الرئيسية / شخصيات اسلامية / شهيد الولاء حجر بن عدي الكندي

شهيد الولاء حجر بن عدي الكندي

المتجسد بحملته الواعين والملتزمين بولاية أهل البيت عليهم السّلام يشكل العقبة الكأداء الوحيدة
في مواجهة نظامه وأهوائه وأطماعه ، لذلك استخدم مختلف الأساليب من أجل القضاء
عليها ، حتى يستتب له الأمر . وأساليبه كثيرة في هذا المجال ، لما يتمتع به من دهاء ،
فإنه كان من دهاة العرب ، كما يقولون ، وقد ذكر الباحثون هذه الأساليب ، ونحن نشير
إليها بايجاز مع عدم ذكر الشواهد عليها ، ونحن نلاحظ أنه استخدم أساليب فرعون بل
زاد عليها . وقد أشار القرآن الكريم إلى أساليب فرعون بقوله : ( ان فرعون علا في
الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه
كان من المفسدين ) ( 123 ) حيث تشير إلى أنه استخدم أسلوب التفرقة والارهاب ،
والفساد الأخلاقي .
1 – مطاردة الموالين للإمام ( ع ) ، الذي كان يمثل في سيرته وخلافته ومبادئه
العدالة والاسلام الصحيح ، أي مطاردة الوعي الاسلامي ، والافراد الملتزمين به .
2 – محاربة الأحاديث التي وردت عن الرسول ( ص ) في فضائل أهل البيت عليهم السّلام ومطاردة الذين
يروون هذه الأحاديث والفضائل ، وكذلك وضع الأحاديث الكاذبة التي تمدح معاوية
وأمثاله وتدعم سلطته ، وتذم أهل
البيت عليهم السّلام والمؤمنين المخلصين ، وكذلك سب الإمام ( ع )
واتباعه على المنابر ، وتمجيد معاوية وبني أمية وزمرتهم ، وفرض ذلك على العمال
والخطباء ، وتنشئة الجيل عليها ، وقد يضاف لذلك عقيدة المرجئة التي أخذت تتسرب إلى
النفوس ، وتشجيع الحكم الأموي عليها ، ليبرر بها منكراته وأعماله المنحرفة .
3 – اغراء محبي الدنيا ، ورؤساء القبائل وغيرهم من الافراد الطامعين بالثروة
والمنصب ، وضعاف العقيدة والضمير ، بمختلف المغريات من الأموال والمناصب ، كما فعله
مع زياد وعمرو بن العاص .
4 – إعادة النزعة القبلية والعصبية الجاهلية ، وهذه تؤدي إلى التفرقة
والتنازع بين طوائف الأمة ، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى الضعف والفشل ،
( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) ( 124 ) .
5 – التشجيع على نشر المجون والفساد الأخلاقي في الأمة الاسلامية ، من أجل
تخديرها وقتل العقيدة بل الوعي وروح الفتوة أيضا ، وخاصة في المراكز الدينية
المهمة كمكة والمدينة ، وتلك البلدان التي يتوقع منها الثورة .
6 – اتباع سياسة الارهاب ، من أجل اخماد الأنفاس ، وعدم التفكير في التحرك ،
ومواجهة أي تحرك بأقسى مواجهة وأشدها .
هذه وغيرها بايجاز ، أساليب وممارسات استخدمها معاوية من أجل
تثبيت عرشه ، والوصول لأطماعه ، وخنق الوعي الاسلامي ، وإسكات الأصوات الرافضة . لقد
أراد معاوية ان ينشأ الجيل بل الأجيال اللاحقة من خلال أساليبه هذه ، على تربية
منحرفة بعيدة عن الروح الاسلامية ، بل تحريف الدين نفسه وعرضه بصورة مشوهة ،
فقد صرح هو نفسه بذلك ، حينما أمر العمال والخطباء ان يسبوا الإمام ( ع ) على
المنابر ، وأنه سيستمر في ذلك « حتى ينشأ أو يربو عليه الصغير ، ويهلك أو يهرم عليه
الكبير » ( 125 ) ، ولولا الدماء الزكية لحجر وأمثاله ، ولولا التحدي الذي قام به
بعض المؤمنين الواعين ، بالرغم من كل أساليب التحريف والارهاب والاغراء ، لتمكن
معاوية وخلفاؤه وجلاوزته ، من تحقيق أهدافهم .
لقد أدرك معاوية وزمرته ان الاسلام الأصيل يعرقل أطماعهم ويهدم سلطانهم ، لذلك
حاولوا ضربه وضرب الافراد الثابتين عليه .
وكانت تحيط به حاشية تملك نفس الأطماع والانحرافات ، وتتصف بالدهاء والشيطنة ،
لذلك كانت تخطط له الأساليب والممارسات التي يلزم على معاوية استخدامها في
هذا المجال .
لذلك كان معاوية هو وزمرته يرسمون الخطط المدروسة في هذا المجال ،
وينفذونها بكل دقة ( 126 ) .
يقول ابن أبي الحديد ، في ( اخبار متفرقة عن معاوية ) : « وقد طعن كثير من
أصحابنا في دين معاوية ، ولم يقتصروا على تفسيقه ، وقالوا عنه : إنه كان ملحدا ، لا
يعتقد النبوة ، ونقلوا عنه في فلتات كلامه وسقطات ألفاظه ما يدل على ذلك » . ثم
ينقل عن الزبير بن بكار في الموفقيات عن المطرف بن المغيرة بن شعبة ما يدل
على ذلك ، ثم يقول : ( وأما أفعاله المجانبة للعدالة الظاهرة من لبسه الحرير ، وشربه
في آنية الذهب والفضة ، حتى أنكر عليه أبو الدرداء ، فقال له : إني سمعت رسول اللّه
( ص ) يقول : ان الشارب فيهما ليجرجر في جوفه نار جهنم . وقال معاوية : أما أنا فلا
أرى بذلك باسا . فقال أبوا الدرداء : من عذيري من معاوية ؟ أنا أخبره عن الرسول ( ص )
وهو يخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أبدا ) .
نقل هذا الخبر المحدثون والفقهاء في كتبهم في باب الاحتجاج . . . وهذا الخبر يقدح
في عدالته كما يقدح في عقيدته . . . ومن المعلوم أيضا من حالة استئثاره بمال الفيء ،
وضربه من لا حد عليه ، واسقاط الحد عمن يستحق إقامة الحد عليه ، وحكمه برأيه في
الرعية وفي دين اللّه ، واستلحاقه زيادا ، وهو يعلم قول رسول اللّه ( ص ) : « الولد
للفراش وللعاهر الحجر » ، وقتله حجر بن عدي وأصحابه ولم يجب عليهم القتل ، ومهانته
لأبي ذر الغفاري ، وجبهه وشتمه وإشخاصه إلى المدينة على قتب بغير وطاء لانكاره
عليه ، ولعنه عليا حسنا وحسينا وعبد اللّه بن عباس على منابر الاسلام ، وعهده
بالخلافة إلى ابنه يزيد مع ظهور فسقه وشربه للسكر جهارا ، ولعبه بالنرد ، ونومه
بين القيان المغنيات ، واصطباحه معهن ، ولعبه بالطنبور بينهن ، وتطريقه بني
أمية للوثوب على مقام رسول اللّه ( ص ) وخلافته حتى أفضت إلى يزيد بن عبد
الملك ، والوليد بن يزيد المفتضحين الفاسقين . . » ( 127 ) .
وقال الشيخ محمد جواد مغنية في الشيعة والحاكمون : ( والى جانب قطع الرؤس والأيدي
والأرجل والصلب ودفن الاحياء ، فقد كان سجن معاوية يغص بالشيعة رجالا ونساء ، وكان
معاوية يزور هؤلاء السجناء يبرد من غلته ، ويخفف عنه ألم الحقد واللؤم ، ولكن
سجناء الشيعة كانوا يسمعونه ما يزيده حرقة وألماً ، معاوية يقتل الأبرياء صبرا ،
ويدفنهم احياء ، ويقطع رؤوس الرجال ويهديها إلى نسائهم المسجونات ، ويشرد بالطيبين، ويسجنهم تحت الأرض ، ويقطع الأيدي والأرجل ، فعل هذا وأكثر من هذا بشيعة علي ، بعد
ان بايعوه وانقادوا له لا يخرجون من طاعة ولا يفارقون الجماعة ، ومع ذلك قال قائل
: كان معاوية رقيقا حليما كريما » ( 128 ) .
وفي الدرجات الرفيعة : « وروى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي يوسف
المدائني في كتاب الاحداث قال : ( كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام المجاعة
ان برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته ،
فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ، ويبرؤون منه ،
ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ان لا
يجيزوا لأحد من شيعة علي ( ع ) وأهل بيته شهادة ،
فلبثوا بذلك حينا ، ثم كتب إلى عماله ان الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل
مصر وفي كل وجه وناحية ، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضل
الصحابة والخلفاء الأولين لا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا
وائتوني بمناقض له من الصحابة ، فان هذا أحب إلي وأقر لعيني وادحض لحجة أبي تراب
وشيعته ، فرويت اخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، حتى أشادوا
بذكر ذلك على المنابر ، والقي إلى معلمي الكتاب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من
ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن ، فلبثوا بذلك ما شاء اللّه
تعالى ، ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان : انظروا من قامت عليه
البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان واقطعوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك
بنسخة أخرى : من اتهمتموه بمولاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره ، فلم يكن
البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة . . » ( 129 ) .
وكما يلاحظ القارئ ، فان هذه أساليب ومخططات مدروسة . أساليب ميكافيلية لا يتورع
فيها معاوية ، عن استخدام أبشع الممارسات في مطاردة
الوعي الاسلامي وفي تشويه الاسلام وتحريفه ، وتربية الناس على مبادئ
منحرفة توطد له سلطانه حيث يتدرج في تغيير الأمة من مرحلة لأخرى بما
يحقق هدفه من تغييرهم تماما . ومن الشواهد البارزة ،
على عدم التزام معاوية بالاسلام ، بل محاربته للاسلام والمسلمين ،
والشواهد كثيرة ، موقفه من حجر بن عدي ، كما أشارت لذلك عائشة حينما انبت معاوية
على قتله لحجر وأصحابه ، وكذلك موقف الكثير من الصحابة والتابعين من معاوية حول هذه
المجرزة ، بل احساس معاوية نفسه ، بمخالفته للاسلام ، في هذه الجريمة البشعة ،
وسنذكر كل ذلك لاحقا .
حكاية مقتل حجر : في البداية يجدر ان نقول : ان النبي ( ص ) ، وكذلك الإمام علي ( ع
) ، قد أخبرا عن مقتل حجر ، وقد ذكرنا هذه الأحاديث خلال هذه الدراسة .
أما حكاية مقتله ، بواعثها ، وظروفها ، ووقائعها ونتائجها ، فقد ذكرها أكثر المؤرخين
، الذين بحثوا عن حجر ، وما يلاحظ في أحاديثهم : 1 – ان بعض المؤرخين يكتفي بحديث
قصير حول مقتل حجر ، ولا يتوسع كثيرا في تفصيلاته ، كما فعل ذلك المسعودي في مروج
الذهب ، وابن سعد في الطبقات .
2 – وهناك من بحث بتوسع عن مصرعه ، واستعرض شتى الظروف التي
أحاطت به ، كما فعل الطبري في تاريخه ، والإصفهاني في الأغاني ، وابن الأثير في الكامل .
3 – ولكن رغم التشابه في أحاديثهم ، إلا أن هناك بعض الاختلافات بينهم في بعض
النقاط .
وسوف نبحث بالتفصيل عن مصرع حجر وجماعته .
وفي البدء لابد ان نعرف ان حجرا عاصر من ولاة معاوية المغيرة بن شعبة ، وزياد بن
سمية ، وله معهما مواقف بطولية سجلها التاريخ .
ويجدر بنا ان نبحث بايجاز حول المغيرة وزياد .
المغيرة بن شعبة :
ذكر المؤرخون ان دهاة العرب خمسة ، وهم : معاوية ، وعمرو بن
العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وقيس بن سعد ، وعبد اللّه بن بديل ، وكان قيس وعبد
اللّه بن بديل ، مع علي ، والمغيرة بن شعبة معتزلا بالطائف حتى حكم الحكمان ( 130 ) .
ونذكر هنا بعض مواقفه وأعماله ، مما يعرفنا بايجاز على مزاجه ، وصفاته .
لقد حث الإمام ( ع ) على استبقاء معاوية وعمال عثمان على ولاية الشام وغيرها وهو
من المتخلفين عن بيعة الإمام أمير المؤمنين ( ع ) ( 131 ) .
وقد طلب من الإمام أمير المؤمنين ( ع ) إبان الثورة على عثمان ان يعتزل الفتنة
( 132 ) .
وقد اعتزل الجمل وصفيناً ، منتظرا من ينتصر حتى ينحاز إليه ، وقد انحاز إلى معاوية
بعد التحكيم .
واستجاب لمعاوية في سب أمير المؤمنين ( ع ) على المنابر وهو الذي كلفه معاوية في
استمالة زياد إلى صفه ( 133 ) .
ويلاحظ من هذه المواقف وغيرها ان المغيرة كان يؤثر السلامة والراحة وتجنب المشاكل
، وأنه كان متقلبا ، ولم يكن مبدئيا ، وهذا يدل على أن موقفه من حجر ، لم يكن لدافع
ديني ، بل لأجل مزاجه ، بما يتلاءم وسيرة حياته .
زياد بن أبيه :
أما زياد فكان يتصف بالبطش والغلظة ، وكان محبا للشهرة والمنصب ،
وكان مستعد الأجل ذلك للتضحية بمبادئه وارتكاب أبشع الجرائم . فقد كان
واليا من قبل الإمام ( ع ) ، وكان على الظاهر مؤمنا بمبادئه ، ولكنه انقلب فجأة على
عقبيه ، وتحول حبه إلى عداء شديد ، كما صرح بذلك لحجر ، وأخذ يطارد بعنف كل الموالين
المؤمنين ، ويرتكب أبشع الجرائم والمنكرات ، ولكنه
في نفس الوقت لم يستسلم لمعاوية تماما ، لذلك كان يحافظ على منصبه ،
وشخصيته ، ويدعم معاوية ويحاول إرضاءه ،
لذلك لم يقتل حجرا وأصحابه بنفسه ، بل وجهه لمعاوية ، ولكنه في نفس الوقت ،
استخدم شهادة الشهود ، لتتوجه النقمة إليهم ، وليلقى اللوم على الشهود ، وبذلك
يحافظ على حكم معاوية ، ومنصبه معا .
وقد صرح المغيرة بان زيادا محب للشهرة والمنصب ، لذلك قدم معاوية بعض التنازلات
من أجل استمالة زياد إلى صفه ، لأنه كان يعرف صفاته وقدراته ( 134 ) ، ولذلك ولاه
على الكوفة إضافة لولايته على البصرة .

شاهد أيضاً

الثورة الإسلامية والغزو الثقافي

كم بُذِل طوال عشرات السنين من الثروات والفكر؟ وكم ارتكبت من الجرائم والأكاذيب والدعاية المضادَّة ...