الرئيسية / شخصيات اسلامية / موسوعة طبقات الفقهاء

موسوعة طبقات الفقهاء

روى عنه : ابنه الحسن بن الحسن ، وسويد بن غَفَلة ، وأبو الحوراء السعدي ، والشَّعبي ، وأصبغ بن نباتة ، والمسيّب بن نَجَبة ، وجابر بن عبد اللَّه الأنصاري ، ومحمد بن سيرين ، وجماعة .

وكان يجلس في مجلس رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يحدّث فيه ، ويجتمع الناس حوله ، وكان إذا تكلَّم أخذ بمجامع قلوب سامعيه ، وودّوا أن لا يسكت ، وكان معاوية يقول لمن يريد أن يخاصم الحسن – عليه السّلام : لا تفعل فإنّهم قوم ألهموا الكلام « 4 » .

وقد نُقلت عنه خطب وكلمات وحكم ووصايا ورسائل ، وله احتجاجات ومناظرات تدلّ على بعد نظره وثاقب فكره ، وعمق وعيه للأمور والقضايا .
وكان معتَمداً عند أبيه – عليه السّلام – ، حائزاً على محبّته وثقته ، متفانياً في سبيل قضيته « 1 » ، وكان أمير المؤمنين – عليه السّلام يحيل إليه بعض المسائل التي ترد عليه ، ويبتدره هو بالأسئلة أحياناً ، ليُظهرَ فضله وعلمه وعلوَّ مقامه « 2 » وكان يُرسله في المهام الجليلة ، فينجزها على أحسن وجه ، فقد بعثه مراراً إلى عثمان بن عفان لما اشتكى الناس إلى عليّ – عليه السّلام أمره « 3 » ، وبعثه إلى الكوفة ، وبعث معه عمار بن ياسر ، فعزل أبا موسى الأشعري الذي كان يثبّط الناس عن أمير المؤمنين في قتال أصحاب الجمل ، واستنفر الناس للجهاد ، فنفروا ، وجاء إلى أبيه بعشرة آلاف مقاتل .
وكان الإمام الحسن – عليه السّلام من أوسع الناس صدراً وأسجحهم خلقاً ، زاهداً ، عابداً ، عظيم الخشوع ، وكان أحد الأجواد المشهورين ، حجّ خمساً وعشرين حجة ماشياً ، والنجائب تُقاد معه ، وخرج من ماله مرتين ، وقاسم اللَّه تعالى مالَه ثلاث مرات ، وكان إذا توضأ ارتعدت فرائصه ، واصفرّ لونه .
وكان شجاعاً ، مقداماً ، خاض مع أبيه حروب الجمل وصفين والنهروان ، واقتحم بنفسه الاخطار ، حتى قال أمير المؤمنين – عليه السّلام وقد رآه يتسرّع إلى الحرب في بعض أيام صفين : أملكوا عني هذا الغلام لا يهدّني ، فإني أنفس بهذين يعني الحسن والحسين « عليهما السلام » على الموت ، لئلَّا ينقطع نسل رسول اللَّه – صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم .
ولما استشهد الإمام علي – عليه السّلام في شهر رمضان سنة أربعين للهجرة ، صعد الإمام الحسن – عليه السّلام المنبر ، وخطب الناس ، وتحدّث عن فضائل أبيه ، ثم قام ابن عباس بين يديه ، فقال : معاشر الناس ، هذا ابن نبيّكم ، ووصيّ إمامكم ، فبايعوه ، فاستجاب الناس ، وبادروا إلى البيعة له بالخلافة ، ثم نزل من المنبر ، فرتّب العمال وأمّر الأُمراء ، وزاد المقاتلة مائة مائة ، ثم كتب إلى معاوية بالشام يدعوه إلى الدخول في البيعة ، وترك البغي والشقاق ، من أجل صلاح المسلمين ، وحقن دمائهم ، فلم يُجب معاوية إلى ذلك ، بل أصرّ على المجابهة ، وقاد جيشاً عظيماً ، وقصد العراق ، فلما بلغ ذلك الإمام الحسن – عليه السّلام ، حثّ الناس على الجهاد ، وسار بجيشه لملاقاة معاوية ، ثم جرت أحداث بعد ذلك ، لا يسع المجال ذكرها ، وآل الامر بالامام الحسن – عليه السّلام إلى عقد الصلح مع معاوية اضطراراً ، وقد بسط العلماء والكتّاب البحث في تحليل أسباب الصلح وأهدافه ، ونتائجه ، فلتراجع في مظانها .
ولكون هذا الصلح من القضايا المهمة في تاريخ المسلمين ، وبسبب ما أُثير حوله من شبهات من بعض المغرضين ، يحسن بنا أن نُشير إلى ما ذكره ابن الأثير في الكامل ، لعله يكشف جانباً من الواقع السيئ الذي أكره الامام – عليه السّلام – على قبول الصلح .
قال : لما راسل معاوية الحسن في تسليم الامر إليه ، خطب فقال : إنّا واللَّه ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم ، وإنّما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع . . ألا إنّ معاوية دعانا لَامر ليس فيه عز ولا نصفة فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى اللَّه عزّ وجلّ بضبى السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه ، وأخذنا لكم الرضى ، فناداه الناس من كل جانب : البقية البقية « 1 » أقول : ومع هذه الروحية المهزومة ، والرغبة عن الجهاد ، والاخلاد إلى الدنيا ،
كيف يتأتى للقائد أن يقتحم بهم الميادين ، ويخوض غمرات الجهاد .
ولما تم الصلح أقام الحسن – عليه السّلام ، بالكوفة أياماً ، ثم خرج إلى المدينة ، فأقام بها إلى أن توفي ، وكانت مدة خلافته ستة أشهر وأياماً .
ومما أُثر عن الامام – عليه السّلام – من المواعظ والحكم : قال وقد دعا بنيه وبني أخيه : يا بَنيّ وبني أخي ، إنّكم صغار قوم ويوشك أن تكونوا كبار آخرين ، فتعلموا العلم ، فمن لم يستطع منكم أن يرويَه أو يحفظه ، فليكتبه ، ويجعله في بيته « 1 » وقال : من اتكل على حسن اختيار اللَّه له لم يتمنّ أنّه في غير الحالة التي اختارها اللَّه تعالى له « 2 » وقال : مَن أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان : آية محكمة ، وأخاً مستفاداً ، وعلماً مستطرفاً ، ورحمة منتظرة ، وكلمة تدلّ على الهدى ، أو تردّه عن ردى ، وترك الذنوب حياءً ، وخشية « 3 » توفّي – عليه السّلام – مسموماً سنة خمسين ، وقيل : تسع وأربعين ، وقيل غير ذلك ، ودفن بالبقيع .
قال ثعلبة بن أبي مالك : شهدنا حسن بن علي يوم مات ودفناه بالبقيع ، فلقد رأيت البقيع لو طرحت إبرة ما وقعت إلَّا على إنسان « 4 » روي أنّ معاوية لما أراد البيعة لابنه يزيد ، لم يكن شيء أثقل من أمر الحسن ابن علي وسعد بن أبي وقاص ، فدسّ إليهما سماً فماتا منه .
وكان الذي تولى ذلك من الحسن زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس .

شاهد أيضاً

الثورة الإسلامية والغزو الثقافي

كم بُذِل طوال عشرات السنين من الثروات والفكر؟ وكم ارتكبت من الجرائم والأكاذيب والدعاية المضادَّة ...