الرئيسية / القرآن الكريم / الامثال في القران الكريم مصدرا للهداية الالهية

الامثال في القران الكريم مصدرا للهداية الالهية

16) الأمثال العربية – محمد رضا المظفة
يقول تعالى في المثال الأوّل : (فمثله كمثل صفوان عليه تراب…).
تصوّر قطعة حجر صلد تغطّيه طبقه خفيفة من التراب، وقد وضعت في هذا التراب بذور سليمة، ثمّ عرّض الجميع للهواء الطلق وأشعة الشمس، فإذا سقط المطر المبارك على هذا التراب لا يفعل شيئاً سوى اكتساح التراب والبذور وبعثرتها، ليظهر سطح الحجر بخشونته وصلابته التي لا تنفذ فيها الجذور، وهذا ليس لأنّ أشعة الشمس والهواء الطلق والمطر كان لها تأثير سيء، بل لأنّ البذر لم يزرع في المكان المناسب، ظاهر حسن وباطن خشن لا يسمح بالنفوذ إليه. قشرة خارجية من التربة لا تعين على نموّ النبات الذي يتطلّب الوصول إلى الأعماق لتتغذّى الجذور.
ويشبّه القرآن الإنفاق الذي يصاحبه الرياء والمنّة والأذى بتلك الطبقة الخفيفة من التربة التي تغطّي الصخرة الصلدة والتي لا نفع فيها .

وقال الشيخ الطوسي: ضرب الله (تعالى) هذه الآية مثلا لعمل المنافق والمنان جميعا، فإنهما إذا فعلا فعلاً لغير وجه الله أو قرنا الإنفاق بالمن والأذى، فإنهما لا يستحقان عليه ثوابا. وشبه ذلك بالصفا الذي أزال المطر ما عليه من التراب، فانه لا يقدر أحد على رد ذلك التراب عليه فكذلك إذا رفع المنان صدقته وقرن بها المن فقد أوقعها على وجه لا طريق له إلى استدراكه، وتلافيه لوقوعه على الوجه الذي لا يستحق عليه الثواب فان وجوه الأفعال تابعة للحدوث، فإذا فاتت فلا طريق إلى تلافيها وليس فيها ما يدل على أن الثواب الثابت المستقر يزول بالمنّ فيما بعد ولا بالرياء الذي يحصل فيما يتجدد فليس في الآية ما يدل على ما قالوه .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منه، ثم ردوا عليه بوقار، ولين، إما بذل يسير أو رد جميل، فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان ينظر كيف صنيعكم فيما خولكم الله تعالى .
ثمّ إنّ العبد بما انّه لا يملك شيئاً إلاّ بما أغناه الله وأعطاه، فهو ينفق من مال الله سبحانه، لاَنّه وما في يده ملك لمولاه فهو عبد لا يملك شيئاً إلاّ بتمليكه سبحانه، فمقتضى تلك القاعدة أن ينفق لله وفي سبيل الله ولا يتبع عمله بالمنّ والأذى.
وبعبارة أُخرى: أنّ حقيقة العبودية هي عبارة عن حركات العبد وسكناته لله سبحانه، ومعه كيف يسوّغ له إتباع عمله بالمنِّ والأذى.

ولذلك يقول سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالمَنّ وَالاَذى ).
ثمّ إنّه سبحانه شبّه أصحاب المنِّ والأذى بالمرائي الذي لا يبتغي بعمله مرضاة الله تعالى، ولا يقصد به وجه الله غير أن المانّ والموَذي يقصد بعمله مرضاة الله ثمّ يتبعهما بما يبطله بالمعنى الذي عرفت، والمرائي لا يقصد بأعماله وجه الله سبحانه فيقع عمله باطلاً من رأس، ولذلك صحّ تشبيههما بالمرائي مثل تشبيه الضعيف بالقوي .
فعمل المرائي له ظاهر جميل وباطن رديء، فالإنسان غير العارف بحقيقة نيّة العامل يتخيل أنّ عمله منتج، كما يتصور الإنسان الحجر الأملس الذي عليه تراب قليل فيتخيل انّه صالح للنبات، فعند ما أصابه مطر غزير شديد الوقع ونفض التراب عن وجه الحجر تبين أنّه حجر أملس لا يصلح للزراعة، فهكذا عمل المرائي إذا انكشفت الوقائع ورفعت الأستار تبين أنّه عمل رديء عقيم غير ناتج .

ان الدين الاسلامي الحنيف هو دين الله عزوجل فشرع فيه للناس الاحكام والتشريعات الكفيلة لإصلاح الفرد والمجتمع في كل زمان ومكان،ومنها ان الله تعالى شانه فرض الزكاة بهدف إيجاد رابطة وصلة وثيقة بين الفقراء والاغنياء،يكون اساسها المحبة والاخوة ومن اجل القضاء على الفوارق الطبقية والاجتماعية فيما بينهم.إذن فالله جل جلاله يريد رفع المعاناة عند الفقراء والمساكين ولكن بحفظ ماء الوجه والكرامة الانسانية والحفاظ على مشاعرهم،سواء كان ذلك باللفظ او بالفعل،

فنهى سبحانه وتعالى إتباع الصدقات بالمن والاذى،لان هذا الفعل سيبطل الصدقة ويحرم المتصدق من اجر صدقته يوم القيامة،ويوجد احاديث كثيرة في هذا الصدد تحث المتصدق على التلطف وحسن الخلق مع السائل كي لا يحس بالحرج والذلة،بل هم اصحاب فضل علينا اذ قبلوا بما تجود عليه ايدينا عليهم لان الصدقة تنزل بيد الرب قبل نزولها بيد السائل وهكذا كان دأب آل البيت عليهم السلام في تعاملهم مع السائل.فهلا تعلمنا منهم هذه الفضلية السامية.
6 – شرح الآية 265 من سورة البقرة:
(وَمَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغاءَ مَرضَاتِ اللهِ وَتَثْبيتاً مِنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَين فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ).
“الربوة” : هي التلُّ المرتفع .
و”الطلّ”: المطر الخفيف، يقال: أطلّت السماء فهي مطلِّة. وروضة طلّة ندية.
شبّه سبحانه في التمثيل السابق عمل المانِّ والموَذي بعد الإنفاق والمرائي بعمله بالأرض الصلبة التي عليها تراب يصيبها مطر غزير يكتسح التراب فلا يظهر إلاّ سطح الحجر لخشونته وصلابته، على عكس التمثيل في هذه الآية حيث إنّها تشبّه عمل المنفق لمرضاة الله تبارك و تعالى بجنة خضراء يانعة تقع على أرض مرتفعة خصبة تستقبل النسيم الطلق و المطر الكثير النافع، وقيّد المشبه به ببستان مرتفع عن الأرض، لاَنّ تأثير الشمس والهواء فيه أكمل فيكون أحسن منظراً وأذكى ثمراً، أمّا الأماكن المنخفضة التي لا تصيبها الشمس في الغالب إلاّ قليلاً فلا تكون كذلك .
ويمكن تصوير هذه الآية بأنها،مزرعة خضراء يانعة تقع على أرض مرتفعة خصبة تستقبل النسيم الطلق وأشعة الشمس الوافرة والمطر الكثير النافع،وإذا لم يهطل المطر ينزل الطلّ وهو المطر الخفيف وذرّات الهباب ليحافظ على طراوة المزرعة ولطافتها،

فتكون النتيجة أنّ مزرعة كهذه تعطي ضعف ما تعطي المزارع الأخرى، فهذه الأرض فضلاً عن كونها خصبة بحيث يكفيها الطلّ والمطر الخفيف ناهيك عن المطر الغزير لإيناع حاصلها، وفضلاً عن كونها تستفيد كثيراً من الهواء الطلق وأشعة الشمس وتلفت الأنظار لجمالها، فإنّها لوقوعها على مرتفع تكون في مأمن من السيول.

شاهد أيضاً

(( مَلْحَمَةُ مَسِيرَةِ زِيارَةِ الْأَرْبَعِينَ – الْقِسْمُ الثّالِثُ )) – من ديوان مدائح الأطهار

(( مَلْحَمَةُ مَسِيرَةِ زِيارَةِ الْأَرْبَعِينَ – الْقِسْمُ الثّالِثُ )) – من ديوان مدائح الأطهار   ...