الرئيسية / مقالات / مفهوم الخلافة وأهميتها بقلم سالم الصباغ

مفهوم الخلافة وأهميتها بقلم سالم الصباغ

مفهوم الخلافة وأهميتها بقلم سالم الصباغ

يقول الله تعالى :

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) البقرة
1- إن مفهوم الخلافة موضوع هذا البحث هي الخلافة الإلهية.. أي خلافة الله .. فهل يوجد في المفهوم الديني خليفة عن الله ؟
وهذا بالطبع يختلف عن المفهوم السياسي للخلافة .. والذي يُعرِف الخليفة بأنه الحاكم السياسي للمسلمين والذي يطبق ويرعى الأحكام الإسلامية والشرائع .. والذي يتم تعينه باختيار الناس وبيعتهم .. أو بغير ذلك من الطرق المستحدثة.
الخلافة التي هي موضوع هذا البحث ليست هي الخلافة بمفهومها السياسي .. وإن كانت الخلافة السياسية هي إحدى مهامها ولكنها خلافة إلهية .. بمعني أن يختار الله سبحانه وتعالي خليفته ويعرفه للناس كالنبوة .. فكما أن النبوة اختيار إلهي لا شأن للناس به فكذلك الخلافة أو الإمامة هي اختيار إلهي لا شأن للناس به.
فهل للخلافة بهذا المعني أدلة قرآنية أو روائية ؟
هذا ما سنحاول دراسته والاستدلال عليه
وهذا الاستدلال سيعتمد علي :
أولا : الآيات القرآنية والتدبر منها امتثال لقوله تعالي (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ).
ثانيا : الأحاديث النبوية الشريفة الواردة عن طريق الفريقين (الشيعة والسنة) والتي تتفق مع هذه الآيات ولا يعارضها.
ثالثا : دراسة للأساس الذي يعتمد عليه كل من الفريقين ( السنة والشيعة ) والذي أقام كل منها بناؤه عليه .. وأدى ذلك إلى الإختلاف بينهما ولعلاقة ذلك بموضوع البحث.
2 – أهميه الخلافة: إن خلافة الله سبحانه وتعالي من أعظم وأهم ما تناولته الآيات القرآنية الكريمة .. ومن مظاهر هذه العظمة :
1- إن الله سبحانه وتعالي أخبر ملائكته بإرادته في خلق خليفة في الأرض قبل أن يخلقه .. ولم نعلم شيئاً غير هذه الحالة بالنسبة لأي فعل إلهي آخر ..
يقول تعالي (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) البقرة 30 ولاحظ هنا .. لماذا أخبر الله سبحانه وتعالي الملائكة بأمر هذا الخليفة الإلهي ؟
أليس ليخبرهم بأن هذا الخليفة له ولاية عليهم فطالما أنه خليفة لله .. والله هو الولي عليهم وعلي كل ” العالمين ” فهو كخليفة لله له ولاية عليهم كولاية الله سبحانه وتعالي ولكن الفرق أن ولاية الله ذاتيه .. أما ولاية خليفته فهي مظهر للولاية الإلهية وظلاً لها وليست مستقلة عنها أى أنها بإذن من الله.
وإلا لماذا يخبر الله سبحانه وتعالي ملائكته بهذا ؟
وهذا يتضح من أمره سبحانه وتعالي لملائكته بالسجود لآدم .. وهذا السجود ليس سجود عبادة لأنه لا يجوز إلا لله سبحانه وتعالي .. ولكنه سجود خضوع وطاعة يقول تعالي (َإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ )
وهذا يدل علي خضوع عالم الملكوت للخليفة الإلهي .. عالم الملكوت كله دون استثناء يقول تعالي : َسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)
لاحظ كلمه (كُلُّهُمْ) وكانت تكفي للدلالة علي شمول الأمر الإلهي ولكن للتأكيد جاءت كلمة (أَجْمَعُونَ) ..
فمن هم هؤلاء الملائكة الذين أمرهم الله سبحانه وتعالي بالخضوع للخليفة الإلهي .. وما هو حجم عالمهم .. وأنواعهم ووظائفهم .. وما دورهم التكويني في هذا العالم ؟
هذا ما يوضحه الدعاء التالي من أدعية الإمام علي زين العابدين (ع) فِي الصَّلَاةِ عَلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَكُلِّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ :
(اللَّهُمَّ وَحَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذِينَ لَا يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبِيحِكَ ، وَلَا يَسْأَمُونَ مِنْ تَقْدِيسِكَ ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ ، وَلَا يُؤْثِرُونَ التَّقْصِيرَ عَلَى الْجِدِّ فِي أَمْرِكَ ، وَلَا يَغْفُلُونَ عَنِ الْوَلَهِ إِلَيْكَ وَإِسْرَافِيلُ صَاحِبُ الصُّورِ ، الشَّاخِصُ الَّذِي يَنْتَظِرُ مِنْكَ الْإِذْنَ ، وَحُلُولَ الْأَمْرِ ، فَيُنَبِّهُ بِالنَّفْخَةِ صَرْعَى رَهَائِنِ الْقُبُورِ . وَمِيكَائِيلُ ذُو الْجَاهِ عِنْدَكَ ، وَالْمَكَانِ الرَّفِيعِ مِنْ طَاعَتِكَ . وَجِبْرِيلُ الْأَمِينُ عَلَى وَحْيِكَ ، الْمُطَاعُ فِي أَهْلِ سَمَاوَاتِكَ ، الْمَكِينُ لَدَيْكَ ، الْمُقَرَّبُ عِنْدَكَ وَالرُّوحُ الَّذِي هُوَ عَلَى مَلَائِكَةِ الْحُجُبِ . وَالرُّوحُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَمْرِكَ ، فَصَلِّ عَلَيْهِمْ ، وَعَلَى الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِمْ مِنْ سُكَّانِ سَمَاوَاتِكَ ، وَأَهْلِ الْأَمَانَةِ عَلَى رِسَالَاتِكَ وَالَّذِينَ لَا تَدْخُلُهُمْ سَأْمَةٌ مِنْ دُءُوبٍ ، وَلَا إِعْيَاءٌ مِنْ لُغُوبٍ وَلَا فُتُورٌ ، وَلَا تَشْغَلُهُمْ عَنْ تَسْبِيحِكَ الشَّهَوَاتُ ، وَلَا يَقْطَعُهُمْ عَنْ تَعْظِيمِكَ سَهْوُ الْغَفَلَاتِ . الْخُشَّعُ الْأَبْصَارِ فَلَا يَرُومُونَ النَّظَرَ إِلَيْكَ ، النَّوَاكِسُ الْأَذْقَانِ ، الَّذِينَ قَدْ طَالَتْ رَغْبَتُهُمْ فِيمَا لَدَيْكَ ، الْمُسْتَهْتَرُونَ بِذِكْرِ آلَائِكَ ، وَالْمُتَوَاضِعُونَ دُونَ عَظَمَتِكَ وَجَلَالِ كِبْرِيَائِكَ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ إِذَا نَظَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ تَزْفِرُ عَلَى أَهْلِ مَعْصِيَتِكَ سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ . فَصَلِّ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الرَّوْحَانِيِّينَ مِنْ مَلَائِكَتِكَ ، وَأَهْلِ الزُّلْفَةِ عِنْدَكَ ، وَحُمَّالِ الْغَيْبِ إِلَى رُسُلِكَ ، وَالْمُؤْتَمَنِينَ عَلَى وَحْيِكَ وَقَبَائِلِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ اخْتَصَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ ، وَأَغْنَيْتَهُمْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِتَقْدِيسِكَ ، وَأَسْكَنْتَهُمْ بُطُونَ أَطْبَاقِ سَمَاوَاتِكَ . وَالَّذِينَ عَلَى أَرْجَائِهَا إِذَا نَزَلَ الْأَمْرُ بِتَمَامِ وَعْدِكَ وَخُزَّانِ الْمَطَرِ وَزَوَاجِرِ السَّحَابِ وَالَّذِي بِصَوْتِ زَجْرِهِ يُسْمَعُ زَجَلُ الرُّعُودِ ، وَإِذَا سَبَحَتْ بِهِ حَفِيفَةُ السَّحَابِ الْتَمَعَتْ صَوَاعِقُ الْبُرُوقِ . وَمُشَيِّعِي الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ، وَالْهَابِطِينَ مَعَ قَطْرِ الْمَطَرِ إِذَا نَزَلَ ، وَالْقُوَّامِ عَلَى خَزَائِنِ الرِّيَاحِ ، وَالْمُوَكَّلِينَ بِالْجِبَالِ فَلَا تَزُولُ وَالَّذِينَ عَرَّفْتَهُمْ مَثَاقِيلَ الْمِيَاهِ ، وَكَيْلَ مَا تَحْوِيهِ لَوَاعِجُ الْأَمْطَارِ وَعَوَالِجُهَا وَرُسُلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِمَكْرُوهِ مَا يَنْزِلُ مِنَ الْبَلَاءِ وَمَحْبُوبِ الرَّخَاءِ وَالسَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ، وَالْحَفَظَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ ، وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَأَعْوَانِهِ ، وَمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ ، وَرُومَانَ فَتَّانِ الْقُبُورِ ، وَالطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، وَمَالِكٍ ، وَالْخَزَنَةِ ، وَرِضْوَانَ ، وَسَدَنَةِ الْجِنَانِ . وَالَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وَالزَّبَانِيَةِ الَّذِينَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ابْتَدَرُوهُ سِرَاعاً ، وَلَمْ يُنْظِرُوهُ . وَمَنْ أَوْهَمْنَا ذِكْرَهُ ، وَلَمْ نَعْلَمْ مَكَانَهُ مِنْكَ ، وبِأَيِّ أَمْرٍ وَكَّلْتَهُ . وَسُكَّانِ الْهَوَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْمَاءِ وَمَنْ مِنْهُمْ عَلَى الْخَلْقِ فَصَلِّ عَلَيْهِمْ يَومَ يَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ صَلَاةً تَزِيدُهُمْ كَرَامَةً عَلَى كَرَامَتِهِمْ وَطَهَارَةً عَلَى طَهَارَتِهِمْ اللَّهُمَّ وَإِذَا صَلَّيْتَ عَلَى مَلَائِكَتِكَ وَرُسُلِكَ وَبَلَّغْتَهُمْ صَلَاتَنَا عَلَيْهِمْ فَصَلِّ عَلَيْنَا بِمَا فَتَحْتَ لَنَا مِنْ حُسْنِ الْقَوْلِ فِيهِمْ ، إِنَّكَ جَوَادٌ كَرِيمٌ)
(الصحيفة السجادية )
 
ذكرت الدعاء بكامله لنتعرف علي معني ” سجود الملائكة كلهم أجمعون ” .. وما هو مقام هذا الخليفة الإلهي ؟ أليس هو مقام الولاية التامة علي جميع العوالم وعلي جميع النشأت والتي هي مظهر للولاية الإلهية وظل لها ؟ هل للناس من شيء من أمر هذه الخلافة وهذا الخليفة؟ ( ما كان لهم الخيرة من أمرهم سبحانه وتعالى عما يشركون )
2 – موقف الملائكة وإبليس وآدم
ولمعرفة عظم هذه الخلافة .. نستعرض موقف الأطراف الثلاثة الرئيسية والتي كانت موجودة في هذا المشهد العظيم .. وفي هذه القصة التي تكرر ذكرها في القرآن الكريم عدة مرات في مواقف مختلفة .. ومن دراسة هذه المواقف الثلاثة نعرف أهمية هذه المكانة وهذا المنصب :
 
أولا : موقف الملائكة
يقول تعالي : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ).
المتدبر في الآيات المذكورة يستطيع أن يتبين اعتراض استفهامي من الملائكة ناتج عن قصور في العلم وليس عن تقصير .. اعترفوا به وقالوا : ” سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا “.
كذلك نستطيع أن نلاحظ تمني الملائكة هذا المقام العظيم والمكانة الرفيعة لنفسها فقالت (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) .. أي نحن أولي بهذا المقام الكريم، وفي مرويات أهل البيت (عليهم السلام) أن الله سبحانه وتعالي جعل البيت المعمور في السماء وجعلهم يطوفون حوله سبعه آلاف سنه تكفيراً عن ذنبهم الناتج عن القصور وليس عن تقصير واستكبار .
وكذلك جعل للمؤمنين البيت الحرام في الأرض يطوفون حوله سبعه أشواط .. هذا في مرويات أهل البيت (عليهم السلام)
إذاً فرغم مقام الملائكة العظيم وإنهم عباد مكرمون إلا أنهم في قضيه خلافة الله تمنوا المكانة لأنفسهم، فهل نستغرب بعد ذلك أن يقع صراع علي هذا المقام العظيم بين المسلمين بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).
 
ثانياً : موقف إبليس
لقد كان موقف إبليس هو معصية الأمر الإلهي والاستكبار ورفض السجود لآدم (عليه السلام) يقول تعالي : ( إلا إبليس أبي واستكبر وكان من الكافرين ) كذلك ادعاؤه أنه خير من آدم (عليه السلام) وأنه أحق بهذا المقام منه فذكر القرآن عن إبليس قوله : (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) ولعل هذه أول معصية في عالم الخلق يذكرها القرآن .. وإنها متعلقة بقضية الخلافة .. ومنازعه إبليس ورفضه للخليفة الذي اختاره الله وأمره بالخضوع له.
إن إبليس عندما رفض هذا الأمر الإلهي بالسجود لآدم (عليه السلام) لم يكن جاهلاً بالله .. بل كان عابداً .. عالماً بأن الله هو خالقه بل ويعرف العنصر الذي خلق منه كذلك كان يعلم بأن الله هو ذو العزة والجلال .
قال (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)
وكان يؤمن بيوم البعث
قال ( أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)
وكان يعرف الصراط المستقيم
قال ( لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)
وكان يعرف إن الله هو رب العالمين وينبغي الخوف من معصيته
قال ( إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)
ورغم كل هذه المعارف .. ورغم عبادته لله .. إلا أن رفضه الإعتراف بالخليفة الذي اختاره الله كان كفيل بطرد إبليس ولعنه وجعله المثل الأعلى للشر في العالم.
وهنا يستحسن أن نقطف زهرة من بستان أهل البيت (عليهم السلام) توضح أهمية هذا الأمر :
في تفسير القمي عن الصادق (عليه السلام) :
( الاستكبار أول معصية عُصي الله بها قال عليه السلام: فقال إبليس رب اعفني من السجود لآدم وأنا أعبدك عبادة لم يعبدها لك ملك مقرب ولا نبي مرسل .. فقال جل جلاله لا حاجة لي في عبادتك إنما عبادتي من حيث أريد لا من حيث تريد ) الصافي الجزء الأول ص 116
ولعل هذا يفسر الحديث المروي عن طريق الفريقين : ” من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليه ” أوكما ورد في صحيح مسلم ” ومن مات وليس في عنقه بيعه مات ميتة جاهلية “.
السؤال هنا .. هل يموت ميتة جاهلية .. وإن صلي وصام وحج واعتمر وقام بكل أصول الدين وفروعه فيما عدا معرفة الإمام أو بيعته ..
أو بالتعبير الإبليسي الوارد في حديث الإمام الصادق (عليه السلام) : حتى لو عبد الله عبادة لم يعبدها ملك مقرب أو نبي مرسل .. كل هذا لا يقبل مع عدم الاعتراف بالخليفة .. فهل هذا الخليفة الذي يساوي كل أصول الدين وفروعه هو من اختيار الناس أم من اختيار الله ؟..
ولعل هذا يفسر معني الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) 67 المائدة هذه الآية نزلت في حجه الوداع في غدير خم في شأن خلافة الإمام علي (عليه السلام) ما معني وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ؟
إن سورة المائدة التى نزلت فيها هذه الأية الكريمة هى أخر مانزل من القرأن الكريم ،،، ومعنى ذلك أن الرسول الأعظم صلوات الله عليه وأله كان قد أكمل وأتم تبليغ الرسالة ، بدليل قوله تعالى فى هذه السورة أيضا : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا ) وأن كل هذه الرسالة وكل هذه المجهودات للنبى الأعظم صلوات الله عليه وأله ولإصحابه تكون قد ذهبت هباءَ إن لم يتم تبليغ خلافة الأمام على عليه السلام ..
وهذا معناه أن الأمة قد عادت إلي نقطه (الصفر) أي إلي الجاهلية ” فالإمام فى هذا الحديث : من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية ” هل يمكن أن يكون هذا الخليفة أو هذا الإمام هو من اختيار الناس أم هو اختيار إلهي؟!
 
ثالثاً : موقف آدم (ع)
الكلام في موقف آدم سوف يكون مختصراً .. لأنه في الغالب موقف فريق واحد هو مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
والخلاصة أو المجمع عليه أن آدم عصى ربه (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) وهذه المعصية هي الأكل من شجرة نهي الله عنها، والاختلاف ما هي هذه الشجرة ؟ بعض الروايات تشبهها بأشجار الدنيا كالحنطة .. أو كذا.. ولكن بعض روايات أهل البيت (عليهم السلام) تذكر أنها ( شجره علم محمد وآل محمد (عليهم السلام) )
والقصة .. أنه لما خلق الله آدم خرج من ظهره نوراً فقال يا رب ما هذا النور .. قال هو نور محمد وآل محمد فلقد كانوا في صلب آدم (عليه السلام) .. وقال هم من ذريتك وهم أفضل منك .. فقال يا رب أرينهم .. فظهرت له أنوار أربعة عشر هم محمد (ص) وفاطمة (عليها السلام) واثني عشر إماما .. أولهم علي (عليه السلام) وآخرهم المهدي (عليه السلام) وقال الله له لا تتمني ” علمهم ” أي بمعنى أخر لا تتمنى مكانتهم .
أي أن سجود الملائكة كان لنور محمد وآل محمد في صلب آدم (عليه السلام)
والغريب أنه في سفر التكوين ( التوراة ) .. أن الشجرة هي ( شجرة العلم ) والحقيقة أن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو آدم عالم الملكوت وآدم (عليه السلام) هو خليفة عالم الملك وهذا يتفق مع أحاديث كثيرة أن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم ) هو أول الخلق يقول تعالي (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) 81 الزخرف .
فهو صلى الله عليه وآله وسلم أول من عبد الله فأين كان آدم (عليه السلام) ؟
وفي الحديث : ” كنت نبي وآدم بين التراب والماء “
وأيضا : ” أول ما خلق ربك يا جابر خلق نور نبيك “
وقال تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ “الأنبياء107
والعالمين كل العوالم المخلوقة وكل البشر، آدم فمن دونه وهذا يدل علي أنه أول الخلق .. أو آدم عالم الملكوت.
 
خلاصه المواقف الثلاثة ( الملائكة ـ إبليس ـ آدم ) ..
تدل علي أن خلافة الله منصب إلهي عظيم تمنته الملائكة عن قصور في العلم..
وأراده إبليس لنفسه استكبارا..
وغواه آدم وتمناه ولكنه تاب وأستغفر ولم يكن مصراً ولا مستكبراً.
هل كان هذا المشهد الذي حدث في عالم الغيب قصة وانتهت .. أم ما زالت مستمرة ؟! وعلي الأرض ؟!
ما معني تركيز القرآن علي هذا المشهد العظيم .. وتكرار ذكره في أكثر من سورة .. ما الذي أراده الله سبحانه وتعالى بذلك؟
لقد أراد الله سبحانه وتعالى بهذا الحدث الهام الذي حدث في عالم الملكوت .. مشهد جمع جميع الملائكة وأمرهم بالسجود لآدم ومعصية إبليس ورفضه لخلافة آدم (عليه السلام) واستكباره …. لعل الله سبحانه وتعالي أراد أن يقول للخلق جميعاً : أن هذا المشهد .. سيتكرر في الأرض ..
وأن هذا هو مثال لصراع الخير والشر علي الأرض، الصراع بين الخليفة الإلهي ومن يخضعون لولايته وبين إبليس وإتباعه بدليل كلمه ” جَاعِلٌ ” وهي اسم فاعل تعمل عمل الفعل المضارع وتفيد الاستمرار، ففي الأرض دائما خليفة الهي جامع للأسماء الألهية ومَظهراً لها وهذا معنى الأيه الكريمة ” وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ” ، وهناك الشيطان الرجيم الذي يعارض ويرفض هذا الخليفة الإلهي وله مظاهره من الأنس ” شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ ” ، لقد هبط هذا الصراع إلي الأرض ” اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ “
فالخليفة الإلهي دائما موجود في الأرض لا تخلو منه منذ أن كان آدم .. ونوح .. وإبراهيم .. وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسي وعيسي .. ثم الإنسان الكامل .. والخليفة الكامل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وورثته الذين اصطفاهم الله وطهرهم تطهيراً أهل بيته عليهم السلام.
وكذلك الشيطان موجود في الأرض يوحي إلي أوليائه لينازعوا هذا الخليفة الأمر يقول تعالي (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ) 31 الفرقان (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ ) الأنعام112.
إن القرآن قد حدد لنا صراحة من هو العدو المضل المبين وهو الشيطان الذي كانت معصيته الكبرى هي رفضه ( الخليفة ) الذي اختاره الله سبحانه وتعالى وهذه العداوة نزلت معهما إلى الأرض.
يقول تعالي (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) 36 البقرة
( وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) 168 البقرة
( إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) 5 يوسف
وحذر من اتخاذه وذريته أولياء يقول تعالي : ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ) 50 الكهف
إذن فعداوة الشيطان ( للخليفة ) آدم لم تكن مقتصرة علي عالم الملكوت .. بل هبطت هذه العداوة معهما علي الأرض… يحاول الشيطان أن ينتزع منه هذه الخلافة لأحد أوليائه من الأنس ليضل الناس عن سبيل الله .. وهو في الحقيقة لا ينتزع إلا الخلافة السياسية أما الخلافة الحقيقية والتي تتضمن الولاية علي جميع العوالم فهيهات، ولابد أن ينتهي هذا الصراع بهزيمة الشيطان وأوليائه وانتصار رسل الله .. وأقامة دولة الله في النفوس وعلي الأرض ..
يقول تعالي {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }غافر51
ويقول (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)
وكذلك قوله تعالي {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }القصص5
 
آيات أخري تدل علي أهميه الخلافة
1- قوله تعالي لإبراهيم ( عليه السلام) ” إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ” ويلاحظ كلمه (جَاعِلٌ ) في الحالتين الخلافة والإمامة ” إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ ” فالخلافة والإمامة وجهان لعملة واحدة فالخلافة هي عن الله والإمامة هي للناس والخليفة الإلهي هو الإمام للناس .
وسوف نتعرض في هذا البحث لإمامة إبراهيم (عليه السلام) وذريته بالتفصيل ولكن سنذكر في هذا الفصل الآية الخاصة بإمامة إبراهيم وذريته (عليهم السلام ) للتعريف بأهمية الإمامة يقول تعالي {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }البقرة124
فالإمامة عهد من الله ..
لا ينالها ظالم وهذا معني العصمة ..
إنها في ذريه إبراهيم (عليه السلام) ..
نالها بعد النبوة والخلة .
2- الآية التالية التي تدل علي أهميه الإمامة قوله تعالي : (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) لاحظ أهميه الإمام وارتباط كل مجموعة من الناس بالإمام الذي يعتقدون به وآيات أخرى كثيرة سنتعرض لها في البحث ولكن هذه مقدمة ضرورية للتعريف بموضوع الخلافة أو الإمامة موضوع هذا البحث وإنها الإمامة القرآنية والخلافة الإلهية وليست الخلافة السياسية .. بل إن الخلافة السياسية هي إحدى مهام الإمام 
( البحث هو الفصل الأول من كتابنا ( إمامة أهل البيت في القرأن ) بحوث في الإمامة )

شاهد أيضاً

اللواء باقري: جميع أهداف صواريخنا النقطوية بعيدة المدى تم تحديدها ومسحها

قال رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري ان الصواريخ النقطوية الايرانية التي ...