للغضب أضرار جسيمة ، وغوائل فادحة ، تضرّ بالانسان فرداً ومجتمعاً ، جسمياً ونفسياً ، مادياً وأدبياً . فكم غضبة جرحت العواطف ، وشحنت النفوس بالاضغان ، وفصمت عرى التحابب والتآلف بين الناس . وكم غضبة زجت أناساً في السجون ، وعرضتهم للمهالك ، وكم غضبة أثارت الحروب : وسفكت الدماء ، فراح ضحيتها الآلاف من الأبرياء . كل ذلك سوى ما ينجم عنه من المآسي والأزمات النفسية ، التي قد تؤدي إلى موت الفجأة . والغضب بعد هذا يحيل الانسان بركاناً ثائراً ، يتفجر غيطاً وشراً ، فإذا هو إنسان في واقع وحش ، ووحش في صورة إنسان .
فإذا بلسانه ينطلق بالفحش والبذاء ، وهتك الأعراض ، وإذا بيديه تنبعثان بالضرب والتنكيل ، وربما أفضى إلى القتل ، هذا مع سطوة الغاضب وسيطرته على خصمه ، وإلا انعكست غوائل الغضب على صاحبه ، فينبعث في تمزيق ثوبه ، ولطم رأسه ، وربّما تعاطى أعمالاً جنونية ، كسبّ البهائم وضرب الجمادات .
الغضب بين المدح والذم : الغضب غريزة هامة ، تُلهب في الانسان روح الحمية والإباء ، وتبعثه على التضحية والفداء ، في سبيل أهدافه الرفيعة ، ومثله العليا ، كالذود عن العقيدة ، وصيانة الأرواح ، والأموال ، والكرامات . ومتى تجرد الانسان من هذه الغريزة صار عرضة للهوان والاستعباد ، كما قيل « من استُغضِب فلم يغضب فهو حمار » . فيستنتج من ذلك : أنّ الغضب المذموم ما أفرط فيه الانسان ، وخرج به عن الاعتدال ، متحدياً ضوابط العقل والشرع . أما المعتدل فهو كما عرفت ، من الفضائل المشرّفة ، التي تعزز الانسان ، وترفع معنوياته ، كالغضب على المنكرات ، والتنمّر في ذات اللّه تعالى .
علاج الغضب : عرفنا من مطاوي هذا البحث ، طرفاً من بواعث الغضب ومساوئه وآثامه ، والآن أودّ أن أعرض وصفة علاجية لهذا الخُلق الخطير ، وهي مؤلفة من عناصر الحكمة النفسية ، والتوجيه الخلقي ، عسى أن يجد فيها صرعى الغضب ما يساعدهم على مكافحته وعلاجه . وإليك العناصر الآتية :
( 1 ) – إذا كان منشأ الغضب اعتلالاً صحياً ، أو هبوطاً عصبياً كالمرضى والشيوخ ونحاف البنية ، فعلاجهم – والحالة هذه – بالوسائل الطبية ، وتقوية صحتهم العامة ، وتوفير دواعي الراحة النفسية والجسمية لهم ، كتنظيم الغذاء ، والتزام النظافة ، وممارسة الرياضة الملائمة ، واستنشاق الهواء الطلق ، وتعاطي الاسترخاء العضلي بالتمدد على الفراش . كل ذلك مع الابتعاد والاجتناب عن مرهقات النفس والجسم ، كالإجهاد الفكري ، والسهر المضني ، والاستسلام للكئابة ، ونحو ذلك من دواعي التهيج .
( 2 ) – لا يحدث الغضب عفواً ، وإنّما ينشأ عن أسباب تستثيره ، أهمها : المغالاة في الأنانية ، الجدل والمراء ، الاستهزاء والتعيير ، المزاح الجارح . وعلاجه في هذه الصور باجتناب أسبابه ، والابتعاد عن مثيراته جهد المستطاع . ( 3 ) – تذكّر مساوئ الغضب وأخطاره وآثامه ، وأنها تحيق بالغاضب ، وتضرّ به أكثر من المغضوب عليه ، فرب أمر تافه أثار غضبة عارمة ، أودت بصحة الانسان وسعادته . يقول بعض باحثي علم النفس : دع محاولة الاقتصاص من أعدائك ، فإنك بمحاولتك هذه تؤذي نفسك أكثر مما تؤذيهم . . . إننا حين نمقت أعداءنا نتيح لهم فرصة الغلبة علينا ، وإنّ أعداءنا ليرقصون طرباً لو علموا كم يسببون لنا ممن القلق وكم يقتصّون منّا ، إنّ مقتنا لا يؤذيهم ، وإنّما يؤذينا نحن ، ويحيل أيامنا وليالينا إلى جحيم ( 1 ) .
وهكذا يجدر تذكر فضائل الحلم ، وآثاره الجليلة ، وأنّه باعث على اعجاب الناس وثنائهم ، وكسب عواطفهم . وخير محفّز على الحلم قول اللّه عز وجل : « إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم ، وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلا ذو حظ عظيم » ( فصلت : 34 – 35 ) ( 4 ) – إنّ سطوة الغضب ودوافعه الاجرامية ، تعرّض الغاضب لسخط اللّه تعالى وعقابه ، وربما عرّضته لسطوة من أغضبه واقتصاصه منه في نفسه أو في ماله أو عزيز عليه . قال الصادق عليه السلام : « أوحى اللّه تعالى إلى بعض أنبيائه : ابنَ آدم أذكرني في غضبك أذكرك في غضبي ، لا أمحقك فيمن أمحق ، وارض بي منتصراً ، فانّ انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك » ( 2 ) .
( 5 ) – من الخير للغاضب إرجاء نزوات الغضب وبوادره ، ريثما تخفّ سورته ، والتروّي في أقواله وأفعاله عند احتدام الغضب ، فذلك مما يخفّف حدّة التوتر والتهيج ، ويعيده إلى الرشد والصواب ، ولا يُنال ذلك إلا بضبط النفس ، والسيطرة على الأعصاب . قال أمير المؤمنين عليه السلام : « إن لم تكن حليماً فتحّلم ، فإنّه قَلّ من تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم » ( 3 ) .
( 6 ) – ومن علاج الغضب : الاستعاذة من الشيطان الرجيم ، وجلوس الغاضب إذا كان قائماً ، واضطجاعه إن كان جالساً ، والوضوء أو الغسل بالماء البارد ، ومس يد الرحم إن كان مغضوباً عليه ، فإنه من مهدئات الغضب .