استحالة الاتّصال الحقيقيّ بين جسمين، ووجود العشق بين جسمين
ثمّ لا يخفي أنّ الاتّحاد بين الشيئين لا يتصوّر إلاّ كما حقّقنا، وذلك من خاصّيّة الاُمور الروحانيّة والاحوال النفسانيّة. وأمّا الاجسام والجسمانيّات فلا يمكن فيها الاتّحاد بوجه، بل المجاورة والممازجة والمماسّة لا غير، بل التحقيق أن لا يوجد وصال في هذا العالم ولا تصل ذات إلی ذات في هذه النشأة أبداً وذلك من جهتين:
الجهة الاُولي: أنّ الجسم الواحد المتّصل إذا حقّق أمره عُلِمَ) أنّه مشوب بالغيبة والفقد، لانّ كلّ جزء منه مفقود عن صاحبه مفارق عنه، فهذا الاتّصال بين أجزائه عين الانفصال، إلاّ) أنّه لمّا لم يدخل بين تلك الاجزاء جسم مبائن ولا فضاء خال ولا حدث سطح في خلالها، قيل إنّها متّصلة واحدة وليس وحدتها وحدة خالصة عن الكثرة، فإذا كان حال الجسم في حدّ ذاته كذلك من عدم الحضور والوحدة، فكيف يتّحد له شيء آخر أو يقع الوصال بينه وبين شيء.
الجهة الثانية:) أنّه مع قطع النظر ـ كما ذكرنا لا يمكن الوصلة بين الجسمين إلاّ بنحو تلاقي السطحين منهما، والسطح خارج عن حقيقة الجسم وذاته، فإذاً لا يمكن وصول شيء من المحبّ إلی ذات الجسم الذي للمعشوق، لانّ ذلك الشيء إمّا نفسه أو جسمه أوعرض من عوارض نفسه أو بدنه، والثالث محال لاستحالة انتقال العرض، وكذا الثاني لاستحالة التداخل بين الجسمين. والتلاقي بالاطراف والنهايات لا يشفي عليلاً طالب الوصال، ولا يروي غليله.
وأمّا الاوّل فهو أيضاً محال، لانّ نفساً من النفوس لو فرض اتّصالها في ذاتها ببدن لكانت نفساً لها، فيلزم حينئذٍ أن يصير بدن واحد ذا نفسين وهو ممتنع.
ولاجل ذلك أنّ العاشق إذا اتّفق له ما كانت غاية متمنّاه، وهو الدنوّ من معشوقه والحضور في مجلس صحبته معه، فإذا حصل له هذا المتمنّي يدعي فوق ذلك، وهو تمنّي الخلوة والمجالسة معه من غير حضور أحد، فإذا سهل ذلك وخلي المجلس عن الاغيار تمنّي المعانقة والتقبيل، فإن تيسّر ذلك تمنّي الدخول في لحاف واحد والالتزام بجميع الجوارح أكثر ما ينبغي. ومع ذلك كله الشوق؛ بحاله، وحرقة النفس كما كانت، بل ازداد الشوق والاضطراب كما قال قائلهم:
والسبب اللمّيّ في ذلك أنّ المحبوب في الحقيقة ليس هو العظم ولا اللحم ولا شيء من البدن، بل ولا يوجد في عالم الاجسام ما تشتاقه النفس وتهواه، بل صورة روحانيّة موجودة في غير هذا العالم».[19]
نعم، هذه المسائل ذكرت، لنتبيّن عظمة الروح والنفس الإنسانيّة، وإنّ كلّ ما هو موجود فهو منه، وإلیه ينتهي كلّ مقام ورتبة. فالبدن جسد مسخّر لتنفيذ أوامر ونواهي النفس ليس إلاّ.
وأمّا ما أدرك منها أزيد من ذلك وهو تجرّدها وبقاؤها بعد انقطاع تصرّفها عن هذا البدن فإنّما عُرِفَ ذلك من كونها محلّ العلوم، وأنّ العلم لا ينقسم ومحلّ غير المنقسم غير منقسم، فالنفس بسيطة الذات، وكلّ بسيطة الذات غير قابل للفناء وإلاّ لزم تركّبه من قوّة الوجود والعدم وفعليّة الوجود والعدم هذا خلف.
هذا غاية عرفانهم بالنفس أو ما يقرب من هذا. ومن ظنّ) أنّه بهذا القدر عرف حقيقة النفس فقد استسمن ذا ورم»[21].
[16] ـ قال الحكيم السبزواريّ: يعني أنّ الاتّحاد، وإن حصل بمشاهدة مرّة، إلاّ) أنّه يستدعي مَلَكة الاتّحاد، لا نّه أثر هذه الصور علی جميع مدركاته.