الرئيسية / مقالات اسلامية / الاسلام والحياة / الفهم الصحيح للإسلام – الامام الخامنئي دامت بركاته
jpg.262

الفهم الصحيح للإسلام – الامام الخامنئي دامت بركاته

لنسعى إلى التعرف على الإسلام بأسلوبه الصحيح, ولنتوسع في المسألة مقداراً أكثر: تعرفون أننا تعرضنا إلى التحريف سنين، وقد تعرض إدراكنا وفهمنا إلى التحريف في أكثر المفاهيم والمصطلحات لقاموس الإسلام إنْ لم أقل في جميعها، لم نكن نفهم الصبر، لم نكن نفهم العبادة، لم نكن نفهم التوحيد، لم نكن نفهم النبوة، لم نكن نفهم الجهاد.

 

 

كنا نقرأ جميع هذه المصطلحات في القرآن والنصوص الإسلامية، ولكن المفهوم الذي ينطبع في أذهاننا عن هذه المصطلحات لم يكن مفهوماً إسلامياً خالصاً, بل كان مخلوطاً وغير خالص.

 

 

ماذا كان السبب؟ السبب أن الثقافة الإسلامية الأصلية قد تحولت إلى شيء آخر طيلة قرون بسبب امتزاجها بالتقاليد والعادات والأغراض والجهالات, كان إدراكنا للمفاهيم الإسلامية والمصطلحات الإسلامية يختلف كثيراً عما كان يفهمه المسلمون في صدر الإسلام.

 

 

ثم لحسن الحظ أدت الثقافة العالمية الجديدة في الشرق برغم ما فيها من نواقص إلى هزة في العقول، ويجب أن أقول إنها بدأت منذ مرحلة الحركة الإسلامية العظيمة والإصلاحية للسيد جمال الدين، وقد عرفتنا بحقيقة الإسلام، وقربتنا إلى المفاهيم الحقيقية للإسلام، وساعدتنا على فهم الإسلام بشكل صحيح، وقد عثر مثقفونا على الطريق, ثم تقدموا بالتدريج.

 

 

وفجأة رأينا أن الإسلام الذي كنا نفهمه قبل عشرين أو ثلاثين سنة يختلف من السماء إلى الأرض عما نفهمه الآن، وقد ساعدتنا عوامل متنوعة في تغيير المسير، وفي هذا التحول الذهني والفكري, ومرادي هو هذه المفردة التي أريد أن أخرج منها بنتيجة: لماذا لم يُفهم الإسلام بشكل صحيح في الماضي؟

 

 

إن السبب الرئيسي والأساسي ولعله الأهم هو أن الأفكار الإسلامية اختلطت بالثقافات الأخرى الغريبة غالباً عن روح الإسلام، كان المفكر الإسلامي يدخل الإسلام بأرضيةٍ ذهنية خاطئة فيفهم الإسلام خطأ، كان المفكر الإسلامي يدخل الإسلام بذهن ممزوج بأفكار المتكلمين مثل الأشعرية أو المعتزلة، يدخل الإسلام بذهن ممزوج بالأفكار الفلسفية اليونانية ويفهم الإسلام بشكل آخر.

 

 

ووصل الأمر بالتدريج إلى أن أصبح الإسلام الثوري، الإسلام الذي بنى أبا ذر وسلمان، الإسلام أمضى نبيُّهُ وعليُّه الشطر الأكبر من عمرهما في ميادين الحرب ولم يساوما الظلم لحظة واحدة، أصبح إسلاماً في خدمة الظلم، أصبح إسلاماً يؤيد جميع والانحرافات، ومبرراً لجميع المظالم, أي أن الإسلام غيّر اتجاهه بنسبة مئة وثمانين درجة.

 

 

وهذه المسألة نفسها تكررت في زماننا أي قبل حوالي خمس أو ست وعشرين سنة أو ثلاثين سنة وما بعدها، وهذه مسألة مهمة جداً وحقيقة مؤلمة جداً يجب أن نلتفت إليها جميعاً.

 

 

أنتم تعرفون أن الاتجاه الديني الواعي بدأ منذ سنوات العقد الثالث وازدادت سرعته منذ سنوات العقد الرابع من هذا القرن, وقد ظهر في مشهد وفي طهران وبعض المدن الأخرى مفكرون ومعلمون كانوا يوجهون الجيل الشاب نحو الإسلام الحقيقي، الإسلامي المضيء, وقد حصلت سرعة خاصة في هذه الحركة حتى سنوات ما يقارب نهاية العقد الرابع.

 

 

وفي هذه السنوات لم تكن الوجوه الأساسية التي كان لها أدوار مهمة كثيرة جداً, ويمكن حصرهم بما يلي: العلامة الطباطبائي، السيد محمد تقي شريعتي (والد المرحوم الدكتور)، السيد الطالقاني، المرحوم الشهيد مطهري، المهندس بازرگان، ويجب اعتبار هؤلاء ضمن طلائع الفكر الإسلامي الجديد, وكل واحد من هؤلاء كان معلماً في بعد خاص، والصورة التي كانوا يعرضونها للإسلام هي الشيء الذي يمثل يقظة بعد نوم طويل.

 

 

ولذا لم يكن أمراً غريباً أن يتعرض أغلبهم أو كلهم في ذروة نشاطاتهم إلى نوع من الاتهام والخدش في معتقداتهم، ولكن الشباب تربوا في أحضانهم تماماً مع النهضة والتحول الفكري الذي كان هؤلاء الرجال الكبار قد أوجدوه.

 

 

وكانت النشاطات العقائدية الإلحادية والمادية مشغولة بالعمل، وفي منتهى النمو والجهد والسرعة, ويجب أن أقول إنها كانت أوسع من الجهد الذي كان يقوم به المفكرون والمثقفون المتدينون, وكان عملهم أسهل أيضاً.

 

 

فالمفكر الإسلامي كان عليه أن يجلس ويتدبر ساعات في الآيات القرآنية ويطالع ويستفيد من تجاربه، ومن نضاله ومطالعاته حتى يفهم معنى آية واحدة ويكتب سطراً أو صفحةً حول تلك الآية أو السورة أو المصطلح القرآني, ولكن الكاتب المادي والماركسي مثلاً لم يكن بحاجة إلى كل هذا التفكير.

 

 

أقرؤا الكتابات الماركسية الفارسية ترونها غالباً ترجمة للنصوص الأجنبية: الإنكليزية والألمانية وغيرها، ولذا كان عملهم أسهل، فالترجمة أسهل دائماً من الكتابة والتحقيق، خاصة إذا أراد الكاتب والمحقق تقديم عمل جديد فيه متانة، ولذا كثرت الكتب المعادية للإسلام أو غير الإسلامية بشكل عجيب، رغم وجود الجهود المخلصة للمفكرين الإسلاميين، وأصبح الجيل الشاب بشكل مفاجئ في ذلك الوقت أمام عدد كثير من الكتابات الإلحادية المتنوعة.

 

 

فالشخص مثلاً في منتصف العقد الرابع الذي كان يريد أن يدرك الأفكار الإسلامية بأسلوب إسلامي كان يواجه في المكاتب الإيرانية وفي الجو الذهني لهذا البلد كتباً متعددة في الاقتصاد الماركسي، التاريخ الماركسي، الفلسفة الماركسية، بدون أن يكون تحت تصرفه ما يعادلها من الإسلام، فإذا كانت هناك عشرة كتب مترجمة في الماركسية حول التاريخ أو الاقتصاد فإنه لم يكن قد كتب في مقابلها حتى كراس واحد حول التاريخ وحول الاقتصاد من قبل المفكرين الإسلاميين؛ لأن الحركة المثقفة العميقة والجديدة ـ كما قلت ـ كانت قد ظهرت حديثاً ولم تكن لديها نتاجات كثيرة.

 

 

طبعاً في مصر والهند كانت قد بدأت قبلنا حركة إسلامية في التأليف, وكانت الترجمة الفارسية لكتبهم في متناول اليد إلى حدّ ما، ولكن المصريين والهنود لم يكن لديهم ذلك التعقيد الموجود في الذهن الإيراني حتى تستطيع كتاباتهم ملء هذا الفراغ القائم في إيران.

 

 

نعم، كان للهنود والمصريين حق السبق، إذ كانوا قد تقدموا علينا من حيث الرؤية الإسلامية المثقفة, ولا ننسى أن هذه الحركة الإسلامية الجديدة في الهند وفي مصر مدينة للسيد جمال الدين الإيراني، ولا شأن لنا بتلك المسألة، فمن الأفضل أن نضع الأبعاد الوطنية جانباً, ولكن الكتابات والأفكار الإسلامية غير الإيرانية لم تكن بالشكل الذي يشبع ذهن الباحث.

 

 

والنتيجة هي أن المثقف المسلم في أوائل تكوّن الفكر الإسلامي كان يواجه جواً فكرياً ماركسياً، ولا أقول إنّ ذهن كثيرٍ من هؤلاء المفكرين قد تلوث بالماركسية؛ إذ أنهم كانوا مسلمين ويعارضون الماركسية ويسعون إلى طرد أفكارها, ولكنهم بالنتيجة كانوا يتعرضون ويقعون في تلك الذهنية الخاطئة, وهذه مسألة مهمة جداً, أي أن مجتمع المفكرين الإسلاميين تعرض إلى نفس البلاء، ووقع في نفس الفخ الذي كان قد وقع فيه الإسلاميون في قرون سابقة، فخ (التلوث الذهني بقواعد غير إسلامية).

 

 

غير أن القواعد التي تورط فيها المتقدمون كانت هي فلسفة اليونان وأفكاراً كلامية أشعرية ومعتزلية، وأما التي تواجهنا حالياً فهي فكر إلحادي للعقدية الفلانية, وجميع هؤلاء المثقفين كانوا يخافون من كل أنواع الاتجاه الإلحادي، ولكن في النهاية كانوا يصابون في كثير من الأسس, وهذه حقيقة ينبغي أن نذعن لها.

 

 

لا أنسى أنه كان هناك لقاء جماعي في طهران في إحدى الليالي التي لا تنسى في آخر أشهر حياة المرحوم الدكتور شريعتي, فدار بيننا حديث وحوار جماعي, وللأسف لم يبقَ من الذين كانوا يتكلمون في تلك المحاورات على قيد الحياة غيري، وكان المرحوم مطهري والمرحوم الدكتور يطرحان بحوثاً مفيدة كانت تسجل من قبل بعض الأخوة والأخوات، وكانت هذه من بين الأعمال التي يمكن القيام بها في تلك الفترة من الكبت الأسود.

 

 

فقال المرحوم الدكتور وقتئذٍ جملة تليق به، قال: نحن اليوم في حالة ولادة فكرية، وتلك النطفة الفكرية الإسلامية المنفتحة قد بدأت تأخذ بالانفلاق حالياً، وفي هذه المرحلة من اللازم أن نبعد كل أنواع العروق الأجنبية عن هذه النطفة.

 

 

وكان يقول: إن من الخطأ أن يقول شخص: كم هي النسبة المئوية التي يشترك فيها الإسلام مع الماركسية، وكم هي النسبة المئوية التي ينفصل بها عنها؟

 

 

كان يقول: إن طرح هذه القضية خطأ أساساً؛ إذ يجب أن نفترض أنه ليس هناك أي اشتراك وأية وحدة بينهما، لا ننظر أساساً ماذا تقول العقيدة الفلانية، وإنما لننظر أولاً ماذا يقول الإسلام، نحن اليوم في فترة التعرف على الإسلام، نحن بدأنا نكتشف الإسلام.

 

 

وهذه القوة في الطبيعة مرت قرون ولم نكن قد اكتشفناها بشكل صحيح, اسمحوا لي أن أضرب مثالاً: إن النفط لم يكتشف حديثاً، فهذه المادة الطبيعية قد اكتشفت من قرون وتم الاستفادة منها، وكانت تلك المعادن الطافحة تصل إلى سطح الأرض، وكانوا يحدثون حفراً فيجتمع النفط ويستخرجونه ويستفيدون منه، فالنفط اكتشفه الإنسان منذ قرون، ولكن اكتشاف النفط من قبل الإنسان في تلك القرون يختلف كثيراً عن اكتشاف الإنسان للنفط حالياً، فالإنسان لم يكن يستطيع أن يستخرج منه وقوداً للطائرات ولم يكن يستطيع أن ينتج من النفط في تلك الآونة مواد متنوعة ووسائل وآلات وحتى مواد بروتينية, وهذا اكتشاف جديد,

 

 

فالنفط هو النفط ولكن الإنسان لم يكن يستطيع في تلك البرهة أن يفهم ذلك بشكل صحيح، فلا يوجد أرضية في أذهاننا من الثقافات والعقائد الأجنبية لفهم الإسلام، ولا نخلط الإسلام بالعروق الأجنبية، والخلاصة أن نفهم (الإسلام) لا شيئاً آخر سواه.

 

 

لقد أردت أن أتكلم كلاماً آخر، ولكن البحث امتد إلى هذه الجهة وهو أفضل, على أي حال إن واجبنا اليوم هو أن نستفيد من الإسلام كعقيدة مواجهة وهادية, أن نفهم الإسلام بما فيه من خلوص وطهارة ونوجه نضالنا في اتجاه الإسلام ونواصله، وإذا استفدنا وبحثنا الإسلام بهذه الرؤية وبهذا الفهم وبهذه النيّة فعند ذلك سوف تكون جميع مواقفنا الاجتماعية سواء أمام الحوادث أو الأشخاص أو الفئات أو العقائد أو الآيولوجيات على أساس الحكم الذي يقدمه لنا الإسلام.

 

 

 -للموضوع تتمه

شاهد أيضاً

alronq1370025038_497

الامثال في القران الكريم مصدرا للهداية الالهية

29) الأمثال العربية – محمد رضا المظفة والحق ان الاسلام قد اهتم كثيرا ببناء المجتمع ...