الرئيسية / القرآن الكريم / أسرار الإيمان واليقين – عبد الدائم الكحيل

أسرار الإيمان واليقين – عبد الدائم الكحيل

سورة إذا حافظت على قراءتها ترى عجباً

سورة من أربع آيات إذا قراءتها وحافظت عليها سوف ترى العجب  “إنها تعدل ثُلث القرآن” ولكن لماذا سورة الإخلاص فيها هذه الميزة؟ يجب أن تتأمل.. يجب أن تتفكر.. معظمنا يقرأ هذه السورة ولا يتفكر.. لا يُدرك ثِقل وعظمة الكلام الوارد فيها…….

 

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:1-4].

أول شيء: إذا قرأتها عشر مرات وحافظت على ذلك كل يوم: بنى الله لك قصراً في الجنة.. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (مَن قرأ سورة قل هو الله أحد عشر مرات حتى يختمها بنى الله له قصراً في الجنة) هل هناك أجمل من أن تبدأ منذ هذه اللحظة ببناء قصر لك في الجنة؟ نحن اليوم في هذه الدنيا مئة متر مربع نلهث سنوات حتى نحصل عليها وهي زائلة فانية.. ما بالك بقصر في جنةٍ عرضها السماوات والأرض (جنة الخُلد)؟ بالقرب من الأنبياء والصدقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقٌ.

لماذا هذه السورة تعدل ثُلث القرآن؟ طيب لماذا الله يُحب مَن يُكثر من قراءة هذه السورة كما أنبأ بذلك النبي عليه الصلاة والسلام؟ الحقيقة دعونا نتأمل هذه السورة المُباركة كلمة كلمة.. هي أولاً شفاء وعلاج وفرح وتفاؤل وذهاب للهموم والغموم: هذا في الدنيا ويوم لقاء الله: تكسب محبة الله سبحانه وتعالى وتجد أمامك قصراً في الجنة ليس هنا.. فيلا هنا زائلة لا قصر في الجنة.

هذه السورة بدأت بكلمة {قُلْ} و{قُلْ} هنا موجهة للنبي عليه الصلاة والسلام.. قُل يا محمد: {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.. طيب لماذا الله وضع كلمة {قُلْ}؟ كان من الممكن أن يقول: {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وانتهينا.. لا أراد الله عز وجل أن يضع أمامك الحبيب عليه الصلاة والسلام.. يضع أمامك القدوة الذي أمره الله وهو خير البشر.. وهو في منزلة لا تنبغي إلا لرجل واحد هي الوسيلة.. وهو من أعظم الخلق وأعظم البشر وأعظم الأنبياء {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] للكون كله هذا النبي رحمة.

عندما تقول: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تتذكر أنه النداء نزل للحبيب والحبيب عليه الصلاة والسلام أوصل لنا الرسالة.. فهذا يدعوك أن تقتضي بهذا الحبيب.. أن تزداد حُباً.. أن تقول: جزاك الله خيراً يا رسول الله أن بلغت لنا هذه المعلومات.. أن عرفتنا مَن هو الله.. نحن كنا ضائعين لولا النبي عليه الصلاة والسلام كنا تائهين.. أرسله الله رحمةً بنا.

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] أنت هنا نجوت من الشرك.. مهما كان عملك يغفره الله إلا الشرك سبحان الله.. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] إذاً {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48] بمجرد أن قُلت: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] اعتبر أن كل ذنوبك قابلة للمغفرة بشرط التوبة.. بقيَّ عليك التوبة.. أبعدت نفسك عن الشرك.

إذاً هنا أول فائدة من فوائد هذه السورة: أنها تُنجيك من الذنب الذي لا يُغفر هو الشرك لأنك اعترفت أن الله واحد {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1].

{اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص:2] الصَّمَدُ لم تُذكر في القرآن إلا مرة واحدة.. اسم الصَّمَدُ هو من أسماء الله الحسنى “إن لله تسعةً وتسعين اسماً مَن أحصاها دخل الجنة”.. الصَّمَدُ هو اسم من أسماء الله الحسنى.. لم يُذكر في القرآن كله إلا في هذه السورة تشريفاً وتكريماً ليقول لك: هذه السورة عظيمة جداً.. الصَّمَدُ هو الذي يُلجأ إليه في الشدائد.. الصَّمَدُ هو الذي يستجيب دعاء حيث تخلى كل الناس عنك.. الصَّمَدُ هو الذي يراك وهو الذي يسمع دعائك وهو الذي يرزقك وهو الذي يعطيك وهو الذي يحفظك.. الصَّمَدُ لها معاني كثيرة جداً لذلك إذا فتحت كُتب التفسير ترى معاني كثيرة لا تنتهي يعني لا تستطيع أن تُلخص كلمة الصَّمَد بكلمة واحدة أبداً.. لذلك ذُكرت مرة واحدة وأنت أبحر في المعاني وتخيل ما شئت.

إذاً أنت هنا عندما قُلت: {اللَّهُ الصَّمَدُ} [الإخلاص:2] هذا اعتراف منك أن الله هو القادر.. هو الذي يُغيث.. هو الذي يُنجي عباده.. هو الذي يُلجا إليه.. هو الذي يرزقك ويحفظك ويحميك ويصرف عنك الشر ويصرف عنك الضر.

{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص:3] هنا قضية أن تقول: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص:3] هذه براءة ثانية من الشرك لأن النصارى قالوا: وَلَدَ الله لذلك لديهم ثلاثة آلهة.. طبعاً يدمجونها في إله واحد ولا تستطيع أن تفهم القضية لو جلست مئة سنة.. لذلك أن يدعو الإنسان أن الله له ولداً هذا أمر خطير وعظيم.. {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم:88-95].

إذاً الذي يقول: إن لله ولداً هذا أمر خطير تكاد السماوات تنشق وتدمر {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ} لو أن هذه الجبال فهمت هذا الكلام لخَرَّت لله.. لتصدعت وتحطمت من ثقل هذا الكلام الذي يدعونه.. فأنت عندما تقول: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} [الإخلاص:3] هذه براءة ثانية من الشرك وإقرار بوحدانية الله وأنه هو القادر على كل شيء.

الآية الرابعة: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4] لا يُكافئه أحد ولا يساويه أحد وأنا لست بحاجة لأحد.. أنا معي الله.. عندما تقول: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4] كأنك تقول: يا رب أنت تكفيني.. لا يوجد كفؤ لك.. لا يوجد ند لك.. لا يوجد شريك لك.. لا تحتاج إلى مَن يُعينك.. لست بحاجة إلى شيء أنت مُستغنٍ عن الكون لأن الكون كله ذرة بالنسبة لك وهو جزء من مخلوقات الله.. فالله تبارك وتعالى يكفيني فهو كفوٌ {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4] يكفيني ولا أحتاج إلى غيره.. لا أحتاج لأن يكفيني معه أحد.

وبالتالي أنت هنا عندما قرأت الآية الرابعة أصبح لديك يقين وثقة كاملة أن الله فقط هو الذي يحميك.. هو الذي يُنقذك وتبرأت من الكون كله والتجأت إلى الله.

الآية الأولى تبرأت من الشرك

والآية الثانية تبرأت من البراءة الثانية من الشرك

والآية الثالثة براءة أيضاً من الشرك والرابعة.. كل أنواع الشرك أنت بريءٌ منه إذاً أنت مؤمن وبالتالي أصبحت في بر الأمان فهما كان لديك ذنوب وأخطاء يمكن أن يغفرها الله لأن الله تبارك وتعالى هو القائل: {قُل} أيضاً هنا قُل تذكرك بالنبي عليه الصلاة والسلام لنبقي دائماً نتذكر أن حبيبنا عليه الصلاة والسلام هو الذي بلغنا هذه الآيات وأنه ينبغي علينا أن نقتدي بهذا النبي الرحيم {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53].

إذاً كل الذنوب يغفرها الله باستثناء الشرك وبالتالي هذه السورة تُعطيك ختم.. تُعطيك براءة من الشرك وبالتالي انتقلت من مكان خطر جداً إلى بر الأمان.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا ببركة هذه السورة وأن نرى آيات الله وأن تكون شفاءً لنا وحِفظاً لنا وبراءة من الشرك في الدنيا والآخرة وأن تكون هذه الآية سبباً في أن يبني كل واحد منا قصراً له في الجنة وأن يكسب محبة الله يوم لقاء الله عز وجل الذي هو قال: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:5-6].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

 

شاهد أيضاً

رسائل ومقالات – الشيخ جعفر السبحاني

تقسيم صفاته إلى ذاتي وفعلي: إن صفاته سبحانه تنقسم إلى ذاتي قائم بذاته، وفعلي يعد ...