوا يختلفون جداً من حيث الظروف. فكان كل نبي يطرح على قومه مسائل تنسجم مع وضع حياتهم، وكان يواجه مشاكل مختصة بقومه، إلا أنه كان هناك إشكال مشترك ووجه به جميع الأنبياء وهو مصيبة تقليد الآباء والأجداد، وعلى حد تعبيرنا اليوم، إتباع التقاليد وأما الأنبياء فعلى العكس، إنهم كانوا يشحذون عقول الناس ويوصونهم بالتفكير، (أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون).

الإمام الصادق والتابع للتقاليد

هناك قصة معروفة وهي أن الإمام الصادق ذهب إلى بيت أحد أصحابه أو شيعته وكان بيتاً صغيراً جداً، وكأنه كان من الذين يعلم الإمام الصادق أن حالته تقتضي أن يكون له بيت أفضل فقال له الإمام: لماذا تسكن في هذا البيت؟ “من سعادة المرء سعة داره”[11] ، فقال: يا ابن رسول الله إن هذا بيت آبائي وأجدادي ولا أستطيع مغادرته، وبما أن أبي وجدي كانا فيه، فلا أريد مفارقته، فقال له الإمام: لو كان أبوك جاهلاً فهل عليك أن تقيد نفسك بجهل أبيك؟ اذهب وهيأ لنفسك بيتاً أفضل.

حقا إنها أمور عجيبة، الإنسان من الناحية التربوية لا يلتفت إلى أن الكلمات التي يقولها القرآن إنما يريد بها أن يربي الناس على هذه القواعد.

عدم اتباع الأكثرية

ثم ذكر الإمام موسى الكاظم (ع) موضوعاً آخر فقال: “ثم ذم الله الكثرة” فقال: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) [12] .

وخلاصة القول: التحرر من حكومة العدد وأنه ينبغي أن لا تكون الأكثرية والكثرة هي الملاك، وأن لا ينظر المرء إلى أكثر الناس ويسلك الطريق الذي يسلكونه، ويقول: انه هو الطريق الصحيح، فإن هذا نظير لذلك التقليد، فكما أن الإنسان بطبعه ينقاد إلى تقليد الآخرين، كذلك ينقاد لرأي الأكثرية، والقرآن يرفض هذا المقياس، والدليل على خطئه هو أن أكثر الناس تتبع الظن والحدس لا العقل والعلم واليقين، ويلتصقون بخيوط ظنهم العنكبوتية.

ولذا ورد في كلمات أمير المؤمنين: “لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه”[13] فقد يكون أمامكم طريقان وتشاهدون الناس يتماوجون كثرة في أحدهما، بينما في الآخر عدد قليل، ففي بعض الأحيان يستوحش الإنسان ويقول: سأسلك الطريق الذي سلكته الأكثرية، وإن ما سيحدث لهم لي، والإمام (ع) يقول: عليكم أن تشخصوا الطريق، وتشخيصه لا يرتبط بكثرة سالكيه.

عدم التأثر بحكم الآخرين

المسألة الأخرى التي تتعلق أيضاً بالتربية العقلائية هي أن حكم الناس على الإنسان يجب أن لا يكون هو الملاك، إن هذه أمراض عاُمة يبتلى بها الناس من قريب أو بعيد، فمثلاً لو اختار الإنسان ثوباً معتقداً أنه قد اختار لوناً جميلاً، ثم يأتي آخر ويقول له: ما هذا اللون المضحك الذي اخترته لنفسك؟ وكذلك الثاني والثالث يقولان له الكلام نفسه، فإنه سيعتقد بالتدريج أنه قد اختار ثوباً غير مناسب، وفي بعض الأحيان يقول الناس هذه الأشياء لا لأجل أنهم يعتقدون بها، بل هدفهم أن يغيروا اعتقاد الآخرين فليس من الصحيح أن يتأثر الإنسان في ما يتعلق بشؤونه الخاصة بأحكام الآخرين، لا تقعوا تحت تأثير حكم الآخرين أبداً.

المعلم وتلاميذه

ينقل (المثنوي): إن أحد المعلمين قديماً كان يدرس عدداً كثيراً من الصبية (وكان المعلمون آنذاك يضربون الأطفال بشدة) وكان الأطفال ينشدون يوم الخلاص من قبضة معلمهم، ففكر الأذكياء منهم في طريقة للخلاص، وفي الغد عندما دخل أول طالب ـ وكان المعلم جالساً ـ قال له: خيراً جناب الأستاذ كأنك مريض، هل أنت متألم، فقال: كلا لست مريضاً، اذهب واجلس مكانك، فذهب وجلس، فجاء الطالب الثاني وقال: جناب المعلم، قد انخطف لونك، فقال المعلم بهدوء: اجلس مكانك، فجاء الثالث وقال العبارة نفسها، وفي نهاية الأمر قال المعلم: أجل أنا مريض ومتألم جداً، فقالوا له: اسمح لنا أن نضع لك حساءً، بدأ الأستاذ يتألم تدريجياً ثم استلقى وشرع يتأوه، وأمر الطلاب ان اذهبوا إلى منازلكم فأنا مريض، وكان هذا ما يريده الطلاب.

قال الإمام: يا هشام لا ترتب أثراً على حكم الناس، فأية دعوة هذه لاستقلال العقل والتفكير، ثم قال (ع): لو كان في يدك جوزة، وقال الناس في يدك لؤلؤة، ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة؟ ولو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس: إنها جوزة، ما كان يضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة.

الروح العلمية

أقول شيئاً عن العلم أيضاً لأختم به البحث، وهو مستفاد من الآيات والأحاديث، وحاصله أن هناك فرقاً بين كون الشخص عالماً وبين امتلاكه الروح العلمية إن العالم الحقيقي هو من كانت روحه العلمية مقترنة بعمله.

ما هو المقصود من الروح العلمية؟ المراد هو: أن العلم أساساً ينبثق من غريزة حب الاستطلاع، فقد خلق الله الإنسان باحثاً عن الحقيقة، أي أن الإنسان يريد أن يفهم الحقائق كما هي، وأن يعرف الأشياء على ما هي عليه ويدركها، ويتطلب هذا أن يكون الإنسان ذاته حيادياً تجاه الحقائق، يريد أن يكشف الحقيقة كما هي، لا أن تأتي الحقيقة بالنحو الذي يريده هو، فهو في هذه الحال يمتلك روحاً علمية.

أحياناً يؤمن الإنسان بقضية، ويريد أن تكون نتيجة بحثه مؤيدة لها، وهذا بحد ذاته منشأ للضلالة، ففي آيات من سورة النجم إشارة إلى أن أحد منا شيء الضلالة هو اتباع الناس أهواءهم في تشخيصهم للأشياء، وفي النتيجة يدخلون مجال البحث بذهنية منحازة وقد قيل: (الأغراض تجعل الرجل أحول).

إن احتفظ الإنسان بحياده تجاه الحقائق ـ وهو أمر عسير جداً ـ فسيهديه الله، فقد ضمن الله تعالى أن يهدي الأشخاص الذين يبحثون عن الحقيقة بلا غرض في القلب: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) [14] ، الروح العلمية هي روح طلب الحقيقة، إنها الروح غير المتعصبة الخالية من الجمود والغرور، عندما يطالع الإنسان الأحاديث الكثيرة الواردة في موضوع العلم، يرى مدى تأكيدها أنّ العالم ينبغي أن لا يكون متعصباً ولا جامداً، وأن لا يجزم بصحة كل ما يراه ويشخصه، وبطلان ما عداه، العالم ينبغي أن لا يكون مغروراً ويتصور أن ما لديه هو العلم بأجمعه، بل عليه أن يلتفت دائماً إلى قاعدة (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) [15] ، وأن يلتفت إلى أن ما يدركه من الحقائق قليل جداً، يقول الطلبة: (نحن أبناء الدليل، حيثما مال نميل) ـ طبعاً هذا ادعاء، فما أكثر الذين هم ليسوا كذلك) والدليل هو الذي يثبت المدعى، وفي مقابل ذلك قد يذهب الإنسان من المدعى إلى الدليل، أي أنه يتخذ موقفاً منذ البدء ثم يبحث له عن دليل، وستكون أدلته طبعاً مجانبة للواقع ومنشأ للضلالة.

إن العلماء الذين يمتلكون الروح العلمية يكون غرورهم قليلاً جداً ـ أو لا غرور لديهم أصلاً ـ نسبة إلى الذين لا حظّ لهم من الروح العلمية، وقد حفظوا بضع كلمات يتصورون أنها جميع العلم، ففي الحديث: (العلم على ثلاثة أشبار، إذا وصل إلى الشبر الأول تكبر وإذا وصل الشبر الثاني تواضع، وإذا وصل إلى الشبر الثالث علم أنه لا يعلم شيئاً).

فإذن في التعليم والتربية ينبغي أن يزود المتعلم بالروح العلمية، أي لا ينبغي الاهتمام فقط بأن يكون عالماً، بل لابد أن يوجه ليكون باحثاً عن الحق، عارياً من الأمراض التي تحرف الإنسان عن الحقيقة كالتعصب والجمود والغرور والتكبر، فجميع هذه يجب تجنبها لينشأ المتعلم على الروح العلمية.
——————————————————————————–

[1] أصول الكافي، ج1، ص14، تحف العقول، ص384

[2] هشام من أصحاب الإمام الصادق (ع) والإمام موسى بن جعفر (ع) وكانا يجلانه، وهو من المتكلمين والفضلاء وكان الكثير من كبار متكلمي ذلك العصر الذين يعتبرهم الغربيون من النوابغ من قبيل (النظام) و(أبي الهذيل العلاف) يخضعون لهشام، قال شبلي النعمان في كتاب (تاريخ علم الكلام) إن أبا الهذيل العلاف كان شخصاً يحذر الجميع مناقشته (يعني كان قوياً جداً في الكلام) وان الشخص الوحيد الذي كان يحذره أبو الهذيل هو هشام بن الحكم.

[3] سورة الزمر، الآية: 20 لا توجد هنا كلمة سماع، فلم تقل الآية سمع القول أو يسمعون القول، بل قالت: يستمعون القول، أي يدققون في الكلام، فهناك فرق بين السماع والاستماع، فالسماع هو الذي يسمعه الإنسان حتى ولو لم يفهمه، وأما الاستماع فيكون مع الفهم.

[4] الجامع الصغير، ج2، ص90 وجاء فيه كذباً وإثماً بدلاً عن جهلاً.

[5] بحار الأنوار، ج2، ص96.

[6] سورة البقرة، الآيات: 162 ـ 164.

[7] بحار الأنوار، ج77، ص130.

[8] سورة العنكبوت، الآية:43.

[9] سورة البقرة، الآية: 170.

[10] سورة الزخرف، الآية: 23.

[11] محاسن البرقي، ص60 وفروع الكافي، ج6، ص525 بتعابير مختلفة.

[12] سورة الأنعام، الآية: 116.

[13] نهج البلاغة، الخطبة: 21.

[14] سورة العنكبوت، الآية: 69.

[15] سورة الإسراء، الآية: 85.

شاهد أيضاً

عوامل التربية (2) الإحسان – اية الله مرتضى مطهري

عوامل التربية (2) الإحسان ـ تقوية شعور البحث عن الحقيقة ـ المراقبة والمحاسبة من المسائل ...