يا نفس:
طاعة دواعي الشرور، تفسد عواقب الأمور، ولقد ظفر بجنة المأوى، من غلب الهوى وأعرض عن شهوات الدنيا.
وعليه: بلزوم اليقين، وتجنب الشك في الدين، فليس للمرء شئ أهلك لدينه، من غلبة الشك على يقينه.
وعليك: بالوفاء فإنه أوقى جنة (1)، وبالعمل الصالح فإنه الزاد إلى الجنة.
وعليك: بالصبر والورع فإنهما عون الدين، والحصن الحصين، وشيمة المخلصين، وعادة الموقنين.
يا نفس:
عليك: بلزوم العفة والأمانة، وترك فساد النية والجناية (2)، فإن ذلك أشرف ما أسررت، وأحسن ما أعلنت، وأفضل ما ادخرت.
وعليك: بصنائع الإحسان، وحسن البر بذوي الرحم والجيران، فإنهما يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار.
وعليك: بلزوم الصبر، ودوام الشكر، فإنهما يزيدان في النعمة، ويزيلان النقمة.
(1) بالضم والتشديد: السترة. مجمع البحرين 6: 229 جنن.
(2) في ب: والخيانة.
(٧١)
يا نفس:
على قدر العقل تكون الطاعة، وعلى قدر العفة تكون القناعة، وعند اشتداد القرح، تبدو مطالع الفرح (1)، وعند الامتحان، يكرم الرجل أو يهان، وعلى قدر البلاء، يكون الجزاء، وعند كثرة العثار والزلل تكثر الملامة، وعند معاينة أهوال القيامة تكثر من المفرطين الندامة.
يا نفس:
عجبا لمن خاف البيات (2) فلم يكف، ولمن عرف سوء عواقب اللذات فلم يعف (3)، وعجبا لمن يقنط ومعه نجاة الاستغفار، ولمن علم شدة انتقام الله سبحانه وهو مقيم على الإصرار، وعجبا لمن عرف أنه منتقل (4) عن دنياه، كيف لا يحسن التزود لأخراه، وعجبا للشقي البخيل يتعجل الفقر الذي منه هرب،
(1) في أ، ب جملة: وعند اشتداد القرح تبدو مطالع الفرح، غير واضحة القراءة، فأثبتنا ما استظهرنا.
موافقا للسجع والمعنى، والله العالم.
(2) في أ: أن يأتيه أمر يهلكه في الليل وهو غافل عنه، وبيتوا العدو: أتوهم ليلا، وقوله (فجاءها بأسنا بياتا) 7: 4، أي ليلا، ويبيت فلان على رأيه: إذا فكر فيه ليلا، ومنه قوله: (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول) 4: 108، والاسم: البيات، وقوله: (والله يكتب ما يبيتون) 4: 81، أي: ما يدرون ويقدرون من السوء، وقوله: (لنبيتنه) 27: 49، أي: لنوقعن به بياتا. أي:
ليلا.
(3) من العفة، وهي: الكف عما لا يحل ويجمل من المحارم والأطماع الدنية. اللسان 9: 253 عفف.
(4) في أ: منقل.
(٧٢)
ويفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، وعجبا لمن يتكلم بما لا ينفعه في دنياه، ولا يكتب له أجره في أخراه.
يا نفس:
عودك إلى الحق خير من تماديك في الباطل، وعداوة العاقل خير من صداقة الجاهل، وعبد الشهوة أذل من عبد الرق، ولا يجد أبدا حلاوة العتق (1)، وعبد الحرص مخلد الشقاء، وعبد الدنيا مؤبد البلاء، وقلب متعلق بالشهوات، غير منتفع بالعظات.
يا نفس:
عيشك من الباطل أرضاك، وبالملاهي والهزال أغراك.
واعلمي: أن في ذكر الله حياة القلوب، وفي رضاه غاية المطلوب، وفي الطاعة كنوز الأرباح، وفي مجاهدة النفس كمال الصلاح، وفي العزوب عن الدنيا نيل النجاح، وفي العمل لدار البقاء إدراك الفلاح، ألا وفي كل لحظة أجل، وفي كل وقت عمل، وفي كل نفس موت، وفي كل وقت فوت، وفي كل حسنة مثوبة، وفي كل سيئة عقوبة.
(1) في أ: الرق.
(٧٣)
يا نفس:
اتق الله تقية من سمع فخشع، واقترف فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، فتدارك فارط الزلل، واستكثر من صالح العمل، فيفوز من أصلح عمل يومه، واستدرك فوارط أمسه، ويا ظفر من غلب هواه، وملك دواعي نفسه، واستصبح بنور الهدى، وخالف دواعي الهوي، وجعل الإيمان عدة معاده، والتقوى خير ذخره وأفضل زاده.
يا نفس:
قليل تحمد مغبته (1)، خير من كثير تضر عاقبته، وقرين الشهوات، أسير التبعات، ورهين السيئات، وما فات اليوم من الرزق ترجى غدا زيادته، وما فات أمس من العمر لم يرج العمر رجعته، فتفكري واعتبري تهتدي، وتزودي للآخرة تسعدي.
يا نفس:
كل طامع أسير، وكل حريص فقير، وكل متوقع آت، وكل جمع إلى شتات، وكل مقتصر عليه كاف، وكل ما زاد على الاقتصاد إسراف، وكل يوم يفيدك عبرة، وإن أصحبته فكرة، وكل قرب (2) دان، وكل أرباح الدنيا خسران،
(١) أي عاقبته. مجمع البحرين ٢: ١٣٠ غبب.
(2) في أ: قريب.
(٧٤)
وكل مدة من الدنيا إلى انتهاء، وكل حي فيها إلى فناء.
يا نفس:
كم من أكلة منعت أكلات، وكم من لذة دنية منعت سني (1) درجات، وكم من مؤمل ما لا يدركه، وجامع ما سوف يتركه، وكم من مغرور بالستر عليه، وكم من مستدرج (2) بالاحسان إليه، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الظماء، وقائم ليس له من قيامه إلا العناء، وكم من حزين وفد به حزنه على سرور الأبد، وفرح أفضى به فرحه إلى حزن مخلد.
يا نفس:
كيف يملك الورع، من يملكه الطمع؟! وكيف يهتدي الضليل، مع غفلة الدليل؟! وكيف يستطيع الهدى، من يغلبه الهوى؟! وكيف يستأنس بالله من لا يستوحش من الخلق؟! وكيف يجد حلاوة الإيمان من يسخطه الحق؟! وكيف يفرح بعمر تنقصه (3) الساعات، ويغتر بسلامة جسم معرض للآفات؟!
يا نفس:
كفى بالغفلة ضلالا، وكفى بجهنم نكالا، وكفى بالقناعة ملكا، وكفى
(1) أي: علو. اللسان 14: 403 سنا.
(2) في أ: مسترج.
(3) في ب: منقصة.
(٧٥)