الرئيسية / بحوث اسلامية / مسألة العادة – اية الله مرتضى مطهري

مسألة العادة – اية الله مرتضى مطهري

بسم الله الرحمن الرحيم

كان البحث في أن معنى “التربية” هو تنمية القابليات الإنسانية وتشمل أيضاً تنمية الجسد، وقلنا أيضاً: ان التربية ليست بناءً كما يبنى البيت إذ يقومون بتركيب الأجزاء والمواد ويجعلون نظماً بين الأشياء، بل هي نوع من تنمية الكائن الحيّ، بتوفير الأرضية المناسبة لنمو قابلياته، كما يقومون بإنماء الورود والأشجار، ثمة أمور أخرى تخص تربية الإنسان وتنميته، فمثلاً قد لا يمكن تنمية قابلية معينة في الشجرة أو جعل قابلية اُخرى راكدة، ولكنّ هذا الأمر راكد في الإنسان فقد تمنّى قابلية من قابلياته دون سواها وهذا بنفسه قد يكون منشأ لعدم اعتدال الإنسان، ولذا يجب في تنمية الإنسان أن يكون هناك تعادل بين جميع قابلياته الطبيعية ولا شأن لنا فعلاً ببحث هذه النقطة.

قيل إن التربية ليست من نوع البناء، بل هي مجرد تنمية، من المحتمل أن يقول شخص: إن جزءاً من التربية هو تنمية والجزء الآخر بناء، أو في الأقل يقول: هنا نظريتان (نظرية العلماء القدماء ونظرية العلماء الجدد).

التربية من وجهة نظر العلماء القدماء

من وجهة نظر علماء التربية القدماء لم يكن شك وترديد في أنه لابد من إيجاد بعض الأخلاقيات في وجود البشر، وحسب مصطلح علماء الأخلاق: يجب إيجاد الفضائل في الإنسان على شكل ملكات، فالإنسان المربى هو الذي تكون فيه الفضيلة سجية وملكة[1] وما لم تكن الفضيلة على صورة سجية أو ما لم تتبدل إلى طبيعة ثانوية للإنسان فهي (حالة) وليست فضيلة، لأنها أمر زائل وينبغي أن تكون ملكة ليغدو زوالها أمراً صعباً، قال العلماء القدماء في تعريف العدالة: إنها ملكة التقوى، أي أن تصبح التقوى ملكة في الإنسان، حتى أنهم قالوا: إن الإنسان ذا الأخلاق الفاضلة لا يصدر منه ما ينافيها حتى في عالم الرؤيا[2] من قبيل أن يكون صادقاً فلا يكذب بل يقال: إن التربية: هي تشكيل السجية، إن روح الإنسان في البداية كالمادة الطرية القابلة للتشكيل كالنورة، فانها عندما يصب عليها الماء تكون طرية وبعدها تشتد، وحال كونها طرية كان بإمكاننا صبها بأي قالب شئنا فبإمكاننا أن نجعلها على شكل إنسان أو خنزير أو ديك، ويقولون: إن روح الإنسان في الصغر قابلة للانعطاف وهي كتلك المادة الطرية، وكلما يأخذ الإنسان في الكبر ثقل قابليته للانعطاف، وإن ما قالوه من أن “العلم في الصغر كالنقش في الحجر” لا اختصاص له بالعلم، بل ينبغي أن يقال: “التربية في الصغر كالنقش في الحجر”، إن علماء اليوم أيضاً يولون أهمية أكثر للتربية في سني الطفولة، إن الطفل في المرحلة التمهيدية بالنسبة إلى الطفل في المرحلة الابتدائية، والأخير بالنسبة إلى اليافع في المتوسطة، واليافع في المتوسطة بالنسبة إلى الشاب في الإعدادية، والشاب في الإعدادية بالنسبة إلى الجامعي تكون جنبة التقبل فيه أكثر، وتنعقد شخصية الإنسان في الخمسين من عمره، وطبعاً لا ينبغي لنا أن نبالغ، فإن الإنسان كائن قابل للتغيير والتوبة والإنابة، ومن المحتمل أن يغير نفسه حتى في سن المائة، ولكن لاشك في أن الحالات الروحية تصبح ملكة بالتدريج، ويكون من العسير جداً تغييرها.

المثال الذي ضربه المولوي

يضرب المولوي مثلاً على أن الإنسان كلما يكبر تقوى صفاته وتتجذر أكثر، يقول: زرع رجل نبتة شائكة في طريق الناس، وأخذ الناس يظهرون استياءهم منها، فوعدهم على أن يقلعها في العام المقبل، وفي العامل الثاني وعدهم على العام التالي، وهكذا، وكانت شجرة الشوك تتجذر سنة بعد سنة، بينما كان هو يضعف سنة بعد سنة، أي كانت النسبة بينهما في النمو عكسية، إن حالات الإنسان أيضاً من قبيل زارع الشوك وقالعه، يوماً بعد آخر تتجذر الصفات في الإنسان، في حين أن إرادة الإنسان تضعف أكثر، فقابلية الشاب على إصلاح نفسه أقدر من الرجل العجوز “زرع الشوك في أيام القوة والنشاط، وقلعه عند الضعف والخور”.

وقال سعدي:

“إن من لم يتأدب في صغره، فسوف لا يأتيه الأدب في كبره.

أقم الغصن الطري كيفما شئت، فإنه سوف لن يستقيم إذا يبس إلا بحرقة بالنار”.

يقولون: إن معاوية كان يقول سوف أجعل الصبيان ينشأون على بغض علي بن أبي طالب، ليكبر معهم عندما يكبرون، أو نقول في أمثلتنا: “دخل فيه من اللبن فلا يخرج إلاّ بخروج روحه”، وكأنه على هذا الأساس لم يكن علماء الأخلاق في السابق يترددون في لزوم صيرورة الصفات والملكات الفاضلة عادات وسجايا، والعادة بناء وليست تربية، فان التربية تنمية للقابليات الموجودة وأما (العادة) فهي أن نجعله بالشكل الذي نريده، فهو بمنزلة المادة الخام قابل للتشكل، بحيث يقبل كل شكل تعطيه له، وبهذا اللحاظ يعتبر الإنسان كائناً قابلاً للبناء، وأكثر الأخلاقيات أمور بنائية ينبغي أن تصبح عادة وليست هي أمور متجذرة في الإنسان، فمثلاً بإمكاننا أن نربي شخصاً ليصبح شجاعاً أو أن نربيه بشكل لا يصبح معه شجاعاً، أو نربي شخصاً ليكون عفيفاً، ومن الممكن أن ننشأه بحيث لا يكون عفيفاً، بل يكون تابعاً لهواه، فإذن طبقاً لهذا البيان يمكن القول: إن الجزء الأعظم من التربية هو صناعة البشر بالشكل المراد، ولذا نجد كل مذهب يربي أبناءه بالنحو الذي تريده الهيئة الحاكمة على الشعب.

نظرية علماء الغرب

ظهرت نظرية جديدة عند علماء الغرب في مجال التربية، هي أن التربية أساساً مجرد التنمية، وكان بحثهم في التربية الأخلاقية، ودخلوا البحث من الناحية العقلية لا من ناحية الحس الديني وحس الجمال، فقالوا: إن التربية هي تنمية القوى العقلية والإرادة الأخلاقية فقط وينبغي عدم تعويد الإنسان على أي شيء جيداً كان أم رديئاً، لأن التعويد سيئ مطلقاً، لأن الإنسان إذا اعتاد شيئاً سيخضع لحكومته، ولا يمكنه تركه، وعندها يقدم عليه لا بحكم العقل ولا بحكم الإرادة الخلقية، ولا بحكم كونه عملاً جيداً أم غير جيد، وإنما يفعله بحكم العادة، ولو تركه فسيضطرب، وقد ذكر هذا الأمر في حديث للرسول (ص)، وحديث آخر للإمام الصادق (ع) فقد قال رسول الله (ص): “لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة”[3] .

وعن الصادق (ع): “لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده، فإن ذلك شيء اعتاده، فلو تركه استوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته”[4] .

إن هذا الحديث يدل على أن التعود، يفقد القيمة الأخلاقية للعمل، ولا يمكن أن يكون ملاكاً للإنسانية والإيمان، هؤلاء يجرون ذلك على كل شيء حتى إذا كان أفضل الأعمال والفضائل الإنسانية، فبمجرد أن يصبح عادة يفقد قيمته، لأنه في هذه الصورة تكون الملكة هي المتحكمة في الإنسان، تلك العادة التي هي طبيعة ثانوية تتحكم بالإنسان سواء رضي العقل بها أم لا، إن (كانت) و(روسو) هما رأسا هذه النظرية، يقول روسو في كتاب (إميل): (يجب أن أعود أميل على أن لا تتعود على شيء)، تماماً في النقطة المقابلة لاعتقاد القدماء بأن التربية هي في التعويد، فإذن ما هي التربية إذا لم تكن تعويد الروح؟ هي تقوية الروح والإرادة، وأن يفكر العقل بحرية وأن تصمم الإرادة الخلقية بلا تقييد، وأن تحارب التعود خاصة، ومن هنا يجوّز هؤلاء الأشخاص الشيء الذي نعتبره سيئاً، بدليل أن الشيء الجيد صار عادة للإنسان وينبغي التمرد بوجه العادة.

ومن هنا ترد مسألة الحرية الأخلاقية في التربية، إن هؤلاء في الواقع يدافعون عن الحرية في الأخلاقية، ويرون الحرية جوهر روح الإنسان، ويقولون: لا ينبغي سلب حرية الإنسان بأية وسيلة، يجب أن يكون حراً في أن يعمل فقط وفقاً لحكم العقل والإرادة الخلقية، وأن لا تتحكم به أية قدرة، حتى قدرة التعويد، يمكن القول تقريباً: إن كلام (روسو) في كتاب (أميل) يدور في الأكثر حول مكافحة التعويد، إنه يقول ناقداً لأسلوب التربية عند القدماء: “إن الطفل يأتي إلى الدنيا أسيراً ويخرج منها أسيراً” مراده أن الإنسان أول ما يأتي إلى الدنيا يلفونه بقطعة تسمى القماط، وبعد أن يموت يكفنوه، وهو من حين ولادته إلى موته يكون أسيراً للتعويد.

نقد هذه النظرية

ولكن هل أن هذه النظرية صحيحة؟ هل يجب أن لا يعتاد الإنسان حتى على الأعمال الحسنة؟ باعتقادنا أن هذه النظرية ليست صحيحة مئة بالمئة، إن هؤلاء يرون أن التعويد يجعل من الإنسان آلة، ويقتل روح الإبداع فيه ويسلبه اختياره وحريته وإرادته، يقول كانت: “كلما كثرت عادات البشر قلت حريته واستقلاله”، والمراد هنا طبعاً حرية العقل، وعلى كل حال فإن هؤلاء يعتقدون بأن خاصية التعويد هي إضعاف للإرادة بنحو لا يستطيع الإنسان معه أن يثور ضد مستأنساته الروحية والجسمية، فإذن، التعويد يكون سيئاً على جميع التقادير، ولذا فهم في قبال التعريف القائل: ان التربية هي فن إيجاد التعويد، يقولون: إن التربية في إفناء التعويد، وطبعاً إن ما قالوه من أن الإنسان يجب أن لا يمارس عملاً بنحو يعتاده ويستأنس به، بشكل يصعب عليه تركه، ويؤديه بلا حكم من العقل أو الإرادة، بل يصدر منه بمحض التعويد ـ فهو صحيح بنحو عام ـ ولكن هذا لا يكون دليلاً على أن التعويد سيئ بشكل مطلق، إذ إن العادات على نحوين: عادات فعلية، وعادات انفعالية، العادة الفعلية هي أن لا يقع الإنسان تحت تأثير عامل خارجي، ولكنه يقدم على الفعل بعد التكرار والممارسة، إن الفنون عادة، كتابتنا نفسها عادة وليست علماً، إن لم نكتب خطاً لما استطعنا الكتابة، وبعبارة أخرى يمكننا أن نكتب دفعة واحدة، بل يكون ذلك على نحو التدرج والتدريب، وحتى الكثير من الملكات النفسية هي عادات فعلية، كالشجاعة، فالشجاعة قوة أعصاب ومن الممكن أن يمتلك الإنسان شيئاً قليلاً منها بشكل طبيعي، ولكن الإنسان إنما يحصل على حالة استثنائية، وقوة قلب تؤهله للصمود أمام الأخطار فلا يفقد صوابه، على أثر التعويد، فالإنسان عندما يواجه المخاطر بكثرة، تنشأ عنده هذه الحالة، ومن هذا القبيل الجود والسخاء والعفة والطهارة أيضاً، ولكن إيراد أمثال (كانت) لا يكون وارداً على مثل هذه العادات، لأنه:

أولاً: ليست خاصية هذه العادات أن يأنس الإنسان بها ويألفها، بل خاصيتها أن الإنسان مادام غير معتاد عليها، تكون إرادته ضعيفة تجاه المحركات التي تكون في الجهة المخالفة، ولكنه عندما يتعود تحصل له القدرة على المقارنة نظير ما يقوله الفقهاء في باب ملكة التقوى والعدالة، فإن ملكة التقوى والعدالة في هذا الحد، لا في حدود أن يصبح الإنسان أسيراً.

ثانياً: وهو تتمة للفرع الأول ـ إن علماء الأخلاق الذين اهتموا كثيراً بمسألة التعويد كانوا يقولون: إن العادة تيسر الأعمال التي تكون صعبة بحسب طبعها على الإنسان، أحياناً يريد الإنسان أن يفعل شيئاً على خلاف طبيعته، وعندما يصبح الأمر (الشاق) عادة لدى الإنسان ويصير بشكل ملكة، تذهب تلك الصعوبة في محاربة الطبيعة لا أنها تصبح أنساً لدى الإنسان، فلو اعتاد الإنسان أن يستيقظ مبكراً، فهو قبل أن يعتاد الاستيقاظ مبكراً، إذا أراد ترك الفراش وجد صعوبة فيجهد نفسه ليجعل هذا الأمر يسيراً، وحينما يدأب مرة على مزاولة هذا العمل تراه يعتاد عليه تدريجاً، وليس ذلك إلا صيرورته يسيراً بعبارة أخرى كان في السابق أسيراً للطبيعة، وعلى أثر التعويد توجد في نفسه قوة متساوية مع قوة الطبيعة، فيتحرر من هاتين القوتين، وعندها يفكر بعقله في المصلحة ويصمم على النوم أو الاستيقاظ، وهذه لا يمكن اعتبارها سيئة ولا يمكن القول: إن الإنسان يظل دوماً تحت ضغط الطبيعة، فإنه يمكنه بالإرادة وأمر العقل أن يستيقظ مبكراً وبإمكانه عندما يتعود أن يكسر عادته ليفتح الطريق أمام الطبيعة لتأخذ مجراها.

ثالثاً: إنهم لم يكونوا بصدد بحث أن الحاكم على الإنسان يجب أن يكون هو الإرادة الخلقية من وجهة نظر مذهبية، إلا إننا حيث نبحث من وجهة نظر مذهبية علينا أن نقول: ينبغي أن تكون الإرادة الخلقية لدى الإنسان تابعة لعقله وإيمانه، ولكن لابدية تحكيم العقل والإيمان في وجودنا هل تستدعي إضعاف القدرات الأخرى في أنفسنا سواء كانت قدرات طبيعية أو تربوية (حصلنا عليها عن طريق التعويد)؟

لأجل أن نقوي العقل والإرادة في أنفسنا هناك طريقان: الأول: أن نبقي الجسم والطبيعة ضعيفين، لنقوي العقل، وهذا كما لو أراد شخص أن يكون بطلاً، فيعمل على اضعاف خصمه ليتغلب عليه، إن الانتصار على الضعيف لا يعد شيئاً، فإن العبرة في الانتصار عليه حال قوته، كان الأصحاب يترددون كثيراً على رسول الله، يطلبون أن يسمح لهم في عملية تعقيم أنفسهم، فكان يقول (لا يجوز ذلك في ديننا)، فإنه ليس فخراً أن يعقم الإنسان نفسه ليتغلب على شهوته الجنسية، بل الفخر بأن توجد الشهوة، ولكن تكون قدرة العقل والإيمان بنحو تخضع تلك الطاقة الجنسية ويتحكم بها، هذا في باب الطبيعة.

وهذا المطلب نفسه موجود أيضاً في مجال ارتباط العقل بالطبيعة، ماذا يقول كانت وروسو؟ هل يقولان: لابد من إضعاف الطبيعة لأجل تقوية العقل والإرادة؟ لا، إنهما لا يقولان هذا، بل يقولان حتماً: لابد من تقوية كفة الإرادة لتتغلب على قوى الجسم والطبيعة، ونحن نقول: إن هذا المطلب موجود في باب العادات، إذ إن (التعود) هو الطبيعة الثانية، فينبغي أن نرى هل تتمكن قوى العادة من أن تصنع شيئاً أم لا؟ ودليل أن بإمكانها ذلك كونها يسرت لنا الأعمال، ولكن مع ذلك لابد من إبقاء قدرة العقل والإرادة ـ العقل والإيمان ـ بنحو لا تكون معه أسيرة للعادة أو الطبيعة.

حقاً ان الإنسان إذا اعتاد على شيء يستأنس به ويقوم على فعله بشكل آلي، وأحياناً لا يهتم أساساً بالعقل والإيمان، يعني لو قال له العقل والإيمان: اعمل على خلاف عادتك، لا يستجيب لهما.

يقولون: إن المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري مع أنه كان بإمكانه أن لا يصوم رمضان بسبب الكبر، إلا أنه كان يصوم فقالوا له: أنت نفسك تقول: يجوز للشيخ والشيخة أن لا يصوما ويدفعان الكفارة عوضاً عن ذلك، فأجاب: إن سجيتي العمياء لا تسمح لي بذلك.

وهذه الحال توجد لدى الكثير من الناس، فمثلاً يقول بعضهم: حتى لو أشرفت على الهلال فإنني لن أقطع صيامي، (يتصور أن هذا هو الإيمان)، أي حتى لو أمره الله والرسول بذلك، فإنه لا يقطع صيامه، هذه تكون عادة، فينبغي على الإنسان أن يصوم تبعاً لإيمانه، فلو قال له إيمانه: اقطع صيامك، فليقطعه.

كثيراً ما يغدو العمل عادة للإنسان بحيث لا يحكّم إيمانه فيه، ولكن هذا لا يصلح أن يكون دليلاً لرفض الملكات بشكل مطلق، فمثلاً العدالة والاستيقاظ مبكراً عندما تصبحان ملكتين لا يمكن أن نقول أنهما عادتان لا فائدة فيهما، وإنما كل شيء قيّد الإنسان به نفسه بنحو يعصي معه أمر الإيمان والعقل فهو غير صحيح.

كان شخص مع الإمام الصادق (ع) في حديقة، فأشار إلى تفاحة وقال للإمام (ع): لو قلتم الآن أن نصف هذه التفاحة حلال ونصفها حرام فإنني سأتقبل ذلك منكم) وهذا معناه أن لا نعتاد على شيء يجعلنا لا نمتثل أمر العقل والإيمان.

لقد اتضح أن كلام علماء الغرب صحيح إلى هذا الحد، والحديث القائل: (لا تنظروا إلى طول ركوع الشخص وسجوده، فإن هذا أمر اعتاده وأنه يستوحش لو تركه)، ناظر إلى أن التعود أحياناً يغدو بنحو يسقط قيمة العمل الحسن.

الإنس في العادات الانفعالية

قلنا أنه قد يحصل أنس بالعبادات الإنفعالية ويغدو الإنسان أسيراً لها، العادات الانفعالية هي أن يقدم الإنسان على عمل تحت تأثير عامل خارجي، وفي العادات الجسمانية (الأفعال) أو الفنية لا يحصل أنس، مثل كتابة الخط أو المشي وهو أحد أنواع الفن، ولكن بما أن الإنسان يتعلمه منذ الصغر فإنه لا يلتفت إليه كثيراً.

ثمة شخص ما عرّفوا له الشعر والنثر، فعرفوا النظم في البداية ثم قالوا: وأما النثر فهو كلامنا الاعتيادي هذا، فقال: عجباً! نحن إلى الآن نقول نثراً ولا نشعر بذلك؟

الغرض أن العادة الفعلية عادة لا ربط لها بأي عمل خارجي، ولكن العادات الانفعالية عادات من تأثير عامل خارجي، كتدخين السجائر، أي أن الإنسان يريد دوماً أن يصله دخان السيجارة، العادة الانفعالية توجد عادة لدى الشخص حالة الأنس وتقوم بتقييد الإنسان، وإن تربية الجسم بالمعنى الذي ذكرناه سابقاً غالباً ما يكون عادة انفعالية، مثلاً يعتاد الإنسان أن ينام على فراش من الريش أو يعتاد على لون من الطعام بحيث لو لم يصله هذا الطعام فإنه لا يتمكن من تناول طعام غيره وإن كان أكثر منه فائدة، هذه عادات انفعالية وهي غير مستحسنة في جميع الموارد، وأما العادات الفعلية، فلا يمكن القول بأنها سيئة لمجرد صيرورتها عادة، أجل يمكن أن تكون سيئة من جهة أخرى، ولكن ليس من جهة صيرورتها عادة.

المطلب الآخر الذي ينبغي أن نتكلم عليه في البحث المقبل هو أن المتأثرين بالحضارة الغربية طرحوا سؤالاً تحت عنوان: ما هو ملاك كون الفعل خلقياً؟ فأي فعل من أفعال الإنسان ينبغي اعتباره طبيعياً وأي فعل خلقي؟

إن أصل السؤال هو: هل يمكننا أن نقول: إن هذا العمل حسن وذلك قبيح؟ هل يمكن القول: إن كل فعل اختياري وإرادي للإنسان هل فعل خلقي؟ فيكون ملاك الفعل الخلقي هو كونه إرادياً، وملاك العمل الطبيعي كونه غير إرادي فمثلاً ضربات القلب فعل طبيعي والتنفس نصف طبيعي فلا يكونان خلقيين، وأما المشي أو الأكل أو التكلم وهي أفعال إرادية فإنها تكون خلقية، كلا، إن هذا غير صحيح، فإن مجرد كون الفعل إرادياً ليس ملاكاً لصيرورته خلقياً كي نراه صحيحاً من وجهة نظر أخلاقية.

من المحتمل أن يعتقد شخص بأن ملاك الفعل الخلقي هو الارتباط بالغير، أي إيصال النفع إلى الآخرين أو الإضرار بهم، وبعبارة أخرى هو سلسلة من العواطف الإيجابية والسلبية تجاه الآخرين، وهذا أيضاً غير صحيح، أولاً: لأن الكثير من أفعال الإنسان هي خلقية دون أن يكون لها ربط بالآخرين، ثانياً: من الممكن أن يرتبط فعل بالغير ولا يكون خلقياً، بأن تكون جذوره الأحاسيس كعمل الأم التي تقع تحت تأثير عواطف الأمومة فتخدم طفلها وتساعده، فلا يعد فعل الأم خلقياً، إذ إن (حب الابن) أمر طبيعي، فإن الأم أسيرة أحاسيسها، ولا يمكنها أن لا تحبه أو لا تساعده، فإنها تتألم عند تركها لذلك، وإن هذه الأم نفسها لا تنظر إلى طفل آخر بنفس النظرة، بل غالباً ما تنظر إليه بشكل معاكس، فإذن لا يمكننا أن نعد هذا الفعل خلقياً، فأي أخلاق تحكم بلزوم الالتفات إلى طفلك، وعدم الالتفات إلى طفل آخر؟ لذا لا يعد الارتباط بالآخرين ملاكاً.

إن الذين يقولون في باب العادات: يجب ان تكون أعمال الإنسان خاضعة لحكومة العقل وإرادته، مضطرون هنا أيضاً للتفوه بهذا الكلام، يقولون: ان الفعل الأخلاقي هو الذي يصدر من العقل ولا يكون لأية عاطفة دخل سواء اختص بالإنسان أو ارتبط بالآخرين.

إن الفعل الخلقي ليس له معيار واحد يرتضيه الجميع، أي أن كل عقيدة وبحسب رؤيتها الكونية ترى الفعل الخلقي بشكل مختلف عما تراه عقيدة أخرى يعتقد البعض أن الفعل الخلقي فعل ينبع من وجدان الإنسان، والوجدان موجود في فطرة كل شخص، وهذا صحيح إلى حد ما: (فألهمها فجورها وتقواها) [5] ، يعتقد (كانت) بوجود الوجدان الخلقي في الإنسان ويؤكد ذلك بشدة، وان فلسفته العملية تعتبر أكثر أهمية من فلسفته النظرية قال: “وكتبوه على شاهدة قبره أيضاً: “شيئان يستثيران إعجاب الإنسان، ولا يقل إعجابه بهما أبداً، الأول السماء المليئة بالنجوم فوق رأسنا، والثاني: (الوجدان الكامن في أنفسنا)، تقول هذه العقيدة: إن الفعل الخلقي الذي يحكم به وجدان الإنسان مجرد عن كل تربية، ومن كل عادة، ولكن الذين لا يرون هذا الاعتقاد ينبغي لنا ملاحظة القيم التي يعتقدون بها؟ وبالاستناد إلى تلك القيم يمكن تحديد ملاكات الفعل الخلقي من وجهة نظرهم.

إن الذين يفكرون تفكيراً مادياً يمكن القول بأنهم قد حطوا القيم الأخلاقية كثيراً، وقد سمي عصرنا (عصر تزلزل القيم) أي العصر الذي لا يكون فيه معنى للقيم الأخلاقية، إذ إن القيم التي كانت ملاكاً للأخلاق قد اندثرت، النهلستية[6] ، عقيدة لا تعتقد بأية قاعدة ولا بالقيم، وكل العقائد المادية كذلك، كلهم يتكلم على الأخلاق، ولكن رؤيتهم الكونية قد زلزلت القيم الخلقية.

——————————————————————————–

[1] ولذا يكون الكلام دائماً في الأخلاق عن ملكة الصفة الفلانية من قبيل ملكة الشجاعة وملكة السخاء.

[2] قال المرحوم الأغا الشيخ عبد الكريم الحائري: أنا أغض الطرف حتى في المنام عندما تقابلني امرأة أجنبية.

[3] بحار الأنوار، ج71، ص9.

[4] اُصول الكافي، ج2، ص105.

[5] سورة الشمس، الآية: 8.

[6] النهلستية (Nihilism) مذهب ينكر أن يكون للمبادئ الأخلاقية أساس موضوعي.

شاهد أيضاً

عوامل التربية (2) الإحسان – اية الله مرتضى مطهري

عوامل التربية (2) الإحسان ـ تقوية شعور البحث عن الحقيقة ـ المراقبة والمحاسبة من المسائل ...