الرئيسية / بحوث اسلامية / الإحتجاج (ج1) / للطبرسي

الإحتجاج (ج1) / للطبرسي

الإحتجاج (ج1) / الصفحات: ٢٢١ – ٢٤٠

قال: أما إذ ناشدتني بالله فإنه قال: إن يتبعوا أصلع قريش يحملهم علىالمحجة البيضاء، وأقامهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم.

قال: يا بن عمر فما قلت له عند ذلك؟

قال: قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه؟

قال: وما رد عليك؟

قال: رد علي شيئا أكتمه.

قال علي: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله خبرني به في حياته، ثم أخبرني به ليلةمات أبوك في منامي، ومن رأى رسول الله صلى الله عليه وآله مناما فقد رآه. قال: فما أخبرك به؟

قال عليه السلام: فأنشدك بالله يا بن عمر لئن أخبرتك به لتصدقن؟ قال: إذنسكت. قال: فإنه قال لك حين قلت له: فما يمنعك أن تستخلفه؟ قال: الصحيفةالتي كتبناها بيننا، والعهد في الكعبة، فسكت ابن عمر.

فقال أسألك بحق رسولك لم سكت عني؟

قال سليم فرأيت ابن عمر في ذلك المجلس خنقته العبرة وعيناه تسيلان.

وأقبل أمير المؤمنين عليه السلام على طلحة، والزبير، وابن عوف، وسعد، فقال:

لئن كان أولئك الخمسة أو الأربعة كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله ما يحل لكم ولايتهموإن كانوا صدقوا ماحل لكم أيها الخمسة أو الأربعة أن تدخلوني معكم في الشورىلأن إدخالكم إياي فيها خلاف على رسول الله صلى الله عليه وآله ورد عليه.

ثم أقبل على الناس فقال: أخبروني عن منزلتي فيكم وما تعرفوني به أصادقأنا فيكم أم كاذب؟ قالوا: صدوق لا والله ما علمناك كذبت قط في الجاهلية ولاالإسلام قال: فوالله الذي أكرمنا أهل البيت بالنبوة، وجعل منا محمدا وأكرمنابعده بأن جعلنا أئمة للمؤمنين، لا يبلغ عنه غيرنا، ولا تصلح الإمامة والخلافة إلافينا، ولم يجعل لأحد من الناس فيها معنا أهل البيت نصيبا ولا حقا، أما رسولالله صلى الله عليه وآله خاتم النبيين ليس بعده نبي ولا رسول، ختم برسول الله الأنبياء إلى يومالقيامة، وجعلنا من بعد محمد خلفاء في أرضه وشهداء على خلقه فرض طاعتنا في كتابه

٢٢١

وقرننا بنفسه ونبيه، في غير آية من القرآن، فالله عز وجل جعل محمدا نبيا، وجعلناخلفاء من بعده في كتابه المنزل، ثم أن الله عز وجل أمر نبيه أن يبلغ ذلك أمتهفبلغهم كما أمره الله، فأيكما أحق بمجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ومكانه؟ وقد سمعتمرسول الله صلى الله عليه وآله حين بعثني ببراءة فقال: ” لا يبلغ عني إلا رجل مني “.

أنشدتكم بالله أسمعتم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قالوا: ” اللهم نعم، نشهدأنا سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله حين بعثك ببرائة “.

فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يصلح لصاحبكم أن يبلغ عنه صحيفة (١)أربع أصابع، ولن يصلح أن يكون المبلغ عنه غيري، فأيهما أحق بمجلسه ومكانهالذي سمي بخاصه، إنه من رسول الله صلى الله عليه وآله ومن حضر مجلسه من الأمة؟

فقال طلحة: قد سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله، ففسر لنا كيف لا يصلحلأحد أن يبلغ عن رسول الله غيرك؟ وقد قال – لنا ولسائر الناس -: ” ليبلغ الشاهدالغائب ” فقال – بعرفة في حجة الوداع -: ” نصر الله امرءا سمع مقالتي فوعاهاثم بلغها غيره، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه،ثلاث لا يحل عليهن قلب امرء مسلم أخلص العمل لله عز وجل: السمع، والطاعةوالمناصحة لولاة الأمر ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم “. وقال:

في غير موطن – ” ليبلغ الشاهد الغائب “.

فقال علي عليه السلام: إن الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم، ويوم عرفةفي حجة الوداع، في آخر خطبة خطبها حين قال: ” إني قد تركت فيكم أمرينلن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله، وأهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قدعهد إلي أنهما لا يفترقان حتى يردا علي الحوض، كهاتين ولا أقول كهاتين – فأشار إلىسبابته وإبهامه، لأن أحدهما قدام الآخر – فتمسكوا بهما لن تضلوا ولا تزالوا، ولاتقدموهم، ولا تخلفوا عنهم، ولا تعلموهم، فإنهم أعلم منكم ” إنما أمر الله العامةجميعا أن يبلغوا من لقوا من العامة إيجاب طاعة الأئمة من آل محمد عليهم السلام وإيجاب

(١) يريد الصحيفة التي كتبت بها سورة براءة.

٢٢٢

٢٢٣

ما ألف عمر فجمع له الكتاب، وحمل الناس على قراءة واحدة، فمزق مصحفأبي بن كعب، وابن مسعود، وأحرقهما بالنار؟

فقال له علي عليه السلام، يا طلحة إن كل آية أنزلها الله جل وعلا على محمد عنديبإملاء رسول الله وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله على محمد وكل حراموحلال أو حد أو حكم أو شئ تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة مكتوب بإملاءرسول الله صلى الله عليه وآله وخط يدي، حتى أرش الخدش (١).

قال طلحة: كل شئ من صغير وكبير أو خاص أو عام كان أو يكون إلىيوم القيامة فهو عندك مكتوب؟

قال: نعم وسوى ذلك، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أسر إلي في مرضه مفتاح ألف بابمن العلم يفتح من كل باب ألف باب، ولو أن الأمة منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآلهاتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، يا طلحة ألست قد شهدترسول الله صلى الله عليه وآله حين دعا بالكتف ليكتب فيه ما لا تضل أمته، فقال صاحبك إننبي الله يهجر (٢)، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وتركها؟ فقال، بلى قد شهدته.

(١) الأرش: الدية.

(٢) في شرح النهج لابن أبي الحديد ص ٢٠ من الج ٢ مسندا عن علي بن عبد اللهبن العباس عن أبيه قال: -لما حضرت رسول الله ” ص ” الوفاة – وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب -قال رسول الله ” ص “: ” إئتوني بكتاب وصحيفة، أكتب لكم كتابا لا تضلون بعدي “فقال عمر: كلمة معناها أن الوجع قد غلب على رسول الله ” ص “. ثم قال: عندناالقرآن حسبنا كتاب الله فاختلف من في البيت واختصموا فمن قائل يقول: ” القولما قال رسول الله ” ص ” ومن قائل يقول: ” القول ما قال عمر ” فلما أكثروا اللغطواللغو والاختلاف، غضب رسول الله ” ص ” فقال: ” قوموا إنه لا ينبغي لنبي أنيختلف عنده هكذا ” فقاموا. فمات رسول الله ” ص ” في ذلك اليوم، -فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية: ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله ” ص “

=>

٢٢٤

قال: فإنكم لما خرجتم أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله بالذي أراد يكتبويشهد عليه العامة، فأخبره جبرئيل أن الله قد قضى على أمتك الاختلاف والفرقةثم دعا بصحيفة فأملى علي ما أراد أن يكتب في الكتف، وأشهد على ذلك ثلاثةرهط: سلمان، وأبا ذر، والمقداد. وسمى من يكون من أئمة الهدى الذين أمرالله بطاعتهم إلى يوم القيامة (١) فسماني أولهم، ثم ابني هذا وأشار بيده إلى الحسنوالحسين. ثم تسعة من ولد ابني الحسين، كذلك كان يا أبا ذر ويا مقداد؟ فقاما ثمقالا: نشهد بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله.

فقال طلحة: والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ” ما أقلت الغبراء ولاأظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق ولا أبر عند الله من أبي ذر ” وأنا أشهد أنهما لميشهدا إلا بالحق، ولأنت عندي أصدق وأبر منهما.

ثم أقبل علي عليه السلام فقال: اتق الله يا طلحة وأنت يا زبير، وأنت يا سعد،وأنت يا بن عوف. اتقوا الله وآثروا رضاه، واختاروا ما عنده، ولا تخافوا في الله لومة لائم.

<=

قال ابن أبي الحديد قلت: هذا الحديث قد خرجه الشيخان: محمد بن إسماعيل البخاريومسلم بن الحجاج القشيري في صحيحيهما، واتفق المحدثون كافة على روايته.

(١) ينابيع المودة ص ٤٤٠ قال:

وفي فرائد السمطين بسنده عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

قدم يهودي يقال له: ” الأعتل ” فقال: يا محمد أسألك عن أشياء تلجلج في صدريمنذ حين، فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك، قال: ” سل يا أبا عمارة ” فقال: يا محمدصف لي ربك.. إلى أن قال: صدقت فاخبرني عن وصيك من هو؟ فما من نبي إلاوله وصي، وإن نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون. فقال: ” إن وصي علي بنأبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين “. قال:

يا محمد فسمهم لي قال: ” إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى على فابنه محمد، فإذا مضىمحمد فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه علي، فإذا مضىعلى فابنه محمد، فإذا مضى محمد فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه الحسن، فإذا مضى الحسنفابنه الحجة محمد المهدي فهؤلاء اثنى عشر ” الخ.

٢٢٥

ثم قال طلحة: لا أراك يا أبا الحسن أجبتني عما سألتك عنه من أمر القرآنإلا تظهره للناس؟

قال: يا طلحة عمدا كففت عن جوابك، فاخبرني عما كتب عمر وعثمانأقرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة: بل قرآن كله.

قال: إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار، ودخلتم الجنة، فإن فيه حجتناوبيان حقنا، وفرض طاعتنا.

قال طلحة حسبي أما إذا كان قرآن فحسبي. ثم قال طلحة: فاخبرني عمافي يدك من القرآن وتأويله، وعلم الحلال والحرام، إلى من تدفعه ومن صاحبهبعدك؟ قال: إن الذي أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن أدفعه إليه وصبي وأولي الناسبعدي بالناس ابني الحسن، ثم يدفعه ابني الحسن إلى ابني الحسين، ثم يصير إلى واحد بعدواحد من ولد الحسين حتى يرد آخرهم حوضه، هم مع القرآن لا يفارقونه والقرآنمعهم لا يفارقهم، أما إن معاوية وابنه سيليان بعد عثمان، ثم يليها سبعة من ولدالحكم بن أبي العاص، واحد بعد وأحد، تكملة اثنا عشر أمام ضلالة، وهم الذينرأى رسول الله صلى الله عليه وآله على منبره: يردون الأمة على أدبارهم القهقري (١) عشرةمنهم من بني أمية ورجلان أسسا ذلك لهم وعليهما مثل جميع أوزار هذه الأمة إلىيوم القيامة.

وفي رواية أبي ذر الغفاري (٢) أنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله جمع

(١) تفسير الطبري ج ١٥ ص ٧٣ والقرطبي ج ١٠ ص ٢٨٣ من طريق سهلابن سعد قال:

رأى رسول الله ” ص ” بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فمااستجمع ضاحكا حتى مات. وأنزل الله تعالى: ” وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنةللناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا. الأسراء: ٦٠

(٢) أبو ذر الغفاري. واسمه. جندب – بالجيم المضمومة والنون الساكنة والدالغير المعجمة المفتوحة. والباء المنقطة تحتها نقطة – بن جنادة – بالجيم المضمومة والنون

=>

٢٢٦

علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه

<=

والدال بعد الألف غير المعجمة – وقيل جندب بن السكن وقيل بريد بن جنادة.

عن عبد الله بن الصامت قال: قال لي أبو ذر: ” يا بن أخي صليت قبل الإسلامبأربع سنين ” قلت له من كنت تعبد؟ قال: (إله السماء) قلت فأين كانت قبلتك قال:

(حيث وجهني الله عز وجل).

وهو رابع من أسلم من الرجال فأول من أسلم علي بن أبي طالب، ثم أخوه جعفرالطيار، ثم زيد بن حارثة، وكان أبو ذر رحمه الله رابعهم.

وأمره رسول الله صلى الله عليه وآله بالرجوع إلى أهله وقال له: (انطلق إلى بلادك حتىيظهر أمرنا) فرجع إليها حتى ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فهاجر إلى المدينة وآخىالنبي صلى الله عليه وآله بينه وبين المنذر بن عمرو في المؤاخاة الثانية، وهي مؤاخاة الأنصار معالمهاجرين بعد الهجرة بثمانية أشهر، ثم شهد مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله.

وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء على ذي لهجةأصدق من أبي ذر يعيش وحده، ويموت وحده، ويحشره وحده، ويدخل الجنة وحده.

وقال: صلى الله عليه وآله أبو ذر في أمتي شبيه عيسى بن مريم في زهده وورعه.

وقال أمير المؤمنين (ع) وعى أبو ذر علما عجز الناس عنه، ثم أولى عليه فلميخرج شيئا.

وعن أبي عبد الله (ع): دخل أبو ذر على رسول الله صلى الله عليه وآله ومعه جبرئيلفقال جبرئيل: من هذا يا رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: أبو ذر. قال أبو ذر أما إنه فيالسماء أعرف منه في الأرض، سل عن كلمات يقولهن إذا أصبح. قال: فقال يا أبا ذركلمات تقولهن إذا أصبحت فما هن؟ قال يا رسول الله (اللهم إني أسألك الإيمان بكوالتصديق بنبيك، والعافية من جميع البلايا، والشكر على العافية، والغنى عن شرار الناس)وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله لم يرتد أبو ذر، وامتنع عن البيعة لأبي بكر. وأنكرعليه قيامه مقام النبي صلى الله عليه وآله وغصبه للخلافة، وهو أحد الأركان الأربعة وهم: سلمانوالمقداد، وحذيفة، وأبو ذر، وممن حضر تشييع فاطمة، ولزم عليا عليه السلام وجاهربذكر مناقب أهل البيت، ومثالب أعدائهم، وصبر على المشقة والعناء.

وما كانت تأخذه في الله لومة لائم. وكان يقول: أوصاني خليلي بست:

=>

٢٢٧

بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح

<=

حب المساكين، وأن أنظر إلى من هو فوقي، وأن أقول الحق وإن كان مرا،وأن لا تأخذني في الله لومة لائم.

وقال له فتى من قريش مرة: أما نهاك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال: أرقيبأنت على؟ فوالذي نفسي بيده لو وضعتم الصمامة هيهنا، ثم ظننت إني منفذ كلمة سمعتهامن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن تحتزوا لأنفذتها.

وبينا هو واقف مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوما إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: (يا أبا ذرأنت رجل صالح وسيصيبك بلاء بعدي) قال أبو ذر: في الله؟ قال: (في الله) فقالأبو ذر: مرحبا بأمر الله.

ولما قام ثالث القوم نافجا حضنيه – كما قال أمير المؤمنين (ع) – بين نثيله ومعتلفهوقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع. كان من الطبيعي أن يشتدنكير أبي ذر على الدولة الأموية، والسلالة الخبيثة، والشجرة الملعونة.

فأرسل إليه عثمان ” ٢٠٠ ” دينار بيد موليين له وقال لهما انطلقا إلى أبي ذر وقولاله: إن عثمان يقرئك السلام ويقول لك: هذه ” ٢٠٠ ” دينار فاستعن بها على ما نابك.

فقال أبو ذر: هل أعطى أحدا من المسلمين مثل ما أعطاني؟ قالا: لا. فردها عليه.

ودخل يوما على عثمان، وكانوا يقتسمون مال عبد الرحمن بن عوف وكان عندهكعب فقال عثمان لكعب: ما تقول فيمن جمع هذا المال فكان يتصدق منه، ويعطي فيالسبل ويفعل ويفعل. قال كعب: إني لأرجو له خيرا، فغضب أبو ذر ورفع العصاعلى كعب وقال: ” يا بن اليهودية أنت تعلمنا معالم ديننا، وما يدريك ليودن صاحب هذاالمال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه “.

ولما اشتد إنكاره على عثمان نفاه إلى الشام، فواصل النكير على عثمان ومعاوية،وكان يقول: والله إني لأرى حقا يطمى، وباطلا يحيى، وصادقا مكذبا، وإثرة بغيرتقى، وصالحا مستأثرا عليه.

فكتب معاوية بذلك إلى عثمان فكتب إليه أن احمل أبا ذر على باب صعبة، وقتبثم ابعث من ينجش به نجشا عنيفا حتى يدخل به على.

ثم نفاه عثمان إلى الربذة وشيعه عند خروجه إلى الربذة أمير المؤمنين، والحسن،

=>

٢٢٨

القوم، فوثب عمر وقال: يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه، فأخذه عليه السلام وانصرفثم أحضروا زيد بن ثابت – وكان قاريا للقرآن – فقال له عمر: إن عليا جاءبالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار، وقد رأينا أن نؤلف القرآن ونسقط منهما كان فيه فضيحة وهتك للمهاجرين والأنصار، فأجابه زيد إلى ذلك، ثم قال: فإنأنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطلكل ما عملتم؟ قال عمر: فما الحيلة؟ قال زيد: أنتم أعلم بالحيلة، فقال عمر:

ما حيلته دون أن نقتله ونستريح منه، فدبر في قتله على يد خالد بن الوليد فلميقدر على ذلك، وقد مضى شرح ذلك.

فلما استخلف عمر سأل عليا عليه السلام أن يدفع إليهم القرآن فيحرفوه فيمابينهم، فقال: يا أبا الحسن إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكرحتى نجتمع عليه، فقال عليه السلام: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكرلتقوم الحجة عليكم، ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا ماجئتنا به أن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، قال عمر:

فهل لإظهاره وقت معلوم. فقال عليه السلام: نعم إذا قام القائم من ولدي، يظهره ويجملالناس عليه، فتجري السنة به صلوات الله عليه (١).

وقال سليم بن قيس: بينا أنا وحبش بن معمر بمكة إذ قام أبو ذر وأخذ

<=

والحسين عليهم السلام ومات رحمه الله في الربذة سنة ” ٣٢ ” وصلى عليه ابن مسعود.

خلاصة العلامة ص ٣٦، رجال، الكشي ص ٢٧ تهذيب التهذيب ج ١٢ ص ٩٠ حليةالأولياء ج ١ ص ١٥٦، صفة الصفوة ج ١ ص ٢٣٨ وج ١ م رجال المامقاني، رجالالشيخ الطوسي ص ١٣ – ٣٦.

(١) ذكر المجلسي في بحار الأنوار ج ٨ ص ٤٦٢ بعد نقل هذه الرواية عنالاحتجاج ما يلي:

أقول روى الصدوق ” ره ” مختصرا من هذا الاحتجاج عن أبيه وابن الوليد معاعن سعد عن ابن يزيد عن حماد بن عيسى عن أذينة عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس

٢٢٩

بحلقة الباب ثم نادى بأعلا صوته في الموسم: ” أيها الناس من عرفني فقد عرفني،ومن جهلني فأنا جندب بن جنادة، أنا أبو ذر أيها الناس إني قد سمعت نبيكميقول: ” إن مثل أهل بيتي في أمتي كمثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجىومن تركها غرق، ومثل باب حطة في بني إسرائيل ” أيها الناس إني سمعت نبيكميقول: ” إني تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب اللهوأهل بيتي إلى آخر الحديث ” فلما قدم إلى المدينة بعث إليه عثمان وقال له: ” ماحملك على ما قمت به في الموسم ” قال: عهد عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وأمرني بهفقال من يشهد بذلك، فقام علي والمقداد فشهدا، ثم انصرفوا يمشون ثلاثتهمفقال عثمان: ” إن هذا وصاحبيه يحسبون أنهم في شئ “.

وروي: أن يوما من الأيام قال عثمان بن عفان لعلي بن أبي طالب عليه السلام:

” إن تربصت بي فقد تربصت بمن هو خير مني ومنك ” قال علي عليه السلام: ومن هو خيرمني، قال: أبو بكر وعمر. فقال علي عليه السلام: كذبت أنا خير منك ومنهما عبدتالله قبلكم وعبدته بعدكم.

قال سليم بن قيس: حدثني سلمان والمقداد، وحدثنيه بعد ذلك أبو ذر، ثمسمعته من علي بن أبي طالب عليه السلام، قالوا: إن رجلا فاخر علي بن أبي طالب عليه السلامفقال رسول الله لما سمع به لعلي بن أبي طالب: فاخر العرب وأنت أكرمهم ابنعما، وأكرمهم صهرا، وأكرمهم زوجة، وأكرمهم ولدا، وأكرمهم أخا، وأكرمهمعما، وأعظمهم حلما، وأكثرهم علما، وأقدمهم سلما، وأعظمهم غنا بنفسك ومالك،وأقرأهم بكتاب الله، وأعلمهم بسنتي، وأشجعهم لقاء، وأجودهم كفا، وأزهدهمفي الدنيا، وأشدهم اجتهادا، وأحسنهم خلقا، وأصدقهم لسانا، وأحبهم إلى اللهوإلي، وستبقى بعدي ثلاثين سنة تعبد الله وتصبر على ظلم قريش لك، ثم تجاهدهمفي سبيل الله إذا وجدت أعوانا، فتقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت معي علىتنزيله، ثم تقتل شهيدا تخضب لحيتك من دم رأسك، قاتلك يعدل عاقر الناقة فيالبغض إلى الله والبعد منه.

٢٣٠

قال سليم بن قيس: جلست إلى سلمان وأبي ذر والمقداد فجاء رجل من أهلالكوفة فجلس إليهم مسترشدا، فقال له سلمان: ” عليك بكتاب الله فالزمه، وعليابن أبي طالب فإنه مع القرآن لا يفارقه، فأنا أشهد أنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآلهيقول: ” إن عليا يدور مع الحق حيث دار، وإن عليا هو الصديق والفاروق يفرقبين الحق والباطل ” قال: فما بال القوم يسمون أبا بكر الصديق وعمر الفاروققال: نحلهما الناس اسم غيرهما كما نحلوهما خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله، وإمرة المؤمنين.

لقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وأمرهما معنا فسلمنا جميعا على علي بأمرة المؤمنين.

وروى القاسم بن معاوية (١) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: هؤلاء يروونحديثا في معراجهم أنه لما أسري برسول الله رأى على العرش مكتوبا لا إله إلا الله،محمد رسول الله أبو بكر الصديق، فقال: ” سبحان الله غير وأكل شئ حتى هذا “قلت: نعم. قال: ” إن الله عز وجل لما خلق العرش كتب عليه لا إله إلا الله،محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل الماء كتب في مجراه:

لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل الكرسيكتب على قوائمه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق اللهعز وجل اللوح كتب فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولماخلق الله إسرافيل كتب على جبهته: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنينولما خلق الله جبرئيل كتب على جناحيه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليأمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل السماوات كتب في أكتافها: لا إله إلا اللهمحمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل الأرضين كتب فيأطباقها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولما خلق الله عز وجل

(١) لم أعثر في كتب الرجال على صاحب هذا الاسم ولعله القاسم بن بريد بنمعاوية العجلي عده الشيخ الطوسي في أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام وفي خلاصةالعلامة: القاسم بن بريد – بالباء المنقطة تحتها نقطة مضمومة – ابن معاوية العجلي ثقةروى عن أبي عبد الله ” ع “.

٢٣١

الجبال كتب في رؤسها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنين، ولماخلق الله عز وجل الشمس كتب عليها: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي أمير المؤمنينولما خلق الله عز وجل القمر كتب عليه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليأمير المؤمنين، وهو السواد الذي ترونه في القمر فإذا قال أحدكم لا إله إلا الله، محمدرسول الله فليقل علي أمير المؤمنين عليه السلاموعن عبد الله بن الصامت (١) قال: رأيت أبا ذر آخذا بحلقة باب الكعبة مقبلابوجهه للناس وهو يقول:

أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فسأنبئه باسمي أنا جندبابن السكن بن عبد الله أنا أبو ذر الغفاري أنا رابع أربعة ممن أسلم مع رسولالله صلى الله عليه وآله سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: وذكر الحديث بطوله إلى قوله، ألا أيتهاالأمة المتحيرة بعد نبيها، لو قدمتم من قدمه الله وأخرتم من أخره الله، وجعلتمالولاية حيث جعلها الله، لما عال ولي الله، ولما ضاع فرض من فرائض الله، ولااختلف اثنان في حكم من أحكام الله، إلا كان علم ذلك عند أهل بيت نبيكم،فذوقوا وبال ما كسبتم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن العلم الذي هبط به آدم من الجنةوما فضلت به النبيون عليهم السلام في عترة نبيكم، فأين يتاه بكم؟

قال سليم بن قيس: سأل رجل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال – وأنا أسمع -أخبرني بأفضل منقبة لك، قال: ما أنزل الله في كتابه؟ قال: وما أنزل لله فيك

(١) عبد الله بن الصامت، ابن أخي أبي ذر عنونه ابن داود في الباب الأولكذلك، ونسب إلى الشيخ ” ره ” في رجاله عده من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلاممضيفا إلى ما في العنوان قوله: ممن أقام بالبصرة وكان شيعيا انتهى. ولكني لم أقف علىذلك في رجال الشيخ ” ره “، وعندي نسخ عديدة مصححة، ليس من ذلك في شئ منهاأثر وإنما الموجود فيها: عبادة بن صامت آخر ما نسبه في رجال الشيخ ” ره ” فهوسهو من قلمه الشريف. رجال المامقاني ج ٢ ص ١٨٩

٢٣٢

قال ” أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه (١) ” أنا الشاهد من رسولالله صلى الله عليه وآله وقوله: ” ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بينيوبينكم ومن عنده علم الكتاب (٢) ” إياي عنى بمن عنده علم الكتاب فلم يدعشيئا أنزله الله فيه إلا ذكره، مثل قوله: ” إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنواالذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ” وقوله: ” أطيعوا الله وأطيعواالرسول وأولي الأمر منكم (٣) ” وغير ذلك، قال قلت: فاخبرني بأفضل منقبة

(١) هود: ١٧الحمويني في فرائد السمطين أخرج بسنده عن ابن عباس وبسنده عن زاده وهماعن علي كرم الله وجهه قال: إن رسول الله ” ص ” كان على بينة من ربه وأنا التاليالشاهد منه. -أيضا ابن المغازلي أخرج بسنده عن عباد بن عبد الله قال: سمعت عليا كرم اللهوجهه يقول في خطبته – ما نزلت آية من كتاب الله إلا وقد علمت متى أنزلت، فيمنأنزلت، وما من قريش رجل إلا وقد نزلت فيه آية من كتاب الله عز وجل تسوقه إلىجنة أو نار قال رجل: يا أمير المؤمنين فما نزلت فيك؟ قال: أما تقرأ ” أفمن كان علىبينة من ربه ويتلوه شاهد منه الآية فرسول الله على بينة من ربه وأنا التالي الشاهد منهينابيع المودة ص ٩٩

(٢) الرعد: ٤٣.

عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال:

سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن هذه الآية: (الذي عنده علم من الكتاب) قال:

(ذاك وزير أخي سليمان بن داود (ع). وسألته عن قول الله عز وجل: (قل كفىبالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) قال: ذاك أخي علي بن أبي طالب.

ينابيع المودة ص ١٠٣

(٣) النساء: ٥٩.

في ص ١١٤ من ينابيع المودة قال:

في المناقب في تفسير مجاهد: إن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين (ع) حين خلفه

=>

٢٣٣

لك من رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال نصبه إياي يوم غدير خم فقال لي بالولاية بأمر اللهعز وجل. وقوله أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وسافرت مع رسول الله صلى الله عليه وآلهليس له خادم غيري، وكان له لحاف ليس له لحاف غيره، ومعه عائشة وكانرسول الله ينام بيني وبين عائشة ليس علينا ثلاثتنا لحاف غيره، فإذا قام إلى صلاةالليل يخط بيده اللحاف من وسطه بيني وبين عائشة حتى يمس اللحاف الفراش الذيتحتنا، فأخذتني الحمى ليلة فأسهرتني فسهر رسول الله صلى الله عليه وآله لسهري، فبات ليلتهبيني وبين مصلاه يصلي ما قدر له، ثم يأتيني يسألني وينظر إلي فلم يزل ذلك دأبهحتى أصبح فلما صلى بأصحابه الغداة قال: ” اللهم اشف عليا وعافه فإنه، أسهرنيالليلة مما به ” ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: – بمسمع من أصحابه -: ” أبشر يا علي “قلت: بشرك الله بخير يا رسول الله وجعلني فداك، قال: ” إني لم أسأل الله الليلة شيئاإلا أعطانيه، ولم أسأله لنفسي شيئا إلا سألت لك مثله، وإني دعوت الله عز وجلأن يؤاخي بيني وبينك ففعل، وسألته أن يجعلك ولي كل مؤمن ومؤمنة ففعلوسألته أن يجمع عليك أمتي بعدي فأبى علي ” فقال رجلان أحدهما لصاحبه:

” أرأيت ما سأل؟ فوالله لصاع من تمر خير مما سأل: ولو كان سأل ربه أن ينزلعليه ملكا يعينه على عدوه، أو ينزل عليه كنزا ينفقه وأصحابه فإن بهم حاجةكان خيرا مما سأل، وما دعا عليا قط إلى خير إلا استجاب له.

 

* * *

احتجاجه (ع) على الناكثين بيعته في خطبة خطبها حين نكثوها.

فقال: إن الله ذا الجلال والإكرام لما خلق الخلق واختار خيرة من خلقهواصطفى صفوة من عباده، وأرسل رسولا منهم، وأنزل عليه كتابه، وشرع له دينه

<=

رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى حينقال موسى: أخلفني في قومي وأصلح.

٢٣٤

وفرض فرائضه، فكانت الجملة قول الله عز وجل ذكره حيث أمر فقال: ” أطيعواالله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ” فهو لنا أهل البيت خاصة دون غيرنا،فانقلبتم على أعقابكم، وارتددتم ونقضتم الأمر، ونكثتم العهد، ولم تضروا اللهشيئا، وقد أمركم الله أن تردوا الأمر إلى الله وإلى رسوله وإلى أولي الأمر منكمالمستنبطين للعلم، فأقررتم ثم جحدتم، وقد قال الله لكم: ” أوفوا بعهدي أوفبعهدكم وإياي فارهبون (١) ” إن أهل الكتاب والحكمة والأيمان آل إبراهيم عليه السلامبينه الله لهم فحسدوا، فأنزل الله جل ذكره: ” أم يحسدون الناس على ما آتاهمالله من فضله، فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (٢) “” فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (٣) ” فنحن آل إبراهيمفقد حسدنا آبائنا، وأول من حسد آدم الذي خلقه الله عز وجل بيدهونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء كلها، واصطفاه علىالعالمين، فحسده الشيطان فكان من الغاوين، ثم حسد قابيل هابيل فقتله فكان منالخاسرين، ونوح حسده قومه فقالوا: ” ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلونويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (٤) ” وللهالخيرة يختار من يشاء ويختص برحمته من يشاء ويؤتي الحكمة والعلم منيشاء ثم حسدوا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله، ألا ونحن أهل البيت الذين أذهب الله عنهمالرجس، ونحن المحسودون كما حسد آبائنا، قال الله عز وجل: ” إنأولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي (٥) ” وقال: ” وأولوا الأرحامبعضهم أولى ببعض في كتاب الله (٦) ” فنحن أولى الناس بإبراهيم، ونحن ورثناهونحن أولوا الأرحام الذين ورثنا الكعبة، ونحن آل إبراهيم، أفترغبون عن ملة

(١) البقرة: ٤٠

(٢) النساء: ٥٤

(٣) النساء: ٥٥

(٤) المؤمنون: ٣٣ – ٣٤

(٥) آل عمران ٦٨

(٦) الأحزاب: ٦

٢٣٥

إبراهيم؟ وقد قال الله تعالى: ” ومن تبعني فإنه مني (١) ” يا قوم أدعوكم إلى اللهوإلى رسوله، وإلى كتابه، وإلى ولي أمره، وإلى وصيه ووارثه من بعده، فاستجيبوالنا، واتبعوا آل إبراهيم، واقتدوا بنا، فإن ذلك لنا آل إبراهيم فرضا واجباوالأفئدة من الناس تهوي إلينا، وذلك دعوة إبراهيم عليه السلام حيث قال: ” فاجعل أفئدةمن الناس تهوي إليهم (٢) ” فهل نقمتم منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل علينا، ولاتتفرقوا فتضلوا، والله شهيد عليكم، قد أنذرتكم، ودعوتكم، وأرشدتكم، ثمأنتم وما تختارون.

 

* * *

احتجاج أمير المؤمنين (ع) على الزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله لماأزمعا على الخروج عليه والحجة في أنهما خرجا من الدنيا غير تائبين من نكثالبيعة.

روي عن ابن عباس رحمه الله أنه قال: كنت قاعدا عند علي عليه السلام حين دخلعليه طلحة والزبير فاستأذناه في العمرة فأبى أن يأذن لهما، وقال: قد اعتمرتمافأعادا عليه الكلام فأذن لهما، ثم التفت إلي فقال: والله ما يريدان العمرة، وإنمايريدان الغدرة قلت له فلا تأذن لهما فردهما، ثم قال لهما: والله ما تريدان العمرةوما تريدان إلا نكثا لبيعتكما، وفرقة لأمتكما، فحلفا له فأذن لهما، ثم التفت إليفقال: والله ما يريدان العمرة قلت: فلم أذنت لهما؟ قال، حلفا لي بالله، قال:

فخرجا إلى مكة فدخلا على عائشة فلم يزالا بها حتى أخرجاها.

وروي أنه عليه السلام قال عند توجههما إلى مكة للاجتماع مع عايشة للتأليبعليه بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه:

أما بعد فإن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وآله للناس كافة، وجعله رحمة للعالمين

(١) إبراهيم: ٣٦

(٢) إبراهيم: ٣٧

٢٣٦

فصدع بما أمر به (١) وبلغ رسالات ربه، فلم به الصدع (٢) ورتق به الفتق (٣)وأمن به السبل (٤) وحقن به الدماء (٥) وألف بين ذوي الأحن (٦) والعداوةوالوغر في الصدور، والضغائن الراسخة في القلوب، ثم قبضه الله إليه حميدا لميقصر في الغاية التي إليها أدى الرسالة، ولا بلغ شيئا كان في التقصير عنه عند الفقدوكان من بعده ما كان من التنازع في الأمرة، وتولى أبو بكر، وبعده عمر، ثمعثمان، فلما كان من أمره ما كان أتيتموني فقلتم: ” بايعنا ” فقلت: ” لا أفعل “فقلتم: ” بلى ” فقلت: ” لا ” وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم فجذبتموها،وتداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتليوأن بعضكم قاتل بعض، فبسطت يدي فبايعتموني مختارين، وبايعني في أولكمطلحة والزبير طائعين غير مكرهين، ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة، والله يعلمأنهما أرادا الغدرة، فجددت عليهما العهد في الطاعة، وأن لا يبغيا للأمة الغوائل،فعاهداني، ثم لم يفيا لي، ونكثا بيعتي، ونقضا عهدي، فعجبا من انقيادهما لأبي بكروعمر، وخلافهما لي ولست بدون أحد الرجلين، ولو شئت أن أقول لقلت:

” اللهم اغضب عليهما بما صنعا وظفرني بهما “.

وقال: عليه السلام في أثناء كلام آخر.

وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل النبوة، ولا من ذرية الرسول، حين رأياأن قد رد علينا حقنا، بعد أعصر فلم يصبرا حولا كاملا، ولا شهرا كاملا، حتىوثبا علي، دأب الماضين قبلهما، ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني، ثمدعا عليهما.

(١) صدع بالأمر: أبانه وأظهره

(٢) الصدع: الكسر.

(٣) الرتق: ضد الفتق وهو: الالتيام.

(٤) السبل: الطرق.

(٥) حقنت دمه: خلاف هدرته، كأنك جمعته في صاحبه.

(٦) الأحن: الضغائن.

٢٣٧

وعن سليم بن قيس الهلالي قال: لما التقى أمير المؤمنين عليه السلام أهل البصرة يومالجمل. نادى الزبير يا أبا عبد الله أخرج إلي: فخرج الزبير ومعه طلحة. فقال لهماوالله إنكما لتعلمان وأولوا العلم من آل محمد وعائشة بنت أبي بكر: أن كل أصحابالجمل ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وآله، وقد خاب من افترى.

قالا كيف نكون ملعونين ونحن أصحاب بدر وأهل الجنة؟!

فقال عليه السلام: لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم، فقال لهالزبير: أما سمعت حديث سعيد بن عمرو بن نفيل وهو يروي: أنه سمع من رسولالله صلى الله عليه وآله يقول: ” عشرة من قريش في الجنة “؟ قال علي عليه السلام: سمعته يحدثبذلك عثمان في خلافته، فقال الزبير أفترا كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال لهعلي عليه السلام: ” لست أخبرك بشئ حتى تسميهم ” قال الزبير: أبو بكر، وعمر،وعثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبوعبيدة بن الجراح، وسعيد بن عمرو بن نفيل. فقال له علي عليه السلام: ” عددت تسعةفمن العاشر؟ ” قال له: أنت قال علي عليه السلام: قد أقررت أني من أهل الجنة، وأماما ادعيت لنفسك وأصحابك فإنا به من الجاحدين الكافرين، قال له، أفتراهكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال عليه السلام: ما أراه كذب، ولكنه والله اليقين. فقالعلي عليه السلام: والله إن بعض من سميته لفي تابوت في شعب في جب في أسفل درك منجهنم، على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنم رفع تلك الصخرة،سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وإلا أظفرك الله بي وسفك دمي على يديك، وإلا أظفرنيالله عليك وعلى أصحابك وسفك دمائكم على يدي وعجل أرواحكم إلى النار، فرجعالزبير إلى أصحابه وهو يبكي.

وروي نصر بن مزاحم (١) أن أمير المؤمنين عليه السلام حين وقع القتال وقتلطلحة، تقدم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله الشهباء بين الصفين، فدعا الزبير فدنى إليه حتى

(١) نصر بن مزاحم المنقري العطار، أبو الفضل كوفي مستقيم الطريقة صالحالأمر، غير أنه يروي عن الضعفاء، كتبه حسان كما في خلاصة العلامة

٢٣٨

٢٣٩

الحرب التي جنيتها، وعن لحوقك بأهلك. فقال: أما خذلي عثمان فأمر قدم اللهفيه الخطية، وأخر فيه التوبة، وأما بيعتي عليا، فلم أجد منها بدا، إذ بايعهالمهاجرون والأنصار. وأما نقضي بيعته، فإنما بايعته بيدي دون قلبي. وأماإخراجي أم المؤمنين، فأردنا أمرا وأراد الله أمرا غيره. وأما صلاتي خلف ابنيفإن خالته قدمته فتنحى ابن جرموز عنه. وقال: قتلني الله إن لم أقتلك.

وروي أنه جيئ إلى أمير المؤمنين برأس الزبير وسيفه، فتناول سيفه وقال:

طالما والله جلى به الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن الحين، ومصارع السوءوروي أنه عليه السلام لما مر على طلحة من بين القتلى قال اقعدوه فأقعد فقال: إنه كانتلك سابقة من رسول الله، لكن الشيطان دخل في منخريك فأوردك النار.

وروي أنه مر عليه فقال: هذا ناكث بيعتي، والمنشئ للفتنة في الأمةوالمجلب علي الداعي إلى قتلي وقتل عترتي، أجلسوا طلحة: فأجلس. فقال أميرالمؤمنين: يا طلحة بن عبيد الله قد وجدت ما وعدني ربي حقا، فهل وجدت ماوعدك ربك حقا؟ ثم قال: أضجعوا طلحة! وسار فقال له بعض من كان معه:

يا أمير المؤمنين أتكلم طلحة بعد قتله؟ فقال أما والله سمع كلامي كما سمع أهل القليبكلام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر. وهكذا فعل عليه السلام بكعب بن شور القاضي، لمامر به قتيلا، وقال: هذا الذي خرج علينا في عنقه مصحف، يزعم أنه ناصر أمه (١)يدعو الناس إلى ما فيه، وهو لا يعلم ما فيه، ثم استفتح وخاب كل جبار عنيد أماإنه دعا الله أن يقتلني فقتله الله.

وروي أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة بسهم رماه به.

وروي أيضا أن مروان بن الحكم يوم الجمل كان يرمي بسهامه في العسكرينمعا، ويقول: من أصبت منهما فهو فتح، لقلة دينه، وتهمته للجميع، وقيل: إناسم الجمل الذي ركبته يوم الجمل عائشة ” عسكر ” من ولد إبليس اللعين ورؤيمنه ذلك اليوم كل عجيب، لأنه كلما أبتر منه قائمة من قوائمه ثبت على أخرى

(١) أي ناصر عائشة.

شاهد أيضاً

الصلاة على محمد وآله في الميزان – البغدادي 3

آية الصلاة على النبي (ص) في بحوث أربعة قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه ...