الرئيسية / اخبار اسلامية / آيات الأحكام للعلامة السيد الأسترآبادي 13
cc59007c-ae5e-4268-8a90-db37a7d0f488

آيات الأحكام للعلامة السيد الأسترآبادي 13

وفي الكشاف والقاضي من المأتي الذي أمركم اللَّه به وحلَّله لكم ، وهو القبل ، وقيل من حيث أمركم اللَّه بتجنّبه ، وهو محلّ الحيض أعنى القبل ، وما في مجمع البيان أوضح وأنسب كما لا يخفى .
« إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ » ممّا وقع منهم من المناهي نهى تحريم أو تنزيه سيّما عمّا نهاه هنا بقرينة المقام ، ولا يوجب التخصيص ، فكذا « ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ » أي المتنزّهين عمّا اجتنابه نزاهة ونظافة ، فيدخل فيه كلّ مكروه وحرام ، وترك كلّ مستحبّ وواجب ، خصوصا ما تقدّم في المقام ، وهنا أقوال أخر عامّتها تخصيص وتقييد .
التوبة : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا » .
النجس : القذر ، قيل في الأصل مصدر ، ولذلك لا يثنّى ولا يجمع ، ولا يؤنّث وفيه نظر ، وإذا استعمل مع الرجس كسر أوّله ، يقال رجس نجس – بكسر أوّلهما وسكون الجيم – وهو تخفيف ، نحو كبد في كبد قاله الفراء وقرئ به شاذا قال في الكشاف ( 1 )
على تقدير حذف الموصوف كأنّه قيل : إنّما المشركون جنس رجس أو ضرب نجس ، وأكثر ما جاء تابعا لرجس .
لا يخفى أنّ هذا وما تقدّم يقتضي أن يقدّر له الموصوف رجس فكأنّه قيل إنّما المشركون رجس نجس ، فيكون أبلغ وأفيد وأظهر ، وظاهر « إنّما » الحصر ، فكأنّه قيل : ليس المشركون إلَّا نجسا ، والغرض المبالغة في نجاستهم ، أو الحصر إضافيّ بالنسبة إلى الطهارة ، والأوّل أبلغ ، وإن كان كلاهما غير خارج عن مقتضى اللفظ والمقام .
وقال فخر الدين الرازي ( 2 )
: حصر اللَّه تعالى في هذه الآية الشريفة النجاسة في المشركين ، أي لا نجس غيرهم ، وعكس بعض الناس ذلك ، وقال لا نجس إلَّا المسلم حيث ذهب إلى أنّ الماء الذي استعمله المسلم في رفع الحدث مثل الوضوء والغسل نجس ، بخلاف الماء الذي استعمله المشرك ، فإنّه طاهر لعدم إزالة حدثه ، وأراد به أبا حنيفة فإنّه الذي ذهب إلى ذلك كما هو المشهور ، وفيه تعريض عظيم عليه ، حيث قال : إنّه عكس قول اللَّه سبحانه .
لكن لا يخفى أنّ كلامه هو ، أظهر في عكس قوله تعالى ، لأنه سبحانه حصر المشركين في النجاسة ، وقد جعله هو حصر النجاسة في المشركين ، فهو أولى بهذا التشنيع ، وإن توجّه نحوه على أبى حنيفة على أبلغ وجه ، خصوصا على القول بأنّ الحصر إضافيّ ، فإنّ مفاده أنّ المشرك بصفة الشرك ليس له من صفتي الطهارة و
النجاسة إلَّا النجاسة ، وقد عكس هو ذلك ويقول : ليس له منهما إلَّا صفة الطهارة .
حيث يقول بطهارته وطهارة ما استعمله مع قوله بنجاسة ما استعمله المسلم في وضوء أو غسل ، ولعلّ هذا أوضح .
وكلام الفخر هذا يدلّ على أنّ مذهبه نجاسة المشركين نجاسة عينيّة كما هو الظاهر المتبادر لغة وعرفا فهو صريح القرآن ، مع ما في قوله : « فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ » من تأييد ذلك . وكذا قراءة نجس التابع غالبا لرجس ، كما تقدّم ، حتّى صار بمنزلة النصّ ، خصوصا عند عدم دليل على خلافه ، فيجب الحمل عليه ، وهو المرويّ ( 1 )
عن أهل البيت عليهم السّلام ومذهب شيعتهم الإماميّة ، ويروى ( 2 )
عن الزيديّة أيضا .
وفي الكشاف : معناه ذو نجس ، لأنّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس ، ولأنهم لا يتطهّرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات ، فهي ملابسة لهم ، أو جعلوا كأنّهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها ، وعن ابن عباس أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ، وعن الحسن من صافح مشركا توضّأ أي غسل يده ، وأهل المذاهب على خلاف هذين القولين ، أي قول ابن عباس والحسن ، وإن كان مفادهما واحدا .
ولا يخفى أنّه لا يجوز العدول عن صريح القرآن إلَّا بما هو مثله أو أقوى منه عقلا ونقلا ، وظاهره ( 3 )
أن لا دليل عليه إلَّا اتّفاق أهل المذاهب الأربعة على خلاف صريح القرآن ، وإلَّا كان ينبغي أن يشير إليه .
أما قوله لأنّ إلخ يريد به بيان وجه التجوّز وعلاقة المجاز ، فكأنه لما رأى كلام أهل المذاهب لا يقبل التأويل ، ولا يجوز الحكم ببطلانه عنده ، فاحتيج إلى إبطال صريح القرآن ، فلما أبطله بتأويله بما لا يخالف مذهب الأئمّة أراد بيان صحّة
هذا التجوّز حذرا من إبطاله بالكليّة وتصحيحا لما ذهب إليه من التجوّز بعد إبطال الحقيقة ، فقال لأنّ إلخ .
وفي البيضاوي ( 1 )
: أو لأنّهم لا يتطهّرون ولا يجتنبون عن النجاسات ، فهم ملابسون لها غالبا ، وفيه دليل على أنّ ما الغالب نجاسته نجس ، انتهى .
اعلم أنّ ظاهر القاضي حيث لم يفسّر « نجس » بذي نجس ، وقال فلا يقربوا المسجد الحرام لنجاستهم ، أنّ لفظة نجس عنده باق على حقيقته ، وأنّ المشركين نجس حقيقة لكن توهّم هذه الوجوه دلائل للنجاسة ، وعللا لها ويدلّ على الأمرين قوله « وفيه دليل » إلخ ، وأنت خبير بأنّ نجاستهم تخالف قول أئمّتهم الأربعة وأنّ هذه وجوه التجوّز وطاهر أنّها لا تصلح عللا للحكم ، ولا دلائل له ، فايرادها في مقام التعليل للحكم خطأ .
ثمّ ظاهر أنّ تسميتهم بالنجاسة مبالغة للغلبة ، لا يوجب كونهم نجسا حقيقة فضلا عن نجاسة غيرهم لغلبتها فيهم ، بل لا يلزم صحّة الإطلاق على غيرهم مجازا ، لعدم اطَّراد المجاز .
نعم إذا قيل بالنجاسة حقيقة ولم يعلم لها مقتض إلَّا الغلبة ، بل علم أن لا مقتضى غيرها وقيل بصحّة القياس ، أمكن الاستدلال به على نجاسة الغير إذا وجد فيه تلك الغلبة أو أقوى منها ، إذ ربّما يكون مرتبة خاصة منها علَّة دون ما دونها ، وأين ذلك عمّا قال .
وأيضا يلزم أن يكون المسلم الغالب نجاسة بدنه نجسا ، فيجب اجتنابه مطلقا ويصحّ تنجيسه حقيقة ، وليس كذلك وإلَّا لزم أن يكون المسلم أنجس من المشرك وأسوأ حالا ، لأنه يطهر بالإسلام ، وليس الإسلام يطهّره ، لأنه نجس مع كونه مسلما وتحصيل الحاصل محال ، وإيجاب الكفر لتجديد الإسلام أقبح شيء ، خصوصا إذا كان عن فطرة فتأمّل ، فلعلَّه توهّم النجس أعمّ من المتنجّس ، ومع فساد ذلك يأتي
فيه بعض ما تقدّم فتفكَّر .
ثمّ الظاهر من المشرك من أثبت للَّه شريكا ، فهو غير الموحّد ، فلا يدخل الموحّد الكتابيّ ، ويحتمل كون الجميع مشركين لقوله تعالى : « وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ الله » إلى قوله : « سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » كما قاله كثير من الأصحاب ، وصاحب الكشّاف أيضا في غير هذا الموضع فتأمل ، فيكون الجميع نجسا فينجس ما يباشرونه من المائعات الَّتي تنجس بملاقاة النجاسة وغيرها مع الرطوبة .
فقوله « طعامهم حلّ لكم » ( 1 )
يراد به الحبوب كما هو المشهور ، ووردت به الرواية أو يراد به أنّ طعامهم من حيث أنّه طعامهم غير حرام ، بل انّما يحرم منه ما تنجّس بالملاقاة للنجاسة ، فإن قبل الطهارة حلّ أيضا أو عندها فافهم .
ولا يجوز لهم دخول المسجد الحرام كما هو صريح قوله : « فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ » إن كان تعلَّق النهي بالقرب للمبالغة والتأكيد ، وإلَّا فيحرم دخولهم الحرم أيضا ، وهو أقرب من قول عطاء أنّ المراد بالمسجد الحرام الحرم ، وإن أيّده بقوله تعالى « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » .
وصاحب اللَّباب خلط بينهما ( 2 )
وأبعد شيء قول أبي حنيفة أنّ النهى عن الحجّ والعمرة لا عن الدخول مطلقا ، لقول عليّ عليه السّلام حين نادى ببراءة « ألا لا يحجّ بعد عامنا هذا مشرك » حتّى أنّه جوز للمشركين دخول المسجد الحرام لغير الحجّ والعمرة ، وغير خفيّ على ذي مسكة أنّ الخبر غير مناف لتحريم دخولهم المسجد الحرام الذي هو صريح الآية ، فلا يجوز العدول عنه .
ولو قلنا إنّ ظاهر الحال يقتضي أن يكون ذلك من مقتضى الآية ، فإنّه لا يستلزم ما قاله ، بل لعلَّه لقطع تعلَّقهم من دخول المسجد أو الحرم أيضا ، لاستلزام الحجّ والعمرة دخول المسجد والحرم ، أو لأنّ الحاجّ والمعتمر يقربان من دخول
المسجد والحرم ، لاقتضاء حالهما ذلك فافهم .
وهنا أحكام أخر منها أنّ الكافر مكلَّف بالفروع ، ومنها عدم جواز إدخال مطلق النجاسة المسجد الحرام للتفريع كما ذهب إليه العلَّامة في المساجد مطلقا ، ويؤيّده وجوب تعظيم شعائر اللَّه وما روى عنه صلَّى اللَّه عليه وآله جنّبوا مساجدكم النجاسة ( 1 )
.
وما يقال من أنّ الآية ليست صريحة لاختصاص الحكم بنجاسة الشرك ولم يثبت وجوب تعظيم الشعائر إلى هذه المرتبة ، والرواية لا يعرف سندها فضلا عن صحّتها .
ففيه أنّ الظاهر أنّ وصف النجاسة هو علَّة حرمة القرب من المسجد ، ويؤيّده أصل قلَّة الحذف في الكلام ، وأنّ تعليق الحكم بالوصف المناسب يدلّ على علَّيته ، والظاهر عدم انضمام علَّة العلَّة في التفريع على العلَّة والتعليل بها على أنّ الأصل عدم مدخليّة غير ما علم من التعليق .
وأما الخبر فمشهور جدا معمول عليه عند الخاصّة والعامّة مع روايات أخر يعضدها .
وأكثر الأصحاب على اختصاص الحرمة بالمتعدّي حملا لما تقدّم على ذلك لبعض الروايات ، وأنّ ذلك يتحقّق به تعظيم الشعائر وتجنيب المسجد النجاسة فتأمّل فيه .
ومنها عدم تمكين المسلمين لهم من ذلك ، بمعنى منعهم ، حتّى قيل : هو المراد بالنهي ، ويقتضي ذلك تصدير الآية بيا أيّها الَّذين آمنوا ، وبيان كون المشركين نجسا لهم ، وقوله تعالى بعد ذلك « وإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً » .
ومنها إزالة النجاسة عنه مطلقا كما ينبّه عليه ما تقدّم في الحكمين المتقدّمين .
ومنها منع الكلب والخنزير من دخول المسجد الحرام كذلك ووجوب الإخراج وكذلك المرتدّ وغيره من الكافر الموحّد على القول بنجاستهم .
ومنها تعميم الحكم لباقي المساجد كما ذهب إليه مالك ، وهو غير صريح الآية فيحتاج إلى دليل ، وذهب الشافعيّ إلى الاختصاص بالمسجد الحرام ، وأجاز دخولهم في غيره ، ثمّ قوله : « بَعْدَ عامِهِمْ هذا » في الكشّاف بعد حجّ عامهم هذا ، ولا يخفى عدم الاحتياج إلى هذا التقدير مع كونه خلاف الأصل ، وذلك العام قيل سنة حجّة الوداع والأصحّ أنّه سنة تسع من الهجرة ، حين بعث النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله أبا بكر ببراءة ثمّ أمر اللَّه بعزله وألَّا يؤدّيها عنه إلَّا هو أو رجل منه ، فبعث عليّا عليه السّلام .
المائدة : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ والأَنْصابُ والأَزْلامُ رِجْسٌ » .
في المجمع : الخمر عصير العنب المشتدّ ، وهو العصير الذي يسكر كثيره ، وعن ابن عباس أنّ المراد جميع الأشربة الَّتي تسكر ، وهذا هو الذي تقتضيه روايات أهل البيت عليهم السّلام ، والميسر القمار ، والأنصاب أحجار أصنام كانوا ينصبونها للعبادة ويذبحون عندها ، والأزلام هي القداح الَّتي كانوا يستقسمون بها ، والرّجس بالكسر القذر والمأثم ، وكلّ ما استقذر من العمل ، والعمل المؤدّي إلى العذاب ، قاله في القاموس .

شاهد أيضاً

7ccfa2ee-3f01-4dc7-9703-a5b76e075c20

أسرار الصلاة – الجليل الشيخ الجوادي الآملي 29

وليعلم : أنّ للنيل إلى السرّ المكتوم أسبابا وعللا خفيّة ، موطنها عقيب الصلاة الَّتي ...