الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / دروس في ولاية الفقيه – الولاية ومرجعية التقليد
00

دروس في ولاية الفقيه – الولاية ومرجعية التقليد

الدرس السادس : الولاية ومرجعية التقليد

 أهداف الدرس

 1- أن يتبيّن أدلّة وجوب التقليد.

2- أن يقارن بين شروط المرجعيَّة وشروط الولاية.

3- أن يستظهر إمكانية الجمع بين المرجعيّة والولاية.

 

 

التقليد

 

هو عبارة عن رجوع المكلَّف إلى الفقيه الجامع للشّرائط لمعرفة حكمه الشرعيّّ. وهناك عدّة أدلّة على وجوب التّقليد نذكر منها:

 

 

النصوص الشرعيّّة:

 

أ – قوله تعالى:﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لعلَّهم يحذرون ﴾1 .

 

فهذه الآية الكريمة تدلّ على وجوب أن تذهب فرقة من المؤمنين للتخصّص والتفقّه بالدين، حتّى إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم، وهذا الوجوب يلازمه أنّ على المؤمنين الآخرين أن يستمعوا لهم ويطيعوهم في مجالسهم، وهو معنى رجوع الناس إلى المتخصّصين بالفقه، ولولا ذلك لما كان هناك معنى لأن يأمر المولى بالتفقّه ثمّ لا يجب على الناس اتباعهم وإطاعتهم.

 

ب – الرواية عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام:

 

” فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه، وذلك لا يكون إلّا بعض فقهاء الشيعة لا كلّهم “2 .

1- سورة التوبة: 122.

2- الحرّ العامليّ، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسسة أهل البيت، الطبعة الثانية 1414 هـ.ق.، ج 27 ص 131.

 

السيرة العقلائيّة:

 

إنّ سيرة العقلاء قائمة على قاعدة رجوع الجاهل إلى العالم، وذلك في مختلف مجالات الحياة، فنجد المريض يرجع إلى الطبيب المتخصّص، وكلّ محتاج في مجال ما يرجع إلى المتخصّص في نفس المجال وهكذا. وباعتبار أنَّنا مخاطبون بالتكاليف، فقد حدّدت أحكام التقليد إذا كنَّا لا نملك القدرة على استنباط الأحكام من مصادرها – لأن كلَّ واحد منّا له مجاله الخاصّ به، وغير متخصّصين في الفقه – فما علينا إلَّا الرجوع إلى الفقهاء المأمونين ليرشدونا إلى أحكام الشريعة. ومن هنا نشأت وظيفة الإفتاء التي تناط بمراجع التقليد.

 

شروط مرجعيّة التقليد

 

ليس كل من نال درجة رفيعة من العلم في المجال الفقهي يمكن للناس الرجوع إليه في أمر دينهم وآخرتهم، بل لا بدّ لمن يصل إلى مقام مرجعية التقليد أن تتوفّر فيه شروطاً متعدّدة نذكر أهمّها:

 

1- الإجتهاد، وبعبارة أخرى الفقاهة، وهي القدرة على استنباط الحكم الشرعيّ من مصادره الرئيسة.

 

2- العدالة والورع، ليُطَمأَنَّ إلى فتاوى الفقيه أنَّه يُخبر عن حقيقة ما توصّل إليه اجتهاده.

 

3- الضّبط، ومعناه أن لا يكون الفقيه مبتلى بكثرة النسيان والسهو والاشتباه.

 

فإنَّ فتوى الفقيه عند توفّر هذه الصِّفات تكون حجّة على مقلِّديه، ولا بدَّّ من مراعاة الأعلميّة فيما لو اختلف الفقهاء في الفتوى.

 

تعريف ولاية الفقيه

 

هي ولاية وحاكميّة الفقيه الجامع للشرائط في عصر غيبة الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف

 

 

 حيث ينوب الوليّ الفقيه عن الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف في قيادة الأمّة وإقامة حكم الله على الأرض.

 

شروط الولاية

 

إنّ الشروط اللّازمة في الوليّّ هي الشروط ذاتها اللّازمة في مرجعيّة التقليد المتقدّمة، يُضاف إليها شرط القدرة على القيام بالأمر الذي يتطلّب مستوى من المعرفة السياسيّة والخبرة الاجتماعيّّة والإداريّّة، التي تشكّل بمجموعها شروط ولاية الأمر في عصر الغيبة، وهذا يعني أنَّ صلاحيّة شخص لولاية الأمر تتوقّف على شروط أزيد من شروط مرجعيّة التقليد.

 

المرجعيّة والولاية بين التعدّد والوحدة

 

قد يحصل أحياناً أن يكون وليّ الأمر هو عينه مرجعاً للتقليد كما هو بالنسبة إلى الإمام الخمينيّ الراحل والسيّد علي الخامنائي القائد.

 

وقد يحصل في حالات أخرى التّفريق بين المرجعيّة والولاية عندما لا يكون وليّ الأمر هو الأعلم في عالم الفقاهة، لكنَّه الأصلح والأقدر على القيام بالأمر، فيكون متعيّناً لولاية الأمر، بينما تكون مرجعيّة التقليد لغيره على أساس أنَّه الأعلم في مجال الاستنباط.

 

الأمور الحسبيّة

 

إنَّ الإمام المعصوم عليه السلام هو المرجع في المجالين معاً، وفي عصر الغيبة عندما لم يكن هناك دولة إسلاميّة، أي لم يكن الفقيه مبسوط اليد، انحصرت وظيفة الفقهاء بشؤون الإفتاء، لكن لم يخلُ الأمر من ممارسة الولاية على مستوى محدود وفي مجال ضيّق من قبيل تصريف شؤون الأيتام والقاصرين والأوقاف والتصرّف بأموال الإمام المعصوم عليه السلام التي ترد من الخمس والأنفال، ويُطلق

 

 

على مثل هذه الموارد اسم الأمور الحسبيّة، وأحياناً تمتدّ إلى ممارسة القضاء والفصل بين المتنازعين في الخصومات.

 

هذه الشؤون لم تكن تتطلّب الكثير من الخبرة، ولذا كان الفقهاء يتصدّون لها من دون رعاية الأَولى والأعرف، نعم في مجال صرف سهم الإمام عليه السلام من الخمس كان كثير منهم يشترط دفعه إلى الأعلم والأعرف بمصارفه.

 

أمّا بعد قيام الجمهوريّة الإسلاميّّة في إيران وبسط يد الفقيه وتمكّنه من ممارسة ولاية الأمر على أوسع وجه فإنَّ التمييز بين وظيفة الإفتاء ووظيفة ولاية الأمر بات أمراً ضروريّاً، وإن كان اجتماعهما في شخص هو الأرجح.

 

 

خلاصة

 

 

إنّ مرجعيّة التقليد تعني رجوع المكلَّف إلى الفقيه الجامع للشرائط لمعرفة حكمه الشرعيّّ، والدليل على ذلك النصوص الشرعيّّة.

 

شروط مرجعيّة التقليد:

 

الاجتهاد، وبعبارة أخرى الفقاهة.

 

العدالة والورع، ليُطمأن إلى فتاواه أنّه يخبر عن حقيقة ما توصّل إليه اجتهاده.

 

الضبط، ومعناه أن لا يكون الفقيه مبتلى بكثرة النسيان والسهو والاشتباه.

 

أمّا الشروط اللّازمة في الوليّّ فهي نفس الشروط اللّازمة في مرجعيّة التقليد المتقدّمة، يُضاف إليها شرط القدرة على القيام بالأمر التي تتطلّب مستوى من المعرفة السياسيّّة والخبرة الاجتماعيّّة والإداريّّة.

 

وقد يحصل أحيانا أن يكون وليّ الأمر هو عينه مرجعاً للتقليد، وقد يحصل في حالات أخرى التفريق عندما لا يكون وليّ الأمر هو الأعلم في عالم الفقاهة، لكنّه الأصلح والأقدر على القيام بالأمر فيكون متعيّناً لولاية الأمر.

 

ولاية الفقيه في كلمات العلماء

 

المحقّق النجفيّّ(متوفى 1266 هـ): يقول قدس سره: ” لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلِّقة بشيعتهم معطَّلة, فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك, بل كأنَّه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً, ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً, ولا تأمّل المراد من قولهم: إنِّي جعلته عليهم حاكماً وقاضياً وحجّة وخليفة ونحو ذلك ممّا يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم…”3 .

 

للمطالعة

 

ورد عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام:

 

“إنّ عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصُراح، وبأكل الحرام وبالرشاء، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات. وعرفوهم بالتعصّب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وأنّهم إذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه، وأعطوا ما لا يستحقّه من تعصّبوا له من أموال غيرهم وظلموهم من أجلهم. وعرفوهم بأنّهم يُقارفون المحرّمات، واضطرّوا بمعارف قلوبهم إلى أنّ من فعل ما يفعلونه فهو فاسق، لا يجوز أن يصدق على الله، ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله، فلذلك ذمّهم الله لمّا قلّدوا من قد عرفوا، ومن قد علموا أنّه لا يجوز قبول خبره، ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤدّيه إليهم عمّن لم يشاهدوه، ووجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، وأشهر من أن لا تظهر لهم.

3- الجواهريّ، محمّد حسن النجفيّ، جواهر الكلام، دار الكتب الإسلاميّّة، طهران، ج 12، ص 397.

 

وكذلك عوامّ أمّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبيّة الشديدة والتكالب على حُطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصّبون عليه إن كان لإصلاح أمره مستحقّا، وبالترفّق بالبرّ والإحسان على من تعصّبوا له، وإن كان للإذلال والإهانة مستحقّاً. فمن قلّد من عوامنا من مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم. فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه. وذلك لا يكون إلّا في بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنّ من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئاً، ولا كرامة لهم، وإنّما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك، لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا، فهم يحرّفونه بأسره لجهلهم، ويضعون الأشياء على غير مواضعها ووجوهها لقلّة معرفتهم وآخرين يتعمّدون الكذب علينا ليجرّوا من عَرَضِ الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم”.

 

تفسير الإمام العسكري عليه السلام، ص 299

 

 

شاهد أيضاً

0

الانوار اللامعة في شرح زيارة الجامعة

02 فلسفة الزيارات المروية اما الزيارات الخاصة المروية عن أهل البيت عليهم السلام فانها بحق ...