الرئيسية / الخالدون / شخصيات اسلامية / مراحل حياة الامام علي بن الحسين عليهما السلام السجاد
4

مراحل حياة الامام علي بن الحسين عليهما السلام السجاد

القسم الاول:

إن الحديث عن الإمام السجاد (ع) وكتابة سيرته عمل صعب، لأن أساس التعرف من قبل الناس على هذا الإمام تم في أجواء غير مساعدة إطلاقاً. ففي ذهن أغلب كتّاب السيرة والمحللين أن هذا الانسان العظيم قد انزوى للعبادة ولم يكن له أي تدخل في السياسة. حتى أن بعض المؤرخين وكتّاب السيرة ذكروا هذه المسألة بشكل صريح، أما الذين لم يقولوا هذا الأمر بصراحة فإن مفهومهم عن حياة الإمام السجاد (ع) ليس سوى هذا الأمر. وهذا المعنى موجود في الألقاب التي تنسب اليه والتعابير التي يطلقها الناس عليه: كما يطلق البعض (المريض) لقباً له، في حين أن مرضه لم يستغرق أكثر من عدة أيام في واقعة عاشوراء. ومن الطبيعي أن كل انسان يمرض في حياته عدة أيام، وإن كان مرض الإمام للمصلحة الإلهية حتى لا يكلف هذا العظيم بالدفاع والجهاد في سبيل الله في تلك الأيام لكي يستطيع في المستقبل أن يحمل الحمل الثقيل للأمانة والإمامة على عاتقه، ويبقى حيّاً بعد والده لمدة 35 أو 34 سنة ويقضي أصعب عصور الإمامة عند الشيعة. أنتم عندما تنظرون الى ماضي حياة الإمام السجاد (ع) سوف تجدون حوادث متنوعة وملفتة جداً، كما حدث لبقية أئمتنا، حتى أننا اذا جمعنا سيرة الأئمة (عليهم السلام) معاً فلن نجد مثل سيرة الإمام السجاد (ع).

إن سيرة كل إنسان بالمعنى الواقعي للكلمة تتضح عندما نعرف التوجه العام له ومن بعدها نقوم بملاحظة الحوادث الجزئية في حياته. فإذا عُرف التوجه العام فإن الحوادث الجزئية سوف يصبح لها معنى، أما اذا لم يعرف ذلك التوجه العام او فهم خطأ فإن تلك الحوادث الجزئية سوف تصبح بدون معنى او بمعنى خطأ. وهذا لا يختص فقط بالإمام السجاد (ع) او سائر أئمتنا (عليهم السلام) بل إن هذا يصدق وينطبق على سيرة كل انسان.

مثلاً في خصوص الإمام السجاد (ع) نجد أن رسالته الى محمد بن شهاب الزهري تعتبر نموذجاً لإحدى الحوادث في حياته. فلو أخذنا هذه الحادثة بنفسها وبمعزل عن بقية الحوادث في تلك المرحلة، لا يمكن أن نفهم شيئاً. فقد تكون هذه الرسالة من أحد الذين ينتسبون الى آل الرسول (ص) لأحد العلماء المعروفين في ذلك الزمان وهي تمثل جزءً من جهاد واسع وأساسي، ويمكن أن تكون صادرة عن مفكّر عادي، او يمكن أن تكون اعتراض شخصية على شخصية أخرى كالاعتراضات التي تشاهد على طول التاريخ بين شخصيتين او عدة أشخاص. وهذا ما أردت أن أشير اليه في هذه المسألة وهو أننا اذا التفتنا الى الحوادث الجزئية وقطعنا النظر عن التوجه العام في حياة الإمام فلن تفهم سيرة الإمام، فالمهم أن نعرف التوجه العام.

نذكر بحثنا الأول بشأن التوجه العام للإمام السجاد (ع) في الحياة ونقرنه بكلماته وحياته، وايضاً بالمفهوم العام عن حياة الأئمة (عليهم السلام) ثم نوضحه.

4

الصورة العامة لحياة الإمام السجاد (ع)

كان الإمام السجّاد (ع) ما بين استلامه للإمامة في عاشوراء 61 هــ واستشهاده مسموماً في سنة 95 هــ يتابع إنجاز هدف إقامة حكومة أهل البيت. لذلك ينبغي أن نفسّر جزئيات عمل الإمام والمراحل التي مرّ بها والاساليب التي اتبعها والتوفيقات التي حصلت وكل الكلمات التي بينها وكل التحركات التي قام بها والأدعية والمناجاة التي جاءت بصورة الصحيفة السجادية.. كل هذه ينبغي أن تفسّر بالنظر إلى الخط العام. كذلك المواقف التي اتخذها طوال مدة الإمامة:

1 ــ موقفه من عبيد الله بن زياد ويزيد الذي تميز بالبطولة والشجاعة والفداء.

2 ــ موقفه الذي تميز بالهدوء من مسرف بن عقبة، هذا الذي قام بتدمير المدينة واستباح أموالها بأمر من يزيد في السنة الثالثة من حكمه.

3 ــ حركة الإمام مقابل عبدالملك بن مروان أقوى خلفاء بني أمية وأمكرهم، حيث تميز موقفه بالشدّة حيناً والاعتدال حيناً آخر.

4 ــ موقف الإمام (ع) من عمر بن عبدالعزيز.

5 ــ تعامل الإمام مع أصحابه وأتباعه ووصاياه لأصدقائه.

6 ــ موقف الإمام من وعّاظ السلاطين وأعوان الظلمة.

كل هذه المواقف والتحركات ينبغي أن تدرس بدقة. ووفق تصوري أرى أنه بالالفتات إلى النهج العام، فإن كل هذه الجزئيات والحوادث سوف تصبح لها معانٍ مناسبة وواضحة. وسوف تجد عندها أن هذا الإنسان العظيم قد قضى كل حياته وسعيه في طريق الهدف المقدس وهو إقامة حكومة الله على الأرض وتحقيق الإسلام، وقد استفاد من أنضج وأفضل الوسائل، وتقدّم بالقافلة الإسلامية التي كانت بعد واقعة عاشوراء في تشرذم وتفرّق مهول، وأنجز مهمته العظمى ومسؤوليته الأصيلة (التي سوف نشير إليها بالتفصيل لاحقاً)، والتي قام بها كل الأئمة وجميع الأنبياء والرجال الصالحون، مراعياً السياسة والشجاعة والدقّة في الأعمال. وبعد 35 سنة من الجهاد الذي لم يعرف الراحة رحل عن الدنيا كريماً مرفوع الرأس وقد حمل ثقل الرسالة ليَكِل هذا الأمر من بعده إلى الإمام الباقر(ع).

إن انتقال الإمامة إلى الإمام الباقر (ع) ومعها مهمة إقامة حكومة الله على الأرض تظهر بصورة واضحة في الروايات. ففي رواية نجد أن الإمام السجاد (ع) يجمع أبناءه مشيراً إلى محمد بن علي، أي الباقر (ع)، ويقول:

“احمل هذا الصندوق وخذ هذا السلاح وهذه الأمانة بيدك”.

وحينما فتح الصندوق كان فيه القرآن والكتاب.

تصوري أن ذلك السلاح يرمز إلى القيادة الثورية وذلك الكتاب يرمز إلى الفكر والعقيدة الإسلامية، وقد أودعهما الإمام السجاد (ع) ذلك الإنسان الواعي إلى الإمام الذي سيأتي من بعده مودعاً الدنيا راحلاً إلى عتبة الرحمة الإلهية بذهن مرتاح ووجدان هادئ ورأس مرفوع.

كانت هذه الصورة الكلية لحياة الإمام السجاد (ع). ولكننا لو أردنا أن ندرس جزئيات الأحداث ينبغي، علينا أولاً أن نمهّد بالوضع السابق لها إذ يوجد في حياة الإمام السجاد فصل قصير ومحدّّد نذكره أولاً ثم نقوم بعدها بشرح السير العادي لحياة الإمام وتفصيل الأوضاع وأحوال الزمان والظروف التي كانت موجودة.

الفصل المصيري القصير هو مرحلة ما بعد كربلاء، أي فصل الاسر الذي كان قصيراً ولكنه كان مؤثراً جداً ومعبّراً، حيث نجد في عين الأسر الصلابة والقوة. لقد كان الإمام السجاد (ع) يرسم ملحمة بطولية عظيمة بأقواله وأفعاله خلال فترة الاسر والمرض هذه، والتي تعتبر فترة مختلفة تماماً عن المرحلة الاصلية من حياته، حيث اصبح الإمام يعمل على البنية التحتية باعتدال ودقة وهدوء، حتى إنه أحياناً كان يجلس مع عبد الملك بن مروان في مجلس واحد ويتصرف معه تصرفاً معتدلاً. أمّا في هذا الفصل فإننا نشاهد الإمام بصورة ثورية هادرة بحيث انه لم يكن يسكت على أي حديث صغير، وكان أمام الملأ يردّ بأجوبة تزلزل أركان العدو.

في سوق الكوفة أيضاً وبصوت واحد وزمان واحد يخطب الإمام هو وعمته زينب وأخته سكينة فيثورون الناس ويفشون الحقائق.

وفي الشام، في مجلس يزيد أو في المسجد المقابل لجميع الناس يبيّن الإمام الحقائق بأبلغ بيان، بحيث تضمّنت خطبه وكلماته حقانية أهل البيت بالخلافة وأفشت جرائم النظام الحاكم وبينت مدى التخدير الشديد الذي يمارسه النظام ضد الناس الغافلين. ولا يوجد مجال هنا لذكر الخطبة وإماطة جزء من اللثام عن معانيها، لأن هذا عمل مستقل ومنفصل عن موضوعنا، ولكن ينبغي لكل من يريد أن يفسر هذه الخطبة أن يدرسها كلمة كلمة بالالتفات إلى هذه الأصول. تلك كانت حالة الإمام السجاد (ع) في مرحلة الأسر العصيبة.

 

4

مرحلة ما بعد الأسر

قد يطرح سؤال هنا وهو أنه لماذا يقوم الإمام السجاد (ع) في مرحلة ما بعد الأسر بالاعتدال والتقية ويقضي بالدعاء والاعمال المعتدلة على التحركات الثورية والشديدة، وفي مرحلة الأسر يتصرف بشدة وقوة ووضوح؟

والجواب أن مرحلة الاسر كانت فصلاً استثنائياً، حيث كان الإمام السجاد (ع)، بمعزل عن كونه إماماً ينبغي أن يهيئ أرضية للحركة لإقامة الحكومة الإلهية والإسلامية، كان اللسان الناطق للدماء المسفوكة في عاشوراء، فالإمام السجاد (ع) لم يكن هنا في الحقيقة بل كان لسان الحسين (ع) الصامت الذي تجلّى في هذا الشاب الثوري في الشام والكوفة. فلو لم يكن الإمام السجاد (ع) شديداً وحاداً وصريحاً في بيان القضايا فلن يبقى في الحقيقة مجال لعمله المستقبلي، لأن مجال عمله المستقبلي دم الحسين بن علي (ع) الهادر، كما أن دم الحسين كان أيضاً ارضية للنهضات الشيعية في طول التاريخ.

وهكذا ينبغي أن يتم العمل أولاً على تحذير الناس، ثم في ظل هذا التحذير تبدأ المعارضة الأصولية والعميقة والبعيدة المدى، ولا يمكن أن يتحقق هذا التحذير إلاّ باللسان الحاد والشديد.

لذلك كان دور الإمام السجاد (ع) في هذه المرحلة وكذلك دور زينب (ع) هو بيان ثورة الحسين بن علي (ع)، إذ ان معرفة الناس بقتل الحسين ولماذا قتل وكيف قتل سوف تؤثر على مستقبل الإسلام ومستقبل دعوة أهل البيت (ع)، بعكس الحال فيما لو لم يعرف الناس ذلك. بناءً على هذا، فإنه ينبغي لأجل الإطلاع وتوسعة هذه المعرفة على مستوى المجتمع بذل كل ما يمكن بذله الى اقصى الحدود الممكنة. لهذا تحرك الإمام السجاد (ع) في هذا الاتجاه مثل سكينة ومثل فاطمة الصغرى ومثل زينب نفسها ومثل كل أسير (كل بقدر استطاعته). لقد اجتمعت كل هذه الطاقات حتى تنثر دم الحسين المسفوك في الغربة في كل المناطق الإسلامية التي مرّوا بها من كربلاء إلى المدينة. وحين دخل الإمام السجاد (ع) إلى المدينة كان عليه أن يبيّن الحقائق أمام العيون والأنظار الباحثة والسائلة، وقد تم ذلك في أوّل وصوله، لهذا كان هذا الفصل القصير مقطعاً استثنائياً في حياته.

المقطع التالي يبدأ حين يباشر الإمام السجاد (ع) حياته الاعتيادية في المدينة ، ويبدأ عمله من بيت النبي (ص) وحرمه. ولأجل بيان برنامج الإمام نحتاج إلى دراسة الأوضاع التي كانت سائدة وظروف زمانه أيضاً، ولذلك نوكل هذا الموضوع إلى حلقات تالية.

 

4

الأرضية الاجتماعية

عندما حدثت واقعة كربلاء، سيطرت على كافة العالم الإسلامي ــ حيث وصل الخبر وخاصة الحجاز والعراق ــ حالة من الرعب والخوف الشديد بين الشيعة وأتباع الأئمة، لانهم شعروا أن حكومة يزيد مستعدة أن تفعل أي شيء لإحكام قبضتها حتى ولو كان قتل الحسين بن علي (ع) سبط الرسول الذي هو معروف بالعظمة والاعتبار والقداسة في كافة أنحاء العالم الإسلامي. هذا الرعب الذي ظهرت آثاره في الكوفة والمدينة، بلغ ذروته بعد مرور زمان معين إثر وقوع عدة حوادث أخرى ــ إحداها حادثة

الحرة ــ فسيطر جوّ القمع الشديد في منطقة نفوذ أهل البيت (ع) في الحجاز (وخاصة المدينة) وفي العراق (وخاصة الكوفة). فضعفت الاتصالات وصار أتباع الأئمة والمعارضون بالقوة لنظام بني أمية المعدودون في حالة ضعف وعدم ثبات.

وتنقل رواية عن الإمام الصادق (ع) أنه قال في الحديث عن الوضع في ذلك الزمان؟ “ارتدّ الناس بعد الحسين (ع) إلاّ ثلاثة”.

وذكر في رواية أنهم خمسة، وفي البعض أنهم سبعة.

وفي رواية عن الإمام السجاد (ع) ــ يرويها أبو عمر المهدي ــ يقول سمعت عن الإمام أنه قال:

“وما بمكة والمدينة عشرون رجلاً يحبنا”.

وقد نقلت هذين الحديثين حتى يتضح الوضع العام لعالم الإسلام بالنسبة للأئمة وأتباعهم. فهذا القمع الذي حدث أوجد مثل تلك الحالة التي صار فيها أتباع الأئمة (ع) متفرقين آيسين خائفين لا يملكون القدرة على التحرك. ولكن في تلك الرواية يكمل الصادق (ع) القول:

“ثم إن الناس لحقوا وكثروا”.

التنظيمات السرية

لو أردنا أن نفصل هذه القضية المذكورة أكثر لكانت على هذا النحو:

بعد واقعة شهادة الإمام الحسين (ع) صار الناس في خوف ورعب، لكن ليس إلى درجة أن لا يبقى للتنظيمات التي أعدها أتباع الأئمة باقية، ودليل ذلك أننا نرى أنه في الوقت الذي جاؤوا بأسرى كربلاء إلى الكوفة، شوهدت التحركات التي تدل على وجود التنظيمات الشيعية.

وبالطبع عندما نتحدث عن “التنظيمات الشيعية السرية” لا نقصد النمط الموجود للتنظيمات في هذا العصر، بل المقصود تلك الروابط العقائدية التي كانت تصل الناس بعضهم ببعض وتحملهم على التضحية والأعمال السرية، والتي تؤلف في أذهاننا مجموعة واحدة.

في تلك الأيام التي كان أهل البيت (ع) في الكوفة وفي إحدى الليالي يسقط حجر في السجن الذي كانوا فيه. وإذا بالحجر ورقة كتب عليها: “لقد أرسل حاكم الكوفة رجلاً إلى يزيد في الشام حتى يعلم ماذا يفعل بكم، فإذا سمعتم غداً ليلاً صوت تكبير فاعلموا أنكم ستقتلون هاهنا، وإذا لم تسمعوا فاعلموا أن الوضع سيتحسن”.

عندما نسمع مثل هذه القصة ندرك جيداً وجود شخص من أعضاء هذه التنظيمات داخل الجهاز الحاكم لابن زياد وهو مطلع على ما يجري. ويمكنه أن يصل إلى السجن ويوصل صوته إليه.

مثال آخر: عبدالله بن عفيف الأزدي الرجل الأعمى الذي قام بردة الفعل الأولى عند ورود الأسرى إلى الكوفة وأدى ذلك إلى استشهاده. وكذلك ما كنّا نرى في الشام عند اللقاء بأهل البيت من البكاء والملامة، وهذه الحوادث تكررت حتى في مجلس يزيد أيضاً.

بناء على هذا، فمع وجود الرعب الشديد بعد هذه الحادثة لم يتحطم نظام عمل الشيعة ولم يتفرقوا أشد التفرق. ولكن بعد وقوع حوادث أخرى ازداد جوّ القمع أكثر. ومن هنا يمكن ربط الحديث “ارتد الناس بعد الحسين…” بالحوادث التي وقعت بعده.

وخلال هذه المرحلة ــ قبل وقوع الحوادث الأخرى ــ قام الشيعة بإعادة الانسجام السابق والاستعداد.

وينقل الطبري قائلاً:

“فلم يزل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد لها”. وهو يقصد الشيعة في طلب الثأر لدماء الحسين بن علي (ع). وازداد عددهم يوماً بعد يوم حتى مات يزيد بن معاوية.

ولهذا نجد مع كل هذا الضغط والقمع الشديد ازدياد التحركات ــ كما ينقل الطبري ــ ولعله إشارة لهذا الدليل يقول مؤلف كتاب “جهاد الشيعة” (وهو كاتب غير شيعي ولا يمتلك رؤية واقعية تجاه الإمام السجاد (ع) ولكنه أدرك هذه الحقيقة):

“أصبح الشيعة بعد شهادة الحسين (ع) كتنظيم واحد تجمعهم الاعتقادات والروابط السياسية ويعقدون الاجتماعات، ولهم القادة والقوى العسكرية. وكان التوّابون أول مظهر لهذه التنظيمات”.

إذن نشعر أنه مع تسلّل الضعف إلى التنظيمات الشيعية إثر حادثة عاشوراء، فإن التحركات الشيعية في مقابل هذا الوضع استمرت بنشاط لإعادة هذا التنظيم إلى سابق عهده، إلى أن جرت “واقعة الحرة”. وبرأيي فإن واقعة الحرة كانت مفصلاً عظيماً في تاريخ التشيع وضربة كبيرة جداً له.

لقد جرت هذه الواقعة سنة 63 للهجرة. وتفصيلها باختصار أنه في سنة 62 هــ وُلّي أحد شباب بني أمية على المدينة ففكر لاستمالة قلوب الشيعة في المدينة أن يدعو بعضهم إلى ملاقاة يزيد. فدعا بعض أشراف المسلمين والصحابة ــ الذين كانوا في معظمهم من محبي الإمام السجاد (ع) ــ إلى الشام للقاء يزيد والاستئناس به. فذهبوا إلى الشام والتقوا به حيث مكثوا عدة أيام. وأعطاهم يزيد مبالغ كبيرة من المال (بمقدار 50 الف درهم أو مئة الف) ثم رجعوا إلى المدينة.

عندما عادوا إلى المدينة ــ ولأنهم رأوا الفجائع في بلاط يزيد ــ بدأوا بانتقاده والتهجم عليه. وانقلبت القضية، فبدلاً من مدحه والثناء عليه بدأوا بالتشهير به وقالوا للناس: كيف يمكن أن يكون يزيد خليفة وهو شارب للخمر ويلاعب الكلاب والقردة ويمارس أنواع الفسق والفجور. إننا نخلعه عن الخلافة.

وكان على رأس هؤلاء عبدالله بن حنظلة الذي دعا الناس إلى القيام على يزيد وخلعه. فأدت هذه الحركة إلى أن يأمر يزيد أحد قادته من بني أمية ويدعى “مسلم بن عقبة” بالإسراع إلى المدينة وإخماد الثورة فيها. فقدم ابن عقبة وحاصرها عدة أيام ثم دخلها وارتكب فيها أبشع وأفجع الجرائم التي لم يحدث مثلها في تاريخ الإسلام.

وقد عرف بعد هذه الحادثة المفجعة باسم “مسرف بن عقبة”.

مجريات وتفاصيل هذه الحادثة كثيرة ولا أريد هنا أن أشرح ما جرى، ولكن يكفي أن أقول أنها أصبحت أكبر وسيلة لإرعاب محبي وأتباع أهل البيت، خاصة في المدينة التي هرب منها من هرب وقتل آخرون، بعضهم من أصحاب أهل البيت الخيرين كعبد الله بن حنظلة.

لقد وصل هذا الخبر إلى كافة أقطار العالم وعُلِم أن النظام الحاكم سوف يقف بقوة أمام أية حركة من هذا القبيل.

الحادثة الأخرى التي أدت إلى إضعاف الشيعة هي حادثة شهادة المختار في الكوفة وتسلط عبدالملك بن مروان على كافة العالم الإسلامي.

فبعد موت يزيد، تبعه خلفاء لم يدوموا في الحكم إلاّ فترات قليلة كمعاوية بن يزيد الذي لم يحكم أكثر من ثلاثة أشهر، ثم مروان بن الحكم الذي حكم لمدة سنتين أو أقل، ثم وصل الأمر إلى عبدالملك الذي كان أكثرهم تدبيراً كما جاء بشأنه:

“كان عبدالملك أشدهم شكيمة وأقساهم عزيمة”.

فاستطاع أن يقبض على زمام أمور العالم الإسلامي بيده ويوجد نظاماً إرهابياً وقمعياً، وكان امساكه بزمام الأمور متوقفاً على القضاء على خصمائه؛ فالمختار الشيعي قد صُفّي قبل مجيئه على يد مصعب بن الزبير، ولكن عبدالملك أراد أن يضع نهاية لاستمرار حركة المختار وغيره في عالم التشيع. وبالفعل قام بذلك، حتى عانى الشيعة في العراق وخاصة الكوفة التي كانت في ذلك الوقت أهم مراكزهم أشد معاناة.

على كل حال، لقد بدأت هذه الحوادث من واقعة كربلاء ثم تتالت: من قبيل واقعة الحرة والقضاء على حركة التوابين في العراق وشهادة المختار وشهادة إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي وآخرون عظام من الشيعة. وبشهادتهم طغى جوّ من القع والخمود الشديد على المراكز الشيعية في المدينة والكوفة وحلت غيوم الغربة والوحدة على المكان.
 

 

شاهد أيضاً

4

مراحل حياة الامام علي بن الحسين عليهما السلام السجاد

القسم الثالث :بناء الكوادر النوع الثاني من البيانات هو تلك التي يوجه فيها الخطاب لمجموعة ...