” الأقدم “، وهذا كله إطالة وتضييع للزمان من غير فائدة، ولو أخذنا بشرح مثل ذلك لوجب أن نشرح لفظه ” أما ” المفتوحة، وأن نذكر الفصل بينها وبين ” إما ” المكسورة، ونذكر: هل المكسورة من حروف العطف أو لا؟ ففيه خلاف، ونذكر هل المفتوحة مركبة أو مفردة؟ ومهملة أو عاملة؟ ونفسر معنى قول الشاعر: أبا خراشة أما كنت ذا نفر * فإن قومي لم تأكلهم الضبع (1) بالفتح، ونذكر بعد لم ضمت إذا قطعت عن الإضافة؟ ولم فتحت هاهنا حيث أضيفت؟ ونخرج عن المعنى الذي قصدناه من موضوع الكتاب، إلى فنون أخرى قد أحكمها أربابها. ونبتدئ الآن فنقول: قال لي إمام من أئمة اللغة في زماننا: هو الفخار، بكسر الفاء، قال: وهذا مما يغلط فيه الخاصة فيفتحونها، وهو غير جائز، لأنه مصدر ” فاخر “، وفاعل يجئ مصدره على ” فعال ” بالكسر لا غير، نحو: قاتلت قتالا، ونازلت نزالا، وخاصمت خصاما، وكافحت كفاحا، وصارعت صراعا. وعندي أنه لا يبعد أن تكون الكلمة مفتوحة الفاء، وتكون مصدر ” فخر ” لا مصدر ” فاخر “، فقد جاء مصدر الثلاثي إذا كان عينه أو لامه حرف حلق على ” فعال “، بالفتح، نحو سمح سماحا، وذهب ذهابا، اللهم إلا أن ينقل ذلك عن شيخ أو كتاب موثوق به نقلا صريحا، فتزول الشبهة. والعصم جمع عصمة، وهو ما يعتصم به. والمنار: الاعلام، واحدها منارة، بفتح الميم. والمثاقيل: جمع مثقال، وهو مقدار وزن الشئ، تقول مثقال حبة، ومثقال قيراط، ومثقال دينار. وليس كما تظنه العامة أنه اسم للدينار خاصة، فقوله: ” مثاقيل الفضل “، أي زنات الفضل، وهذا من باب الاستعارة. وقوله: ” تكون إزاء لفضلهم “، أي مقابلة له. ومكافأة بالهمز، من كافأته أي جازيته، وكفاء، بالهمز والمد، أي نظيرا. (1) البيت لعباس بن مرداس السلمي، وأبو خراشة كنية خفاف بن ندبة. ” اللسان 8: 183 “. (٤٣)
وخوى النجم، أي سقط. وطينة المجد، أصله. وسلالة المجد فرعه. والوسيل: جمع وسيلة هو ما يتقرب به، ولو قال: ” وسبيلا إلى جنانه ” لكان حسنا وإنما قصد الإغراب، على أنا قد قرأناه كذلك في بعض النسخ. وقوله: ” ومكافأة لعملهم ” إن أراد أن يجعله قرينة ” لفضلهم ” كان مستقبحا عند من يريد البديع، لان الأولى ساكنة الأوسط، والأخرى متحركة الأوسط. وأما من لا يقصد البديع كالكلام القديم فليس بمستقبح، وإن لم يرد أن يجعلها قرينه بل جعلها من حشو السجعة الثانية، وجعل القرينة ” واصلهم “، فهو جائز إلا أن السجعة الثانية تطول جدا. ولو قال عوض ” لعملهم “، ” لفعلهم ” لكان حسنا. * * * قال الرضي رحمه الله: ” فإني كنت في عنفوان السن، وغضاضة الغصن، ابتدأت تأليف كتاب في خصائص الأئمة عليهم السلام، يشتمل على محاسن أخبارهم، وجواهر كلامهم، حداني عليه غرض ذكرته في صدر الكتاب، وجعلته أمام الكلام. وفرغت من الخصائص التي تخص أمير المؤمنين عليا، صلوات الله عليه، وعاقت عن إتمام بقية الكتاب محاجزات الأيام، ومماطلات الزمان. وكنت قد بوبت ما خرج من ذلك أبوابا، وفصلته فصولا، فجاء في آخرها فصل يتضمن محاسن ما نقل عنه عليه السلام، من الكلام القصير في المواعظ والحكم والأمثال والآداب، دون الخطب الطويلة، والكتب المبسوطة، فاستحسن جماعة من الأصدقاء ما اشتمل عليه الفصل المقدم ذكره، معجبين ببدائعه، ومتعجبين من نواصعه، وسألوني عند ذلك أن أبدأ بتأليف كتاب يحتوي على مختار كلام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع فنونه، ومتشعبات غصونه، من خطب وكتب ومواعظ وأدب علما أن ذلك يتضمن من عجائب البلاغة، وغرائب الفصاحة، وجواهر العربية، وثواقب الكلم الدينية والدنياوية، ما لا يوجد مجتمعا في كلام، ولا مجموع الأطراف
(٤٤)
في كتاب، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا، وقد تقدم وتأخروا، لان كلامه عليه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي “. * * * الشرح: عنفوان السن: أولها. ومحاجزات الأيام: ممانعاتها. ومماطلات الزمان: مدافعاته. وقوله: ” معجبين ” ثم قال: و ” متعجبين “، ف ” معجبين ” من قولك: أعجب فلان برأيه، وبنفسه فهو معجب بهما، والاسم العجب بالضم، ولا يكون ذلك إلا في المستحسن، و ” متعجبين ” من قولك: تعجبت من كذا، والاسم العجب. وقد يكون في الشئ يستحسن ويستقبح ويتهول منه ويستغرب، مراده هنا التهول والاستغراب، ومن ذلك قول أبي تمام: أبدت أسى إذ رأتني مخلس القصب * وآل ما كان من عجب إلى عجب (1) يريد أنها كانت معجبة به أيام الشبيبة لحسنه، فلما شاب انقلب ذلك العجب عجبا، إما استقباحا له أو تهولا منه واستغرابا. وفي بعض الروايات: ” معجبين ببدائعه “، أي أنهم يعجبون غيرهم. والنواصع: الخالصة. وثواقب الكلم: مضيئاتها، ومنه الشهاب الثاقب. وحذا كل قائل: اقتفى واتبع. وقوله: ” مسحة ” يقولون. على فلان مسحة من جمال، مثل قولك: شئ، وكأنه هاهنا يريد ضوءا وصقالا. وقوله: ” عبقة “، أي رائحة، (1) ديوانه 1: 115، مطلع قصيدة يمدح فيها الحسن بن سهل. المخلس، من قولهم: أخلس رأسه إذا صار فيه بياض وسواد. والقصب: جمع قصبة، وهي خصلة من الشعر تجعل كهيئة القصبة الدقيقة. ” من شرح الديوان “. (٤٥)