الرئيسية / من / الصحة والعافية / الآداب الطبّيّة في الإسلام

الآداب الطبّيّة في الإسلام

الطب … والفقيه :

وهكذا .. واذا كان الطب هو احدى تلك المجالات الواسعة التي تخضع للاحكام والتشريعات الاسلامية بشكل مباشر احيانا ، او غير مباشر احيانا اخرى .. فان من الطبيعي ان يرجع الطبيب والمريض ، وغيرهما ممن له علاقة في هذا المجال ـ الى الكتب التي الفها الرجل الاعلم في التشريع الاسلامي للتعرف على

٨٦

لاحكام الشرعية باستمرار ، لان ذلك يؤثر في احيان كثيرة على مواقفهم وتصرفاتهم بشكل عام …

الطب في الاعتبار الشرعي :

لاشك في ان الطب يعتبر وظيفة شرعية ، وواجبا كفائيا ، يعاقب الكل على تركه ، ويسقط عنهم بقيام بعضهم به ، ويمكن ان يؤيد ذلك بـ :

١ ـ ما روى عن الصادق عليه‌السلام. قال : لا يستغنى اهل كل بلد عن ثلاثة يفزع اليه في امر دنياهم ، وآخرتهم؟ فان عدموا ذلك كانوا همجا : فقيه عالم ورع ، وامير خير مطاع ، وطبيب بصير ثقة (١).

٢ ـ وما روى عن ابي عبد الله عليه‌السلام ، قال : كان المسيح عليه‌السلام يقول : ان التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، وذلك ان الجارح اراد فساد المجروح ، والتارك لاشفائه لم يشأ صلاحه ؛ فاذا لم يشأ صلاحه ؛ فقد شاء فساده اضطرارا الخ (٢).

هذا كله … عدا عن ان الاسلام يعتبر المؤمنين اخوة ، يجب الاهتمام بأمورهم ، وقضاء حاجاتهم ، ومعونتهم ، وان يعضد بعضهم بعضا ، في مواقع الابتلاء ، وان يفيد المؤمن اخاه ، وان ينفس كربته الى غير ذلك مما لا يمكن حصره … ولا يمكن ان تكون الناحية الطبية مستثناة من ذلك في اي من الظروف والاحوال ، ان لم تكن من اجلى مصاديق الكثير من تلك الاوامر المتضافرة والمتواترة ..

اهمية الطب اسلاميا :

وعدا عن كون الطب مسؤولية دينية تصل الى حد الوجوب الكفائي …

__________________

(١) تحف العقول ص ٢٣٨ ، والبحار ج ٧٨ ص ٢٣٥ ، وسفينة البحار ج ٢ ص ٧٨.

(٢) روضة الكافي ص ٣٤٥ ، والفصول المهمة ص ٤٠٤ ، والوسائل ج ٢ ص ٦٢٩ وج ١١ ص ٤٠١.

٨٧

فانه يكفى للتدليل على الاهمية الخاصة لهذا العلم بنظر الاسلام ، انه قد اعتبره هو وعلم الاديان ـ ومعهما غيرهما ، كما في بعض النصوص ـ هما العلمان اللذان ينبغي التوجه اليهما ، والعمل في سبيل الحصول عليهما ؛ فعن امير المؤمنين عليه‌السلام :

العلم علمان : علم الاديان ، وعلم الابدان (١).

وعنه (ع) : العلم ثلاثة : الفقه للاديان ، والطب للابدان ، والنحو للسان (٢) ..

وبلفظ الكراجكي في جواهره : العلوم اربعة : الفقه للاديان : والطب للابدان ، والنحو للسان ، والنجوم لمعرفة الازمان (٣) …

رسالية الطب :

وعدا عن كون الطب مسؤولية دينية ؛ فانه ايضا ضرورة اجتماعية انسانية ، ورسالة اخلاقية ، ومسؤولية عقلية .. فـ :

١ ـ هو ضرورة انسانية اجتماعية ؛ حيث يفترض في الانسان ان يساهم في دفع المسيرة الانسانية نحو تحقيق اهدافها وتطلعاتها ، وآمالها بالسعادة والهناء ، وبالوصول الى اعلى مراتب الكمال الانساني المنشود ، حيث تختفى كل عوامل ومظاهر الشقاء ، والتعب والعناء …

__________________

(١) طب الامام الصادق عليه‌السلام ص ١٧ وقضاء امير المؤمنين (ع) للتستري ص ١٤٤.

(٢) تحف العقول ص ١٤٤ ، وطب الامام الصادق عليه‌السلام ص ١٧ والبحار ج ٧٨ ص ٤٥.

(٣) طب الامام الصادق ص ١٧ وكنز الفوائد للكراجكي ص ٢٤٠ والبحار ٢ ج ص ٢١٨.

٨٨

٢ ـ وهو مسؤولية عقلية ؛ حيث لابد منه لاجل بقاء النوع الانساني ، وللتخفيف من شقاء وبلاء وآلام هذا الانسان …

٣ ـ وهو بالتالي رسالة اخلاقية .. لامجال للمراء او التشكيك فيها ، حيث تعبر عن سمو وكمال نفسي يرضى النفوس ويطمئنها ويريحها .. ولاجل ذلك لا نجد احدا يعذر الطبيب الذي يمتنع عن معالجة مريضه ـ اذا كان يقدر على ذلك اذا تعلل بعدم او بقلة ما يبذل له من مال ، ونجد الناس كلهم يعتبرون ذلك الطبيب فاقدا للاخلاق النبيلة والفاضلة …

الطب والتجارة

وهكذا يتضح : ان الطب بنظر الاسلام ليس حرفة يهدف منها الى جمع المال ، والحصول على حطام الدنيا وانما هو رسالة انسانية ومسؤولية شرعية بالدرجة الاولى …

لان الحرفة التي يهدف صاحبها الى ان يستخدمها في الحصول على المال … تجعل لصاحبها الخيار في ان يتعامل مع هذا او مع ذاك ، اذا وجد ان تعامله هذا يدر عليه نفعا يرضيه … وان لا يتعامل معه اذا شاء ، حينما لا يجد في تعامله ذلك ما يرضى جشعه ، ويشبع جوعه ونهمه …

وليس ذلك للطبيب قطعا ؛ فان التارك لشفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لامحالة كما تقدم ..

ولا يملك ان يتساهل او ان يتعلل ، انتظارا للاجرة او لزيادتها ، او لاي سبب آخر .. كما انه لايجوز له ان يتساهل او ان يتوانى في معالجته له .. كما سنرى ان شاء الله تعالى …

٨٩

الاجرة للطبيب :

ولكن ما قدمناه لا يعنى : ان لايأخذ الطبيب اجرا اصلا ، فان ذلك معناه ان يكون كثير من الاطباء عالة على الاخرين ، كما ان ذلك يستدعى عدم اقبال الناس على تعلم هذا العلم ، واتقانه ، فضلا عن النبوغ والابداع فيه ، وهو بالتالي يحرم الانسانية من عنصر هام ، بل هو من اهم عناصر راحتها وسعادتها ، بل وتقدمها في مختلف مدارج الكمال ، والعظمة والمجد.

ولاجل ذلك نجد : ان الامام العسكري عليه‌السلام يعطى الطبيب الذي فصده تخت ثياب ، وخمسين دينارا (١).

واعطاه ايضا في مرة اخرى ـ على الظاهر ـ ثلاثة دنانير ، وكان الطبيب نصرانيا (٢).

وفي رواية عن علي عليه‌السلام : ما دون السمحاق (٣) اجر الطبيب (٤).

وعن ابن عباس : ان النبي (ص) احتجم واعطى الحجام اجره (٥). والروايات الدالة على جواز اخذ الحجام للاجرة كثيرة جدا ، وهي موجودة في كثير من المصادر.

__________________

(١) الوسائل ج ١٢ ص ٧٥ عن الخرائج والجرائح.

(٢) الوسائل ج ١٢ ص ٧٤ وفي هامشه عن الخرائج والجرائح ص ٢١٣ وعن اصول الكافي ص ٢٨٥.

(٣) السمحاق : قشرة رقيقة فوق عظم الرأس.

(٤) التهذيب للطوسي ج ١٠ ص ٢٩٣ ح ١٨ والوسائل ج ١٩ ص ٢٩٤ و ٣٠٤.

(٥) الموطأ مع تنوير الحوالك ج ٣ ص ١٤١ والطب النبوي لابن القيم ص ٤١ وفي هامشه عن الترمذي ، وابي داود ، وابن ماجة ، والمصنف لعبد الرزاق ج ١١ ص ٣٠ وفي هامشه عن البخاري كتاب الاجارة ٤ / ٣٠٨ وعن مسلم ايضا.

٩٠

الا ان ثمة رواية عن سماعة تخالف ذلك ، وقد حملها الشيخ على الكراهة (١).

وقال العلامة قدس‌سره في المنتهى : « .. يجوز الاستيجار للختان ، وخفض الجواري ، والمداواة ، وقطع السلع ، واخذ الاجرة عليه. لانعلم فيه خلافا ؛ لانه فعل مأذون فيه شرعا ، يحتاج اليه ، ويضطر الى فعله ؛ فجاز الاستيجار عليه كسائر الافعال المباحة. وكذا عقد الاستيجار للكحل ، سواء كان الكحل من العليل او الطبيب. وقال بعض الجمهور : ان شرط على الطبيب لم يجز » (٢).

واما بالنسبة للدواء ، فقد روى محمد بن مسلم ، عن ابي جعفر عليه‌السلام ، قال : سألته عن الرجل يعالج الدواء للناس ؛ فيأخذ عليه جعلا؟ فقال : لا بأس به (٣).

التجارة : .. السطحية :

وواضح : انه اذا اصبح الهدف من تعلم الطب هو الحصول على المال والنوال ، وخلا من الاحساس الانساني ، والدفع العاطفي ، ومن المسؤولية الشرعية والاخلاقية … فانه عدا عن ان ذلك يمكن ان يجعل من هذا العلم ـ كما جعل من كثير غيره ـ وبالا على الانسان وعلى الانسانية … لابد وان تقل فيه نسبة الابداع والعمق ، بحيث لاينسجم ذلك مع حجم العمل والعاملين فيه … ولايبقى ثمة ما يؤهله لان يقدم للامة وللاجيال المزيد من المعارف الدقيقة والهامة ، ويفتح امامها آفاقا جديدة

__________________

(١) راجع : قرب الاسناد ص ٥٢ و ٥٣ ، والاستبصار ج ٣ ص ٥٨ ـ ٦٠ و ٦٤ والوسائل ج ١٢ ص ٧١ ـ ٧٤ وفي هوامشه عن : التهذيب ج ٢ ص ١٠٧ و ١٠٩ وعن فروع الكافي ج ١ ص ٣٦٠ وعن الفقيه ج ٢ ص ٥٢ و ٥٦ وعن البحار ج ١٠ ص ٢٦٧ وعن العلل ، وغير ذلك كثير …

(٢) البحار ج ٦٢ ص ٦٥.

(٣) من لا يحضره الفقيه ج ٣ ص ١٠٧ والبحار ج ٦٢ ص ٧٢ والوسائل ج ١.

٩١

في مجالاته المختلفة … كما .. وتصبح المؤسسات الطبية مجرد حرف جافة لاتهتم باسعاد هذا الانسان بقدر ما تهتم بسلبه ونهب ثرواته ، ومن ثم بزيادة شقائه وبلائه ..

نعم .. وحينئذ تبدأ عملية العد العكسي لازدهار العلوم ، ويتجه المتعلمون ـ في الاكثر ـ الى السطحية ، ثم الى الجهل الذي يستتبع الكثير من التدليس والتزيف … ثم ان يفقد الانسان اخلاقياته وانسانيته ، وليتحول الى موجود خسيس ورذل ، ويكون كالبهيمة المربوطة ، همها علفها ، على حد تعبير امير المؤمنين عليه‌السلام.

حبس الجهال من الاطباء :

ولاجل ما تقدم … نجد ان الاسلام قد وقف في وجه هذه الظاهرة بقوة وحزم ، حتى لقد روى عن امير المؤمنين عليه‌السلام قوله :

« يجب على الامام ان يحبس الفساق من العلماء ، والجهال من الاطباء الخ … » (١).

نعم … يجب ذلك ؛ لان ممارسة الجاهل لاعمال الطب ، كثيرا ما تزيد من آلام ومتاعب المريض ، وتعرض راحته ، ومستقبله ـ ان لم نقل تعرض حياة الكثيرين ـ للاخطار الجسام … وكما ان فساق العلماء يفسدون الدين ، فان جهال الاطباء يفسدون الابدان ، ويسلبون الانسان الراحة والسعادة في الدنيا ، فيجب ردعهم ، والوقوف في وجههم ، بكل قوة وشدة …

ضمان الجاهل لما يفسده :

وانطلاقا مما تقدم … فان الجهال اذا مارسوا الطب ، وافسدوا ما يفترض

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ج ٣ ص ٢٠ والتهذيب للشيخ ج ٦ ص ٣١٩ والنهاية للشيخ ايضا ص ٦٢ ، والوسائل ج ١٨ ص ٢٢١ ، وقصار الجمل ج ١ ص ٢٩٩.

٩٢

فيهم ان يصلحوه ؛ فانهم يكونون مسؤولين عن افسادهم ذاك عقلا ، وعرفا ، وشرعا ، لقاعدة : الضمان على كل متلف … فاذا ادى ذلك الى الموت : فانه يضمن دية الخطاء كما هو معلوم.

وذلك امر مفروغ عنه بين الفقهاء « بلا خلاف في ذلك » بل في التنقيح : « الطبيب القاصر المعرفة ضامن لما يتلفه بعلاجه اجماعا » (١).

كما ان هذا الامر مجمع عليه لدى اهل العلم من غير شيعة اهل البيت عليهم‌السلام (٢).

كما انهم قد رووا عنه (ص) قوله : « من تطبب ولم يعلم منه الطب ( قبل ذلك ) فهو ضامن ». وبمعناه غيره (٣).

وفي نص آخر : « من تطبب ولم يكن بالطب معروفا ، فاذا اصاب نفسا فما دونها ؛ فهو ضامن » (٤) … والتعبير بتطبب ظاهر بأنه يريد : انه قد دخل فيما فيه عسر وكلفة ، من قبيل تشجع ، وتصبر ، ونحو ذلك …

__________________

(١) راجع : الجواهر ج ٤٣ ص ٤٤ و ٤٥ والمسالك كتاب الديات ، موجبات الضمان ، والرياض ج ٢ ص ٥٣٧ ومباني تكلمة المنهاج ج ٢ ص ٢٢٢ ، وعن مجمع البرهان كتاب الديات ص ١. فان هؤلاء جميعا قد نصوا على عدم الخلاف في ذلك ، او نقلوا الاجماع عن التنقيح.

(٢) الطب النبوي لابن القيم ص ١٠٩.

(٣) كنز العمال ج ١٠ ص ١٦ ، ورمز الى : مستدرك الحاكم ، وسنن ابي داود ، وابن ماجة ، والبيهقي ، والنسائي ، والطب النبوي لابن القيم ص ١٠٧ عن بعض من ذكر ، والتراتيب الادارية ج ١ ص ٤٦٦ عن الدار قطني وغيره.

(٤) التراتيب الادارية ج ١ ص ٢٦٦ ، وكنز العمال ج ١٠ ص ١٧ عن ابن عدي في الكامل ، وابن السني ، والبيهقي ، وابي نعيم في الطب ، وراجع المصنف لعبد الرزاق ج ٩ ص ٤٧٠.

٩٣

ضمان العارف بالطب :

هذا .. ولاريب في ضمان العارف بالطب ، اذا قصر في اداء مهمته ، سواء اخذ البراءة من المريض ، او من وليه ، ام لا ، وسواء عالجه باذن منه ، ام لا. والظاهر عدم الخلاف في ذلك. هذا … عدا عما يترتب على ذلك من مسؤولية شرعية.

والظاهر : ان ما ورد : من ان عليا عليه‌السلام قد ضمن ختاناً قطع حشفة غلام (١). قد كان من اجل تقصيره في اداء وظيفته …

قال ابن ادريس ، « والرواية هذه صحيحة لا خلاف فيها » (٢) ، وقد حمل الرواية على صورة التفريط ؛ فراجع.

واما اذا لم يقصر في اداء مهمته ، وكان حاذقا ماهرا ، وتلف المريض ، او تعطل بعض اعضائه بسببه ، فان كان المريض صغيرا ، او مجنونا ، وكان الطبيب قد اخذ البراءة من وليه ، او كان المريض بالغا عاقلا وقد اخذ البراءة منه .. فانه لا يضمن.

وقد روى عن ابي عبد الله عليه‌السلام ، انه قال : قال امير المؤمنين عليه‌السلام : « من تطبب او تبيطر ، فليأخذ البراءة من وليه ، والا فهو له ضامن » (٣).

وضعف سندها منجبر بعمل المشهور. بل ادعى عليه الاجماع (٤). وليس هذا

__________________

(١) التهذيب للشيخ ج ١٠ ص ٢٣٤ ، والسرائر ص ٤٢٩ ، والكافي ج ٧ ص ٣٦٤ ، والوسائل ج ١٩ ص ١٩٥ ، والمسالك ، كتاب الديات ، بحث موجبات الضمان ، والرياض ج ٢ ص ٥٣٩ ، وقصار الجمل ج ١ ص ٤٠٤ ، ومباني تكملة المنهاج ج ٢ ص ٢٣٣.

(٢) السرائر ص ٤٢٩.

(٣) الكافي ج ٨ ص ٣٦٤ ، التهذيب ج ١٠ ص ٢٣٤ ، والوسائل ج ١٩ ص ١٩٥ ؛ والنهاية للشيخ ص ٧٦٢ ، وقصار الجمل ج ١ ص ٤٠٤ ، والمسالك ، كتاب الديات ، في موجبات الضمان. والشرايع نفس البحث ج ٤ ص ٢٤٩ والرياض ج ٢ ص ٥٣٧ ، ومباني تكملة المنهاج ج ٢ ص ٢٢٢ وبمعناه عن علي عليه‌السلام في المصنف لعبد الرزاق ج ٩ ص ٤٧١.

(٤) راجع : المسالك ج ٢ كتاب الديات باب موجبات الضمان والجواهر ج ٤٣ ص ٤٦ / ٤٧.

٩٤

من الابراء قبل ثبوت الحق ، وانما هو من قبيل الاذن في الشيء ، المقتضى لعدم ثبوت الحق ، مضافا الى انه لو لم يجز التبري لم يقدم طبيب على علاج (١).

وهل يكفي اذن المريض او وليه للطبيب بالعلاج من دون ابراء في عدم ضمانه؟ ربما يقال : انه لا يضمن حينئذ ، وذلك « لان الضمان يسقط بالاذن ، ولأنه فعل سائغ شرعا » فلا يستعقب ضمانا (٢).

ولكن هذه الحجة غير كافية ، فان كونه سائغا شرعا لايوجب سقوط الضمان (٣) ، والسائغ هو المعالجة لا الاتلاف ، وهو لم يؤذن به .. ، واما قوله : ان الضمان يسقط بالاذن … فيمكن ان يكون له وجه ، اذا قلنا : انه من قبيل اقدام المريض ، او وليه على تحمل نتائج عمل الطبيب ، ورضاهم بها ، لو اتفق وقوعها … فهو من قبيل الابراء … ولكن الظاهر : هو ان اذنهم لا يدل على عدم مطالبتهم بالدية والضمان في صورة التلف ، فهم يأذنون بالعلاج استنادا الى ان الشارع قد ضمن لهم حقهم في صورة اتلاف الطبيب لمريضه ، او لعضو منه ، فتبقى قاعدة : الضمان على من اتلف على حالها .. ولاجل كون ذلك مرتكزاً لدى العرف نجد : انه لو اخذ البعض ولده الى الطبيب ، فعالجه ، فمات بسبب ذلك العلاج ؛ فانه يشتكي عليه ، ويعتبر مسؤولا عن اتلاف ولده (٤).

واما الاستدلال على الضمان هنا بالاجماع ، فهو في غير محله ، لان الظاهر ، او على الاقل يحتمل : انه اجماع على القاعدة ، التي هي : الضمان على من اتلف ؛ فلا يكون حجة ..

وكذا لايصح الاستدلال باطلاق رواية تضمين علي عليه‌السلام للختان … على الضمان هنا ، لانها قضية في واقعة لا اطلاق فيها ، فيحتمل قويا ان يكون تضمينه

__________________

(١) راجع : الجواهر ج ٤٣ ص ٤٨ ،٤٧ وهامش الوسائل ج ١٩ ص ١٩٥ والشرايع ج ٤ ص ٢٤٩.

(٢) الشرايع ج ٤ ص ٢٤٩ والجواهر ج ٤٣ ص ٤٥.

(٣) الجواهر ج ٤٣ ص ٤٦ ومثل له بالضرب للتأديب.

(٤) راجع : الجواهر ج ٤٣ ص ٤٦.

٩٥

له بسبب تفريطه وتقصيره في اداء مهمته ، كما اشرنا اليه سابقا. وقد اشار الى ما ذكرناه ايضا في الجواهر ، فراجع.

ولو اقدم الطبيب الحاذق على العلاج من دون اذن احد ، استناداً الى وجوب ذلك عليه ، لرواية : التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، وذلك مقدمة لحفظ النفس المحترمة ، فتلف المريض بسببه ، فانه يضمن ايضا ، لان التلف سبب للضمان ، فهو من قبيل تأديب الصبي ، ونحوه (١).

روايتان لا ربط لهما بالضمان :

وفي رواية « قلت ( اي للامام الصادق عليه‌السلام ) : انا نبط الجرح ، ونكوى بالنار؟ قال : لابأس ، قلت : نسقى هذه السموم : الاسمحيقون ، والغاريقون؟ قال : لا بأس : قلت : انه ربما مات ، قال : وان مات (٢) ».

وعن حمدان بن اسحاق ، قال : كان لي ابن ، وكانت تصيبه الحصاة ، فقيل لي : ليس له علاج الا ان تبطه ، فبططته ، فمات ، فقالت الشيعة : شركت في دم ابنك قال : فكتبت الى ابي الحسن ، صاحب العسكر ، فوقع ـ صلوات الله عليه ـ يا احمد ليس عليك فيما فعلت شيء ، انما التمست الدواء ، وكان اجله فيما فعلت (٣).

فالرواية الاولى ليست ناظرة للضمان ولا لعدمه … وانما هي ناظرة الى جواز الاقدام على ذلك وعدمه … وان ادى الى موت المريض.

وفي الثانية كان الممارس لبط الجرح هو الولي نفسه ، وتعليله عليه‌السلام بقوله : انما التمست الدواء وكان اجله فيما فعلت ، ليس تعليلا لعدم الضمان ، ليؤخذ بعموم التعليل ، بل هو ناظر لنفي العقاب الاخروي ، حيث اعتبر الشيعة :

__________________

(١) راجع : المسالك والجواهر ج ٤٣ ص ٤٥.

(٢) روضة الكافي ص ١٩٣ والفصول المهمة ص ٤٠٢ والبحار ج ٦٢ ص ٦٧ والوسائل ج ١٧ ص ١٧٧ وطب الامام الصادق ص ٥٩.

(٣) الكافي ج ٦ ص ٥٣ والبحار ج ٦٢ ص ٦٨.

٩٦

أنه قد شرك في دم ابنه … هذا بالاضافة الى عدم وضوح سند الرواية.

والخلاصة : انه لابأس بأن يأخذ الطبيب الحاذق البراءة من ولي المريض ، اذا كان المريض صبيا او مجنونا ، او من المريض نفسه ، اذا اراد ان يقدم على العلاج الذي يحتمل فيه الخطر على المريض ، حتى لا يتعرض للضمان الذي ينشأ عن التلف المحتمل.

شاهد أيضاً

عزاء طويريج دراسة تاريخية

عزاء طويريج دراسة تاريخية عزاء طويريج دراسة تاريخية ملاحظة: قبل قراءة الموضوع عزاء أقدم عزاء ...