الرئيسية / من / الشعر والادب / أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام

الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء

المتوفى ١٣٧٣ ه‍

خذوا الماء من عيني والنار من قلبي
ولا تحملوا للبرق منا ولا السحب
ولا تحسبوا نيران وجدي تنطفي
بطوفان ذاك المدمع السافح الغرب
ولا أن ذاك السيل يبرد غلتي
فكم مدمع صب لذي غلة صب
ولا أن ذاك الوجد مني صبابة
لغانية عفراء أو شادن ترب
نفى عن فؤادي كل لهو وباطل
لواعج قد جرعنني غصص الكرب
ابيت لها أطوي الضلوع على جوى
كأني على حجر الغضا واضع جنبي
رزاياكم يا آل بيت محمد
أغص لذكراهن بالمنهل العذب
عمى لعيون لا تفيض دموعها
عليكم وقد فاضت دماكم على الترب
وتعسا لقلب لا يمزقه الاسى
لحرب به قد مزقتكم بنو حرب
فواحرتا قلبي وتلكم حشاشتي
تطير شظاياها بواحرتا قلبي
أأنسى وهل ينسى رزاياكم التي
ألبت على دين الهداية ذولب
أأنساكم هوى القلوب على ظمى
تذادون ذود الخمس عن سايغ الشرب
أأنسى بأطراف الرماح رؤوسكم
تطلع كالاقمار في الانجم الشهب
أأنسى طراد الخيل فوق جسومكم و
ما وطأت من موضع الطعن والضرب
أأنسى دماء قد سفكن وادمعا
سكبن واحرارا هتكن من الحجب
أأنسى بيوتا قد نهبن ونسوة
سلبن وأكبادا اذبن من الرعب
أأنسى اقتحام الظالمين بيوتكم
تروع آل الله بالضرب والنهب
٤٦
أأنسى اضطرام النار فيها وما بها
سوى صبية فرت مذعرة السرب
أأنسى لكم في عرصة الطف موقفاً
على الهضب كنتم فيه أرسى من الهضب
تشاطرتم فيه رجالا ونسوة
ـ على قلة الانصار ـ فادحة الخطب
فأنتم به للقتل والنبل والقنا
ونسوتكم للاسر والسبي والسلب
اذا أوجبت أحشاءها وطأة العدى
علا ندبها لكن على غوثها الندب
وان نازعتها الحلي فالسوط كم له
على عضديها من سوار ومن قلب
وان جذبت عنها البراقع جددت
براقع تعلوهن حمرا من الضرب
وان سلبت منها المقانع قنعت
اذا بثت الشكوى عن السلب بالسب
وثاكلة جنت فما العيس في الفلا
وناحت فما الورقاء في الغصن الرطب
تروي الثرى بالدمع والقلب ناره
تشب وقد يخطي الحيا موضع الجدب
تثير على وجه الثرى من حماتها
ليوث وغى لكن موسدة الترب
نيام على الاحقاف لكن بلا كرى
ونشوانة الاعطاف لكن بلا شرب
فكم غرة فوق الرماح وحرة
لآل رسول الله سيقت على النجب
وكم من يتيم موثق ليتيمة
ومسبية في الحبل شدت الى مسبي
بني الحسب الوضاح والنسب الذي
تعالى فأضحى قاب قوسين للرب
اذا عدت الانساب للفخر أو غدت
تطاول بالانساب سيارة الشهب
فما نسبي الا انتسابي اليكم
وما حسبي الا بأنكم حسبي
الشيخ محمد الحسين ابن شيخ العراقين البحاثة الشيخ علي ابن الحجة الشيخ محمد رضا ابن المصلح بين الدولتين الشيخ موسى ابن شيخ الطائفة الشيخ الاكبر جعفر ابن العلامة الشيخ خضر بن يحيى بن سيف الدين المالكي الجناجي النجفي.

من كبار رجالات الاسلام ومن أشهر مشاهير علماء الشيعة ومن الشخصيات العالمية التي دوت في الخافقين.

٤٧
ولد في النجف الاشرف ١٢٩٤ في بيئة طافحة بالعلم والعلماء ولم يتجاوز العقد الاول من عمره المبارك حتى كرع من العلوم وانغمس بالدراسات الاسلامية بعد العلوم العربية وأتم دراسة الفقه والاصول وهو بعد شاب ولازم حلقات دروس الاعلام كالملا كاظم الخراساني والسيد محمد كاظم اليزدي والشيخ اغا رضا الهمداني حتى عد من المبرزين وشهد له الجميع بالتفوق وتلمذ في الفلسفة والكلام على الميرزا محمد باقر الاصطهباناتي والشيخ أحمد الشيرازي والشيخ علي محمد النجف ابادي وغيرهم من أساطين الحكمة والفلسفة ، وشرع بالتأليف والتدريس فكانت حوزة محاضراته لا تقل عن مائة عالم من خيرة المحصلين وكتب ( شرح العروة الوثقى ) كما ألف ( الدين والاسلام او الدعوة الاسلامية ) الذي طبع ببغداد ولماهاجمته وداهمته سلطة الاتراك بأمر الوالي ناظم باشا وبايعاز المفتي الشيخ سعيد الزهاوي فصمم على طبعه خارج العراق فسافر الى الحج وكتب في سفرته رحلة ممتعة اسماها ( نزهة السمر ونهزة السفر ) وبعد عودته من الحج عرج على لبنان فطبع الكتابين بمطبعة العرفان ـ صيدا ، واتصل بكبار العلماء وقادة الفكر كما جرت له مناظرات مع فيلسوف الفريكة امين الريحاني وتم طبع ( المراجعات الريحانية ) كما نشرت له الصحف والمجلات من المناظرات مع الاب انستاس الكرملي وجرجي زيدان وما دار بينه وبين علماء الازهر الشيء الكثير ، وفي الحرب العالمية الاولى والحركة الوطنية سنة ١٣٣٢ كان في طليعة المجاهدين بالسيف والقلم ، ولم يزل اسمه يلمع وشهرته تتسع في الاوساط حتى اصبح المفزع للامة في كل مهمة ، وطالبه الناس عامة وخصوصا مقلدوه بنشر رسالته العملية فنشر ( وجيزة الاحكام ) باللغتين العربية والفارسية ، و ( السؤال والجواب ) و ( التبصرة ) و ( حاشية العروة الوثقى ) الى غير ذلك. يتحلى بهمة عالية فقد قام بكثير من المهام والاسفار التي احجم الكل عن القيام بها وما ذاك الا لاعتماده على الله واعتداده بنفسه ، ولما انعقد المؤتمر الاسلامي العام في القدس الشريف في شهر رجب سنة ١٣٥٠ ه‍ والمصادف كانون الاول سنة ١٩٣١ م دعي من قبل لجنة المؤتمر عدة مرات فأجاب وسافر الى القدس وهناك ما روته الصحف وكتبت عنه الكتب من نصر واقبال في خطبه التاريخية واذعان المسلمين عامة لآرائه وافكاره بكلمته حول كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.

٤٨
وبعد الفراغ من خطبته الارتجالية التي دامت ساعتين أو أكثر تقدم للصلاة فائتم به في الصلاة أكثر من عشرين الفا بينهم اعضاء المؤتمر وهم مائة وخمسون عضوا من أعيان العالم الاسلامي.

زار ايران سنة ١٣٥٢ ه‍ فمكث نحو ثمانية اشهر متجولا في مدنها داعيا الى التمسك بالمبادئ الاسلامية والأخلاق المحمدية ، فكان أين ما حل التفت حوله القلوب ولخطبه النارية في المدن الاسلامية حرارة يحسها السامعون فقد خطب باللغة الفارسية في همدان وطهران وخراسان وشيراز وكرمانشاه والمحمرة وعبادان واجتمع يومذاك بملك ايران رضا شاه بهلوي وعاد من طريق البصرة فكانت له مواقف خطابية في البصرة والناصرية والحلة ما تحدثك عنه كراسة ( الخطب الاربع ) وفي سنة ١٣٧١ ه‍ ١٩٥٢ م دعي لحضور المؤتمر الاسلامي في كراجي فاحتفلت به الباكستان واذاعت دار الاذاعة خطبته الاصلاحية وعند عودته استقبلته النجف على اختلاف طبقاتها على بعد ٣٠ كيلومترا وكنت في جملة المستقبلين فحييته في منتصف طريق ـ كربلاء ـ النجف بقصيدة وذلك يوم ٢٢ جمادى الثانية ١٣٧١ ه‍ وكان في مقدم الرتل للسيارات المستقبلة متصرف كربلاء والمفتش في وزارة الداخلية العراقية امين خالص فانشدت :

كذا يلمع القمر النير
كذا ينهض المصلح الاكبر
كذا ترتقي عاليات النفوس
وهام الاثير لها منبر
كذا يعذب العمر في مثل ذا
والا فما قدر من عمروا
كذا يشمخ العلم فوق السهى
فما عرش كسرى وماقيصر
أشيخ الشريعة بل رمزها
ومفخرها عشت يا مفخر
أقدس شخصك اذ أنه
مثال الكمال متى يذكر
اذا ما انتسبت الى جعفر
فحسبك منتسبا جعفر
لئن حسبتك الورى واحدا
( ففيك انطوى العالم الاكبر )
نهضت فبوركت من ناهض
فما وثبة الليث اذ يزأر
وابلغت في النصح في مجمع
تردد تاريخه الاعصر
تحدث ابا الصالحات التي
تعالت سناء فلا تستر
تحدث الينا فكل الحواس
شعور وأكبادنا حضر
أتينا لنصدر عن مورد
ومنك حلى الورد والمصدر
تلقتك تفرش أكبادها
وخفت للقياك تستبشر
ابا الشرع هذي يد برة
يوافيك فيها الفتى شبر
٤٩
اذا جمع الناس نيروزهم (١)
فنيروزنا وجهك الانور
فطرت ولكن بآمالنا
ورحت بارواحنا تعبر
قال رحمه الله في مقدمة كتابه ( الدين والاسلام ) : ليس الشرف الا أن يكدح الانسان في معركة الحياة حتى يكتسب امتلاك مال أو ملكة كمال اياما كان ، علما او صناعة ، خطابة او شجاعة او غير ذلك من ماديات الشرف وطلايعه ثم يخدم المرء بمساعيه تلك ومكتسباته امته وملته خدمة تعود بالهناء والراحة عليهم ، أو دفع شيء من الشرور عنهم. الشرف حفظ الاستقلال وتنشيط الافكار وتنمية غرس المعارف ، والذب والمحاماة عن نواميس الدين وأصول السعادة ، الشريف من يخدم أمته خدمة تخلد ذكره وتوجب عليهم في شريعة التكافؤ شكره ، كل يؤدي جهده وينفق مما عنده.

حياته مليئة بالحسنات وختمها بكتابيه القيمين ( الفردوس الاعلى ) و ( جنة المأوى ) طبع الاول في الارجنتين وما زلت احتفظ بنسخة الاهداء منه رحمه الله بأنامله المرتعشة قبل وفاته بشهرين فقط ، اشار عليه البعض بالسفر الى كرند للاستجمام والراحة فوافاه الاجل فجر يوم الاثنين ١٨ ذي القعدة الحرام ١٣٧٣ ونقل جثمانه الى النجف بحفاوة قل ما شوهد نظيرها ودفن بمقبرة خاصة أعدها لنفسه في وادي السلام ، وكانت الخسارة فادحة وبقي مكانه شاغرا وتجاوبت اذاعات الشرق تنعاه ويجدر بنا أن نذكر أسماء مؤلفاته لا على سبيل الحصر :

١ ـ اصل الشيعة وأصولها ، طبع أكثر من عشرين طبعة.

٢ ـ الارض والتربة طبع اكثر من مرة.

٣ ـ الآيات البينات.

٤ ـ العبقات العنبرية في الطبقات الجعفرية مخطوط.

٥ ـ تحرير المجلة في الفقه كتاب ممتع تحتاجه جميع الطبقات

__________________

١ ـ كان قدوم الشيخ قبل عيد النيروز بيوم واحد.

٥٠
وانما ألفه حيث رأى ( مجلة العدلية ) أو ( مجلة الاحكام ) المقرر تدريسها في كلية الحقوق ببغداد من زمن الاتراك وهي بحاجة الى التنقيح والتحرير ، فألف تحرير المجلة بخمسة أجزاء :

٦ ـ المثل العليا في الاسلام لا في بحمدون وبهذا الكتاب أوجد وعيا عاما.

٧ ـ الميثاق العربي الوطني.

٨ ـ مختارات الاغاني.

٩ ـ ديوان شعره. الى غير ذلك.

وهناك من أدبه المنثور والمنظوم ما تتألف منه المجلدات اذ أنه كان دائرة معارف وهذه رائعة من روائعه نظمها في ( كرند ) ليلة وفاته وقبل أن يوافيه الاجل بعشر ساعات.

يدهش اللب من كرند جبال
مثل قلب البخيل جلمود صخره
غير أن العيون منها جوار
وعيون البخيل لم تند قطره
كم دروس منها استفدت فكانت
فكرة ثم عبرة ثم عبره
يا جبال الاجيال والدهر يعدو
للفنا وهي للبقا مستقره
وقفت والزمان يمشي عليها
راكضا وهي في العلى مشمخره
قد سبقن ( الشعرى العبور ) عبورا
لجة الكون واحترزن المجرة (١)
هي مثل الحديد صم ولكن
قد كستها الاشجار أينع خضره
وينابيعها تفيض زلالا
صفق الريح بالعذوبة نهره
وعليها الطيور تشدو بلحن
جالب للثكول كل مسره
نطحت جبهة السماء ولاحت
في جبين التاريخ للارض غره
وحدة والسيول قد فرقتها
قطعا فهي وحدة وهي كثرة
كل طود كالشيخ قد غالب الكون
عراكا فقوس الدهر ظهره
سائلوها عن الملوك الخوالي
أين تيجانها وأين الاسره
__________________

١ ـ الشعرى العبور : كوكب. قال في القاموس : الشعرى العبور ، والشعرى الغميصاء من اخوات سهيل.

٥١
قصر شيرين هاهنا وعليها
ذاب ( فرهاد ) حسرة بعد حسره
كم ملوك تنعمت في ذراها
ثم راحت في عالم الذرذره
وبهذي الشعاب كم عاش شعب
قد جهلنا حتى بناه وذكره
أين ( شبديز ) حين يعلو ( أبروي‍
‍ز ) عليه فيسبق العدو فكره (١)
أين ساسان والسلاطين منه
ملأوا الارض بسط علم وقدره
قد أقمنا بها زمانا نعمنا
برده والعراق يلفح حره
نحن في الصيف والشتاء علينا
قارص يجلب الاذى والمضره
خير أوقاتنا الظهيرة فيها
نتسلى ظهر النهار وعصره
أوقفتنا تلك الجبال حيارى
نتحرى سر الجلال وسفره
يذهب الفكر صاعدا ثم يهوي
واجدا في طريقه كل عثرة
يابديع الجمال في كل قلب
نور ذاك الجمال أودع جمره
قد سقتنا تلك الشمائل كأسا
فسكرنا ولم نذق قط خمره
ان هذا الوجود بحر ولكن
اين من في الوجود يسبر قعره
ولهذي الاكوان لب ولكن
ما عرفنا حتى لحاه وقشره
ولهذي الحياة معنى ولكن
علنا بالممات نعرف سره
كتب عنه الكثير وترجموا له ولعل خير من كتب وأسهب الكاتب على الخاقاني في موسوعته شعراء الغري فقد ذكر له جملة من المنظوم والمنثور واثبت انطباعاته عنه واليكم نتفا من شعره ، قال في قصيدة عنوانها : ساعة الوداع.

سر على اليمن والشرف
ودع النفس والكلف
أيها الظاعن الذي
أخذ القلب وانصرف
__________________

١ ـ شبديز اسم فرس خاص كان قد أهدي للملك خسرو ابرويز من الروم ، وكلمة ( شبديز ) في الفارسية معناها لون الليل ، والتسمية تشعر بسواده الغامق ، ولهذا الفرس خصائص منها قوته الخارقة حتى انه كان عندما يرسل الى البيطار لا يقوى عليه أقل من عشرة رجال لامساكه ، ومنها انه كان أطول من مستوى ارتفاع خيول العالم بأربعة أشبار ، ولشدة اعتزاز الملك به كان يطعمه من كل ما يطعم منه ، ولما مات شبديز أمر الملك بتغسيله وتكفينه ودفنه ونقش صورته على الحجر تخليدا لذكراه. عن فرهنك برهان قاطع ج ٢ / ٨٥٩.

٥٢
سر معافى كما تشا
ناعم البال والكنف
فلك الفوز بالهنا
ولنا بعدك الاسف
سار عدوا وليته
لو قليلا لنا وقف
فتلفت عساك أن
تنعش النفس من تلف
يا كراما سروا وما
زودوني سوى الدنف
في وداع ولم نضع
فيه كفا لنا بكف
لهف نفسي لساعة
منك لو ينفع اللهف
ساعة للوداع ما
نلت منها ولا طرف
فرحلتم مع الاسى
وبقينا مع الاسف
يا مصابيح أوجه
لا عدمناك في السرف
يا مفاتيح السن
لا فقدناك للغلف
لاعدمناك للخطابة
للحكم للنصف
انت ريحانة العلوم
وريحانة الظرف
انت ريحانة المشوق
اذا شفه الشغف
انت يا شمس لا كسفت
ويا بدر لا انخسف
انت تلك العصا التي
قال ( خذها ولا تخف )
انت يا جملة الجمال
ويا شرفة الشرف
انت حر كما عرفت
وحر وما عرف
لؤلؤ انت قد صفا
فحكاه لنا الصدف
اين لبنان والعراق
وأمريك والنجف
فسلام لك البقاء
وللباطل التلف
وقال وقد وقف على قبر اقبال الشاعر الفيلسوف عام ١٣٧١ ه‍ عندما زار الباكستان.

يا عارفا جل قدرا في معارفه
حياك مني اكبار واجلال
ان كان جسمك في هذا الضريح ثوى
فالروح منك لها في الخلد اقبال
تحية لك من خل اتاك على
بعد المزار بقول مثل ما قالوا
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق ان لم يسعد الحال
هذا البيت مطلع قصيدة من شعر المتنبي ، وقال : وعنوانها ( عزمات العرب ) وقد بعث بها الى امين الريحاني.

٥٣
يا عزمات العرب البواسل
هبي لحل هذه المشاكل
قومي فلا موضع للقعود أو
يسكن غلي هذه المراجل
انت رعيت الملك في شبابه
حتى احتملته على الكواهل
فكيف لا تحتمليه كاهلا
مهدد الحوزة بالغوائل
هذي الذئاب اعترضت لغابكم
تعرض البغاث للاجادل
ما الملك الا صارم وانتم
من صدره بموضع الحمائل
أين الحميات التي تسعرت
منكم بتلك الاعصر الاوائل
دكدكتم أمس عروش قيصر
وطاق كسرى وصروح بابل
فيا بقايا يعرب حسبكم
من رقدة الجهل او التجاهل
عودوا لاصل عنصر العرب الذي
كنتم به من اشرف السلائل
انتم فروع دوحة واحدة
فكيف قطعتم عرى التواصل
ما فرقت اديانكم بينكم
لكنها سياسة من خاتل
ألا مساعير يثورون لها
بسلة البيض وهز الذابل (١)
ترقص عند الحرب مهما سجعت
من الحديد سجعة العنادل
على الاخاء العربي اجتمعوا
فيا لها اخوة لعاقل
ان كان لا بد من الموت فمت
بالعز تحت عثير القساطل
تموت كي تحيا وتحيا امة
أودت بها سخيمة التواكل
تطامنت للذل بعد عزة
هزت رواسي الارض بالزلازل
واليوم عادت فضلة من بعدما
كانت لها سابقة الفواضل
يا دارهم أين بنوك والاولى
بنوك بالعلوم والفضائل
وقفت في آثار آبائي الاولى
أسأل والدمع كنهر سائل
اسألها عن باهر المجد الذي
قطوفه دانية العثاكل
اسألها عن قاهر العز الذي
أغنى عن الحصون والمعاقل
فكيف أضحى خاملا من بعدما
زها كروض الروض في الخمائل
أضاءت الشرق مصابيح له
واستشرق الغرب من الفتائل
دونكها هدية من واقف
بين رجاء آيس وآمل
تزف من مصر الى نيورك
من نجفي بهواك حافل
من خالص الاخاء لامداهن
وصادق الولاء لا مصاقل
ومن شعره الذي لم ينشر ( حماسيات روض الحزين ) وقد نظم

__________________

١ ـ اقتبس هذا البيت من شعر منصور النمري حيث قال :

الا مصاليت يغضبون لها
بسلة البيض والقنا الذابل
٥٤
على حروف الهجاء.

يا أمنا الدنيا التي لم تزل
أعق من ضب لاولاده
تستهدف الطفل وترميه
بالازراء من ساعة ميلاده
غايتنا الموت ولا يعرف
الانسان ما حكمة ايجاده
نحن بنو الارض وكل امرء
اصداره من عين ايراده
من جسمه تأخذ عند البلى
كل الذي اعطته من زاده
* * *

يا زمني اعطيتني وردة
ارتاح منها بالنسيم الشذي
وعدت فاسترجعتها آخذا
ليتك لم تعط ولم تأخذ
قذفت بي في غمرات الاسى
ولجة الوجد فمن منقذي
أودعتني السجن وقيدتني
وقلت لي ان تستطع فانفذ
وهكذا القوة والضعف والناس
على ناموسها تحتذي
* * *

أقرة عيني قصمت القرى
غداة رحلت معا والكرى
رحلت فاجريت دمعي دما
وليتك تعلم ماذا جرى
تحامل جورا علي الزمان
فاسقط من أفقي نيرا
ولم يكف حتى سطا ثانيا
فألحق بالاكبر الاصغرا
خطوب تمزق صبر الحليم
وتأمرني بعد أن أصبرا
* * *

بغداد ما سحرك عال ولا
ببالغ الذروة في الافك
لكن رجال الشعب الوانهم
في حمق تضحك بل تبكي
خدعتم في الخدع أمثالكم
فالتأم الحاكي مع المحكي
دعهم وما جروا على شعبهم
من قاصمات الظهر بالضنك
ستنجلي الغبرة عما جنوا
وخبثهم يظهر بالسبك
* * *

تحمل ولداننا للرحيل
ونحن غدا بعدهم نرحل
أتونا ضيوفا وقد أبطأوا
ولكن برحلتهم عجلوا
ثلاث سنين وكانوا بها
من ابن ثلاثين هم أكمل
وما أفضل القوم كبارها
ولكنما الاكبر الافضل
فدى لهم تالدي والطريف
لو أن الردى بالفدا يقبل
٥٥
الى كم على الدنيا الدنية تحرص
وظلك منها لم يزل يتقلص
تكد لكي تزداد بالمال ثروة
وفي كل يوم حبل عمرك ينقص
بني المال قد أخلصتم لحسابه
وأنى لكم يوم الحساب التخلص
تفحصت عن سر القضاء تيقنا
فما زادني غير الشكوك التفحص
ودنياكم ما متعتني بخيرها
ويا ليتني من شرها اتخلص
سر الحقيقة في الخليقة غامض
تنبو المعاني عنه والالفاظ
ان كان آدم قد نسي ميثاقه
أيكون في ابنائه حفاظ
لا الانبياء عظاتهم قد أثرت
فيهم ولا النصحاء والوعاظ
والناس سكرى من مدامة جهلهم
لا نائمون هم ولا أيقاظ
خفض عليك فليس فيهم مبصر
عمت العيون وأعشت الالحاظ
وقال يرثي الامام الحسين عليه‌السلام :

في القلب حر جوى ذاك توهجه
الدمع يطفيه والذكرى تؤججه
أفدي الاولى للعلى اسرى بهم ظعن
وراه حاد من الاقدار يزعجه
ركب على جنة المأوى معرسه
لكن على محن البلوى معرجه
مثل الحسين تضيق الارض فيه فلا
يدري الى أين ملجاه ومولجه
ويطلب الامن بالبطحا وخوف بني
سفيان يقلقه عنها ويخرجه
وهو الذي شرف البيت الحرام به
ولاح بعد العمى للناس منهجه
يا حائرا لا وحاشا نور عزمته
بمن سواك الهدى قد شع مسرجه
وواسع الحلم والدنيا تضيق به
سواك ان ضاق خطب من يفرجه
ويا مليكا رعاياه عليه طغت
وبالخلافة باريه متوجه
يا عاريا قد كساه النور ثوب سنى
زما بصبغ الدم القاني مدبجه
يا ري كل ظمى واليوم قلبك من
حر الظما لو يمس الصخر ينضجه
يا ميتا مات والذاري يكفنه
والارض بالترب كافورا تؤرجه
ويا مسيح هدى للراس منه على
الرماح معراج قدس راح يعرجه
ويا كليما هوى فوق الثرى صعقا
لكن محياه فوق الرمح أبلجه
ويامغيث الهدى كم تستغيث ولا
مغيث نحوك يلويه تحرجه
فأين جدك والانصار عنك ألا
هبت له أوسه منهم وخزرجه
وأين فرسان عدنان وكل فتى
شاكي السلاح لدى الهيجا مدججه
وأين عنك ابوك المرتضى أفلا
يهيجه لك اذ تدعو مهيجه
٥٦
يروك بالطف فردا بين جمع عدى
البغي يلجمه والغي يسرجه
تخوض فوق سفين الخيل بحر دم
بالبيض والسمر زخار مموجه
حاشا لوجهك يا نور النبوة أن
يحمي على الأرض مغبرا مبلجه
وللجبين بأنوار الامامة قد
زها وصخر بني صخر يشججه
أعيذ جسمك يا روح النبي بأن
يبقى ثلاثا على البوغا مضرجه
عار يحوك له الذكر الجميل ردى
ايدي صنايعه بالفخر تنسجه
والراس بالرمح مرفوع مبلجه
والثغر بالعود مقروع مفلجه
حديث رزء قديم الاصل اخرج اذ
عن الاولى صح اسنادا مخرجه
تالله ما كربلا لولا سقيفتهم
ومثل ذا الفرع ذاك الاصل ينتجه
ففي الطفوف سقوطا لسبط منجدلا
من سقط محسن خلف الباب منهجه
وبالخيام ضرام النار من حطب
بباب دار ابنة الهادي تأججه
لكن أمية جاءتكم بأخبث ما
كانت على ذلك المنوال تنسجه
سرت بنسوتكم للشام في ظعن
قبابه الكور والاقتاب هودجه
من كل والهة حسرى يعنفها
على عجاف المطي بالسيرمدلجه
كم دملج صاغه ضرب السياط على
زند بأيدي الجفاة ابتز دملجه
ولا كفيل لها غير العليل سرت
ترثي له ألم البلوى وتنشجه
تشكوعداها وتنعى قومها فلها
حال من الشجو لف الصبر مدرجه
فنعيها بشجى الشكوى تؤلفه
ودمعها بدم الاحشاء تمزجه
ويدخل الشجو في الصخر الاصم لها
تزفر من شظايا القلب تخرجه
فيا لارزائكم سدت على جزعي
بابا من الصبر لا ينفك مرتجه
يفر قلبي من حر الغليل الى
طول العويل ولكن ليس يثلجه
أود أن لا أزال الدهر انشئها
مراثيا لو تمس الطود تزعجه
ومقولي طلق في القيل أعهده
لكن عظيم رزاياكم يلجلجه
ولا يزال على طول الزمان لكم
في القلب حر جوى ذاك توهجه
وقال يرثي الامام الحسين عليه‌السلام :

لك الله من قلب بأيدي الحوادث
لعبن به الاشجان لعبة عابث
تمر به الافراح مرة مسرع
وتوقفه الاتراح وقفة ماكث
تذكر من أرزاء آل محمد
مصائب جلت من قديم وحادث
عشية خان المصطفى كل غادر
وبز حقوق المرتضى كل ناكث
٥٧
إلى ان يقول :

الى أن دبت تسري بسم نفاقهم
الى كربلا رقش الافاعي النوافث
فأخنت على آل النبي بوقعة
بها عاث في شمل الهدى كل عابث
غداة استغاث الدين بابن نبيه
فهب له من نصره خير غايث
بحلم اذا اشتد البلا غير طايش
وعزم اذا الداعي دعى غير رايث
ونجدة عزم من لوي وجوههم
تعد لكشف النائبات الكوارث
رمى لهوات الخطب فيهم فجردوا
من العزم أمثال الرقاق الغوارث
وهاجوا اشتياقا للهياج كأنما
لهم في الوغى خود الظباء الرواعث
وأطربهم وقع الظبى فكأنه
رنين المثاني عندهم والمثالث
لقد ثبتوا في موقف هان عنده
زوال الجبال الراسيات المواكث
ولما قضوا من ذمة المجد حقها
وصانوا حمى التوحيد من شعث شاعث
مضوا تأرج الارجاء من طيب ذكرهم
وتستدفع اللأوا بهم في الهنابث
والقصيدة بكاملها خمسون بيتا.

وقال أيضا في رثاء الامام ، وهذا المقطع الاول من القصيدة.

دع الدنيا فما دار الفناء
بأهل للمودة والصفاء
متى تصفو وتصفيك الليالي
وقد كونت من طين وماء
تروقك في مسرتها صباحا
وتطرق بالمساءة في المساء
تناهى كل ذي أمل فهلا
لعينك يا شباب من انتهاء
وفازت في سعادتها نفوس
وليتك لو قصرت عن الشقاء
فويلي ما أشد اليوم ضعفي
واعصائي لجبار السماء
ويا خجلي ولم أعبأ بذنب
وأهل مودتي أهل العباء
هداة الله خص بهم لواء
الهدى والحمد بورك من لواء
كفتهم ( انما ) في الذكر فاكفف
فعنك لهم بها خير اكتفاء (١)
أريد بأن أوفيهم ثناءا
وان عظموا وجلوا عن ثناء
قضوا ما بين مقتول بسم
ومحزوز الوريد من القفاء
برغم الدين أولاد الزواني
تشفت من ذراري الانبياء
__________________

١ ـ اشارة لقوله تعالى « انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل اليبت ويطهّركم تطهيرا ».

٥٨
ولا يوم أشد بلا وكربا
كيومهم بعرصة كربلاء
غداة اتت تحف أبا علي
فوارس من بني عمرو العلاء
تسارع كالشهاب الى هياج
وتنبت كالهضاب لدى اللقاء
أبوا الا الى العز انتسابا
فليس لهم أب غير الاباء
وله في رثاء الامام الشهيد ما تزيد على السبعين بيتا وهذه قطعة منها :

نفس أذابتها أسى زفراتها
فجرت بها محمرة عبراتها
وتذكرت عهد المحصب من منى
فتوقدت بضلوعها جمراتها
وأنا العصي من الابا وخلائقي
في طاعة الحر الكريم عصاتها
بأبي وبي من هم أجل عصابة
سارت تؤم من العلى سرواتها
عطرى الثياب سروا فقل في روضة
غب السحاب سرت به نسماتها
وبعزمها من مثل ما بأكفها
قطع الحديد تأججت لهباتها
فكأن من عزماتها أسيافها
طبعت ومن أسيافها عزماتها
آحادهم ألف اذا ضمت على
الف المعاطف منهم لاماتها
يسطون في الجم الغفير ضياغما
لكنما شجر القنا أجماتها
كالليث أو كالغيث في يومي وغى
وندى غدت هباتها وهباتها
حتى اذا نزلوا العراق فأشرقت
بوجودهم وسيوفهم ظلماتها
وينتهي به المطاف فيقول :

واحر قلبي يا ابن بنت محمد
لك والعدى بك أنجحت طلباتها
منعتك من نيل الفرات فلا هنا
للناس بعدك نيلها وفراتها
وعلى الثنايا منك يلعب عودها
و برأسك السامي تشال قناتها
ونساؤكم أسرى سرت بسراتها
تدعو وعنها اليوم أين سراتها
هاتيك في حر الهجير جسومها
صرعى وتلك على القنا هاماتها
بأبي وبي منهم محاسن في الثرى
للحشر تنشر فخرهم حسناتها
وله في رثاء علي الاكبر ابن الامام الحسين (ع) أول الشهداء من بني هاشم ، مطلعها :

هو الوجد يذكيه الجوى في الجوانح
فيجري بمنهل الدموع السوافح
٥٩
٦٦ بيتا.

وقال في مطلع مرثية في الحسين عليه‌السلام :

بناء المجد في شرف المساعي
وعز النفس في كرم الطباع
تأس بآل احمد يوم خفوا
اليها وثبة الاسد المراع
٣٧ بيتا.

وأخرى يرثي بها العباس بن علي تحتوي على ٧٤ بيتا مثبتة في مخطوطنا ( سوانح الافكار ) أولها.

أبا صالح ان العزا لمحرم
ومنكم بني الزهرا استحل به الدم
ومن قصائد الشيخ كاشف الغطاء في الحسين عليه‌السلام وتنشر لاول مرة.

ماذا يذم المرء من أخلاقها
دنيا ذعاف السم در فواقها (١)
بينا تريك بشاشة واذا بها
حشدت عليك الرزء من آفاقها
ما راق منها مشرب الا وقد
سلت عليه بارقات رقاقها
معشوقة لم ترتض في مهرها
الا ببذل العمر من عشاقها
خضراء تهواها العيون ولم تكن
في الخبر الا حنظلا بمذاقها
ما تم بدر مشرق في جوها
الا رمته بخسفها ومحاقها
كم من وفي العهد قد غدرت به
والغدر خير سجية بخلاقها
طرقت علي بمستقر ملمة
ما خلت أن ابقى على استطراقها
نزلت بأقصى الري الا أنها
قد سودت بالحزن وجه عراقها
لهفي على الظعن المجد الى العلى
متحمل الاقمار فوق نياقها
سيقت ظعائنهم تخب وما دروا
أن الحتوف تساق اثر مساقها
حتى اذا بلغوا وما بلغ المنى
عثر القضا فكبت على أعناقها
__________________

١ ـ الفواق فرع الناقة أو ثديها.

٦٠
واستنزل البدر المشعشع مشرقا
منه البدور تغار في اشراقها
واستخطف الاسد الملبد باسلا
تعنوا له الآساد من اشفاقها
وانحط عن أوج الفخار بنسرها
مردي نسور الجو في آفاقها
من سام هضب علاك يا سامي الذرى
هضما فحطك عن سماء رواقها
هذا الذي خطبته أبكار العلى
عن رغبة في مجده بصداقها
ذا حائز قصب المفاخر أن جرى
كان المجلي فائزا بسباقها
وفي كتاب جنة المأوى من مؤلفات المترجم له قصيدة في يوم الغدير نظمها قبل أربعين سنة وتحتوي على ٢٥ بيتا مثبتة في ديوانه الموجود في مكتبته العامة ، أولها.

امام الهدى هل أبدع الله آية
لمعناه أسمى منك شأنا وأشمخا
كم استصرخ الاسلام يدعو فلم يجد
لصرخته الا حسامك مصرخا (١)
__________________

١ ـ أثبتناها في سوانح الافكار في منتخب الاشعار ج ٤.

٦١

شاهد أيضاً

آداب الصلاة 7 سماحة الشيخ حسين كوراني

. أقرأ ايضا: أوضاع المرأة المسلمة ودورها الاجتماعي من منظور إسلامي وإذا أراد الأميركي وقف ...