ش المراجعة 109 رقم : 23 ربيع الثاني سنة 1330 كنا – في المراجعة 19 – قلنا لكم : إن بعض المتعصبين عليكم قد يشاغبون في إسناد مذهبكم – في فروع الدين وأصوله – إلى أئمة أهل البيت ، ووعدنا أنفسنا بمراجعتكم في هذا الشأن ، وهذا وقت الوعد ، فهل تتفضلون بما يدرأ شغبهم ؟ والسلام . س المراجعة 110 رقم : 29 ربيع الثاني سنة 1330 1 – تواتر مذهب الشيعة عن أئمة أهل البيت 2 – تقدم الشيعة في تدوين العلم زمن الصحابة 3 – المؤلفون من سلفهم زمن التابعين وتابعي التابعين 1 – إن أولي الألباب ليعلمون بالضرورة انقطاع الشيعة الإمامية ( 1 ) خلفا عن سلف في أصول الدين وفروعه إلى العترة الطاهرة ، فرأيهم تبع لرأي الأئمة من العترة في الفروع والأصول وسائر ما يؤخذ من الكتاب والسنة أو يتعلق بهما من جميع العلوم لا يعولون في شئ من ذلك إلا عليهم ، ولا يرجعون فيه إلا إليهم ، فهم يدينون الله تعالى ، ويتقربون إليه سبحانه بمذهب أئمة أهل البيت ، لا يجدون عنه حولا ولا يرتضون بدلا ، على ذلك مضى سلفهم الصالح من عهد أمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمة التسعة من ذرية الحسين ( ع ) إلى زماننا هذا ، وقد أخذ الفروع والأصول عن كل واحد منهم جم من ثقات الشيعة وحفاظهم وافر ، وعدد من أهل الورع والضبط والاتقان يربو على التواتر ، فرووا ذلك لمن بعدهم على سبيل التواتر القطعي ، ومن بعدهم رواه لمن بعده على هذا السبيل ، وهكذا كان الأمر في كل خلف وجيل ، إلى أن انتهى إلينا كالشمس الضاحية ليس دونها حجاب ، فنحن الآن في الفروع والأصول ، على ما كان عليه الأئمة من آل الرسول ، روينا بقضنا وقضيضنا مذهبهم عن جميع آبائنا ، وروى جميع آبائنا ذلك عن جميع آبائهم ، وهكذا كانت الحال ، في جميع الأجيال ، إلى زمن النقيين العسكريين ، والرضايين الجوادين ، والكاظمين الصادقين ، والعابدين والباقرين ، السبطين الشهيدين ، وأمير المؤمنين ( ع ) ، فلا نحيط الآن بمن صحب أئمة أهل البيت من سلف الشيعة ، فسمع أحكام الدين منهم ، وحمل علوم الاسلام عنهم ، وإن الوسع ليضيق عن استقصائهم وعدهم ( 964 ) ، وحسبك ما خرج من أقلام أعلامهم ، من المؤلفات الممتعة ، التي لا يمكن استيفاء عدها في هذا الاملاء ( 965 ) ، وقد اقتبسوها من نور أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله ، واغترفوها من بحورهم ، سمعوها من أفواههم ، وأخذوها من شفاههم ، فهي ديوان علمهم ، وعنوان حكمهم ، ألفت على عهدهم ( 966 ) فكانت مرجع الشيعة من بعدهم ، وبها ظهر امتياز مذهب أهل البيت على غيره من مذاهب المسلمين ، فإنا لا نعرف أن أحدا من مقلدي الأئمة الأربعة مثلا ، ألف على عهدهم كتابا في أحد مذاهبهم ، وإنما ألف الناس على مذاهبهم ، فأكثروا بعد انقضاء زمنهم ( 967 ) وذلك حيث تقرر حصر التقليد فيهم ، وقصر الإمامة في الفروع عليهم ، وكانوا أيام حياتهم كسائر من عاصرهم من الفقهاء والمحدثين ، لم يكن لهم امتياز على من كان في طبقتهم ، ولذلك لم يكن على عهدهم من يهتم بتدوين أقوالهم ، اهتمام الشيعة بتدوين أقوال أئمتها المعصومين – على رأيها – فإن الشيعة من أول نشأتها ، لا تبيح الرجوع في الدين إلى غير أئمتها ، ولذلك عكفت هذا العكوف عليهم ، وانقطعت في أخذ معالم الدين إليهم ، وقد بذلت الوسع والطاقة في تدوين كل ما شافهوها به ، واستفرغت الهمم والعزائم في ذلك بما لا مزيد عليه ، حفظا للعلم الذي لا يصح – على رأيها – عند الله سواه ، وحسبك – مما كتبوه أيام الصادق – تلك الأصول الأربع مئة ، وهي أربعمائة مصنف لأربع مئة مصنف ، كتبت من فتاوى الصادق على عهده ( 968 ) ، ولأصحاب الصادق غيرها هو أضعاف أضعافها ، كما ستسمع تفصيله قريبا إن شاء الله تعالى . أما الأئمة الأربعة فليس لهم عند أحد من الناس منزلة أئمة أهل البيت عند شيعتهم ، بل لم يكونوا أيام حياتهم ، بالمنزلة التي تبوأوها بعد وفاتهم ، كما صرح به ابن خلدون المغربي ، في الفصل الذي عقده لعلم الفقه من مقدمته الشهيرة ( 969 ) ، واعترف به غير واحد من أعلامهم ، ونحن مع ذلك لا نرتاب في أن مذاهبهم إنما هي مذاهب اتباعهم ، التي عليها مدار عملهم في كل جيل ، وقد دونوها في كتبهم ، لأن أتباعهم أعرف بمذاهبهم ، كما أن الشيعة أعرف بمذهب أئمتهم ، الذي يدينون الله بالعمل على مقتضاه ، ولا تتحقق منهم نية القربة إلى الله بسواه . 2 – وإن الباحثين ليعلمون بالبداهة تقدم الشيعة في تدوين العلوم على من سواهم ( 970 ) إذ لم يتصد لذلك في العصر الأول غير علي وأولوا العلم من شيعته ، ولعل السر في ذلك اختلاف الصحابة في إباحة كتابة العلم وعدمها ، فكرهها كما عن العسقلاني في مقدمة فتح الباري وغيره – عمر بن الخطاب وجماعة آخرون ، خشية أن يختلط الحديث في الكتاب ( 971 ) ، وأباحه علي وخلفه الحسن السبط المجتبى وجماعة من الصحابة ، وبقي الأمر على هذه الحال حتى أجمع أهل القرن الثاني في آخر عصر التابعين على إباحته ، وحينئذ ألف ابن جريح كتابه في الآثار عن مجاهد وعطاء بمكة ، وعن الغزالي أنه أول كتاب صنف في الاسلام ، والصواب أنه أول كتاب صنفه غير الشيعة من المسلمين وبعده كتاب معتمر بن راشد الصنعاني باليمن ثم موطأ مالك ، وعن مقدمة فتح الباري أن الربيع بن صبيح أول من جمع ، وكان في آخر عصر التابعين ، وعلى كل فالإجماع منعقد على أنه ليس لهم في العصر الأول تأليف ( 972 ) . أما علي وشيعته ، فقد تصدوا لذلك في العصر الأول ، وأول شئ دونه أمير المؤمنين كتاب الله عز وجل ، فإنه ( ع ) بعد فراغه من تجهيز النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، آلى على نفسه أن لا يرتدي إلا للصلاة ، أن يجمع القرآن ، فجمعه مرتبا على حسب النزول ، وأشار إلى عامه وخاصه ، ومطلقه ومقيده ، ومحكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، وعزائمه ورخصه ، وسننه وآدابه ، ونبه على أسباب النزول في آياته البينات ، وأوضح ما عساه يشكل من بعض الجهات وكان ابن سيرين يقول ( 1 ) : ” لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم ” ( 973 ) وقد عني غير واحد من قراء الصحابة بجمع القرآن ، غير أنه لم يتسن لهم أن يجمعوه على تنزيله ، ولم يودعوه شيئا من الرموز التي سمعتها × × × فإذن كان جمعه ( ع ) بالتفسير أشبه . وبعد فراغه من الكتاب العزيز ألف لسيدة نساء العالمين كتابا كان يعرف عند أبنائها الطاهرين بمصحف فاطمة يتضمن أمثالا وحكما ، ومواعظ وعبرا ، وأخبارا ونوادر توجب لها العزاء عن سيد الأنبياء أبيها صلى الله عليه وآله ( 974 ) . وألف بعده كتابا في الديات وسمه بالصحيفة ، وقد أورده ابن سعد في آخر كتابه المعروف بالجامع مسندا إلى أمير المؤمنين ( ع ) ، ورأيت البخاري ومسلما يذكران هذه الصحيفة ويرويان عنها في عدة مواضع من صحيحيهما ، ومما روياه عنها ما أخرجاه عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه ، قال : ” قال علي رضي الله عنه ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه الصحيفة ، قال : فأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل ” ( 975 ) قال : وفيها ” المدينة حرم ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ” ( 976 ) الحديث بلفظ البخاري في باب إثم من تبرأ من مواليه من كتاب ” الفرائض ” في الجزء الرابع من صحيحه ( 1 ) ، وهو موجود في باب فضل المدينة من كتاب الحج من الجزء الأول من صحيح مسلم ( 2 ) ، والإمام أحمد بن حنبل أكثر من الرواية عن هذه الصحيفة في مسنده ، ومما رواه عنها ما أخرجه من حديث علي في صفحة 100 من الجزء الأول من مسنده عن طارق بن شهاب ، قال : شهدت عليا رضي الله عنه ، وهو يقول على المنبر : ” والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله تعالى ، وهذه الصحيفة ، وكانت معلقة بسيفه أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وآله . . . الحديث ” ( 977 ) .