4- برّ الوالدين
يقول الله سبحانه تعالى في محكم كتابه:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾1
1- سورة الإسراء، الآيتان: 23 24.
تمهيد
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في إحدى خُطبه: “فما خُلقتُ ليشغلني أكلُ الطيّبات كالبهيمة المربوطة همُّها علفُها، أو المرسلة شغلها تقمّمها تكترش من أعلافها وتلهو عمَّا يُراد بها”2 وهو الذبح.
إنَّ الله تعالى لم يخلق السماوات والأرض عبثاً ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾3، وكذلك الإنسان، بمعنى أنَّ هذا الإنسان غير متروك ليحيا حياته بطريقة عبثيّة، بل هو مسؤول ويُسأل عن أفعاله.
يقول تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾4. كلّ الناس مسؤولون عن أفعالهم، نعم، هناك استثناءات كالصبيّ والصبيّة غير المكلَّفين، والمجنون. أمّا الكلام هنا فعمّن تتوفّر فيهم الصفات الّتي حدّدها الإسلام للإنسان المسؤول؛ البالغ العاقل، الّذي وقع عليه قول ربّ العزّة سبحانه وتعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾5، أي عن عملهم بالتكاليف الإلهيّة، و﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ
2- نهج البلاغة، الشريف الرضي، ج 3، كتاب رقم 45،ص 72.
3- سورة الأنبياء، الآية: 16.
4- سورة الصافات، الآية: 24.
5- سورة الحجر، الآيتان: 92 93.
وُسْعَهَا﴾6 و﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾7.
وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: “كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيَّته”8. فالأمير على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيّته. وربّ الأسرة راعٍ ومسؤول عن أهل بيته. والمرأة راعية أولادها، وهي مسؤولة عنهم، وهكذا كلّ منّا مسؤول بحسب موقعه من هذه الحياة.
وفي كلام آخر لأمير المؤمنين عليه السلام: “اتقوا الله في بلاده وعباده، فإنَّكم مسؤولون عن البقاع والبهائم”9. وهذا ما نسمّيه اليوم: الثروات الطبيعيّة والحيوانيّة.
ومسؤوليّة الإنسان متعدّدة الاتجاهات: فهناك مسؤوليّات تجاه نفسه وبدنه وحاجاته الجسديّة، وتجاه روحه وحاجاته الروحيّة والنفسيّة. وهناك مسؤوليّة تجاه عائلته والأقرباء، وأهل قريته ووطنه، ومسؤوليّة تجاه البشريّة. وهناك مسؤوليّة تجاه الدِّين والقيَم.. ويجب أن يتحمّل الإنسان مسؤوليّته بقدر ما يستطيع، لأنّ الله لا يُكلّف نفساً إلّا وسعها، أي لا يأمرها بشيء إلّا دون طاقتها وإمكاناتها وقدرتها على الامتثال، وهذا من لطف الله تعالى على العباد.
مسؤلية الإنسان:
1ـ أن يعرف الإنسان تكليفه والمسؤوليّات الملقاة على عاتقه.
2ـ أن يعرف شكل وروح المسؤوليّة ليبادر ويعمل ويتحمَّل ويجاهد في تحمّلها.
3ـ أن يعمل ما تقتضيه هذه المسؤوليّة، حتّى إذا سُئل يوم القيامة تكون أجوبته كفيلة بأن تُدخله الجنّة، يقول سبحانه: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾10.
6- سورة البقرة، الآية: 286.
7- سورة البقرة، الآية: 185.
8- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 72، ص 38.
9- نهج البلاغة، ج 2، خطبة رقم 167، ص 80.
10- سورة آل عمران، الآية: 185.
المسؤوليّة تجاه العائلة
أمّا موضوع حديثنا فهو المسؤوليّة تجاه العائلة. وهذا الموضوع ينبع من باب الحاجة إلى التوجيه النبويِّ الرساليّ، نتيجة ابتعاد مجتمعاتنا عن القيم الدينيّة والإلهيّة، ونتيجة تطوّر عالم الاتصالات وغزو التقاليد الغربيّة لمجتمعاتنا وتقاليدنا، فالوارد إلينا خطِر ومدمّر، وإن لم نكن على جهوزيّة للتصدّي له أو لم تكن لدينا المناعة المستمدّة من روح الدين والعلاقة مع الله تعالى، فإنّ السقوط في وادي الجهالة والضلالة حتميّ ومؤكّد إلا من رحم ربّي.
تتضمّن العائلة أو الأسرة، الّتي يسمّيها الإسلام بالحلقة الأضيق، الأب والأمّ والزوجة والأولاد. وهناك شبهة عند الناس في هذا الموضوع، فهم يفترضون أنّ الحلقة الأضيق هي الزوجة والأولاد. وبعضهم يفترض أنّهم عندما يستقلّون في حياتهم، فالوالد والوالدة أصبحا خارج الدائرة الأضيق، وهذا فهم خاطئ.
نأتي إلى النظرة الإسلاميّة في الموضوع الاجتماعيّ، إن على صعيد الفرد أو على صعيد العائلة، فرؤية الإسلام ترتكز إليهما بلحاظ:
1ـ أنّ الفرد هو أصل المجتمع، لذلك نجد كلّ تعاليم الإسلام وتشريعاته، وتعاليم الأنبياء عليهم السلام ، كلّها تركّز على تربيته وتنشئته.
2ـ أنّ العائلة هي في نظر رسالات السماء أساس تكوين أيّ مجتمع إنسانيّ، وفي أيّ مدينة أو أيّ وطن، أمّا في حالة أفراد مفكّكين، فيفقد المجتمع البشريّ طبيعته وينتج بدلاً عنه مجتمع منحرف لا يستطيع الاستمرار والبقاء.
فالعائلة، ولو في إطارها الضيّق، عندما تكون متعاونة متراحمة، فهي تشكّل خلايا البيئة الاجتماعيّة السويّة، وهذا ينعكس على المجتمع كلّه.
من هنا تأتي التعاليم والرسالات لتؤكِّد على الزواج، الّذي هو مستحبّ، بل واجب في بعض الأحيان. الإسلام يتحدّث عن انتقاء الزوج والزوجة، وتسهيلات الزواج،
وتقديمات الزواج، والحفاظ على الأسرة وبقائها، وتوزيع المسؤوليّات داخل الأسرة، كما يذكر تعقيدات موضوع الطلاق.
أزمة العائلة في الغرب
ابتلاءاتنا في المجتمع، هي فيما يأتينا من الغرب؛ ففي الغرب هناك مأساة على المستوى النفسيّ، برغم التطوّر العلميّ الهائل، وسنشهد خلال السنوات المقبلة، أزمات حادّة جدّاً في هذه الدول. إنّ ما نقرؤه من تقارير ودراسات حول مجتمعاتهم، والّذي يعكسونه في الأفلام السينمائية الّتي يصدّرونها إلى العالم العربيّ والإسلاميّ، كلّه يتحدّث عن تفكّك الأسرة، وارتفاع هائل في نسبة العزوبيّة. فلا توجد أسرة وعائلة طالما يظنّ الرجل والمرأة أنّهما يستطيعان تلبية حاجاتهما الجسديّة خارج إطار الأسرة، نتيجة الإباحيّة الّتي تنتشر في تلك المجتمعات. وهناك ارتفاع في نسبة الطلاق، ونسبة المولودين خارج الزواج الشرعيّ، حتّى خارج الزواج المدنيّ المتداول عندهم. وهذا ما يؤدّي إلى آثار روحيّة واجتماعيّة وأمنيّة سيّئة جدّاً.
هناك، عندما يكبر الوالدان، لا يسأل الأولاد عنهما، وإن سألوا يرمونهما في دور العجزة، وعندما يموتان تتكفّل البلديّة بدفنهما، وهذا ما يُريدون نقله إلى مجتمعنا!
وإذا دخلنا إلى الدائرة الأضيق (الأسرة) عندنا، ومن خلال بعض التوجيهات النبويّة والإسلاميّة، يمكن تجزئة هذه الدائرة الصغرى إلى ثلاثة أجزاء:
-
الزوج والزوجة.
-
الوالدان.
-
الأولاد.
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله