وهكذا باءت جميع محاولات يحيى بن اءكثم بالفشل الذريع .. فانقطع عن الكلام والخيبة تعصر قلبه .
وقـد تـجسدت اءمام الماءمون خطورة الموقف وصعق لعظم الهول .. واءدرك اءنه لا بد له من مواجهة هذا الامر بجدية اءعظم .. ومكر اءشد.. اذا اءراد اءن يطمئن على مصيره ومستقبله في الحكم ..ومعه بنو العباس .. وهذا ما دفعه الى الاشادة بمكانة الامام (ع ) وغزارة علمه .. وكان قد اءعلن عقد قرانه من ابنته ام الفضل في ذلك المجلس .
الا ان الـمـامون بقي يتحين الفرص لغرض الانتقام من الامام الجواد(ع ) , وتم له ذلك بواسطة ابنته زوجة الامام حيث دست له السم . الامام الهادى (ع ) نور المدينة حقا ملعون ذلك الوالي العباسي .. انه اءخبث خلق اللّه في هذا الزمن .
– بسببه حصل كل ما نحن فيه .
هـذه الـعـبـارات وغيرها كانت تنساب الى مسامعي من بين صفحات التاريخ الغابر.. مصحوبة بالبكاء والـنـحيب والصراخ .. وترددها حناجر النساءوالرجال والاطفال والصبيان .. حناجر اءرهقها البكاء والـصـراخ .. فـصـارت تـخـرج اءصـواتـا مبحوحة متقطعة .. مما جعلني اءغرق في تفكير عميق واءنـااءحـاول مـتـابـعـة الاحـداث .. حتى لفتني صفحات التاريخ بين طياتها وكاءنها بحرمن الرمال الـمـتـحـركة .. فوجدت نفسي اءقف اءمام جامع في مدينة خيم عليهاالحزن والكبة .. وجثا مثل جبل شاهق على صدور الناس .. كان يبدو ذلك واضحا عليهم واءنا اءتاءمل وجوههم المحترقة بحرارة الدموع .. فلمحت بينهم شيخا يجلس قرب باب الجامع ..فتقدمت نحوه مترددا بين الـتحدث اليه وبين العدول عن ذلك .. فطبيعة الحال كانت تبعث في نفسي رغبة السؤآل .. وفي الوقت نـفـسـه كانت تمنعني من ذلك لما هم فيه من هم وحزن .. وبينما اءنا على هذه الحالة .. شاهدت الشيخ يـشـيرلي بيده قائلا : – تعال يابني وقل ما عندك ولا تتردد.. فان كانت لديك حاجة , نقضها لك باذن اللّه .
اءثـلـج كلامه قلبي .. فجلست بجانبه وقد غمرتني فرحة عظيمة .. فقلت له :- اءليست هذه المدينة المنورة .. وهذا هو الجامع النبوي .. ؟ فراحت الدموع تنهمر من عيني الشيخ وهو يقول : – نعم يا بني .. وسوف تبقى منورة رغم محاولات الطغاة المستمرة لاطفاء اءنوارها.
– يبدو اءن هناك حادثة مفجعة اءلمت بكم .. فجعلتكم على ما اءنتم عليه الان .. فرد الشيخ بلوعة واءلم : – سحابة عباسية سوداء حجبت عنا قمرامن آل رسـول اللّه (ص ) كان بيننا , وكانت جميع بيوت المدينة تنعم بنوره .. ما من فقير في المدينة الا واءغـنـاه .. وما من مريض الا وسعد بوجود الامام (ع ) بقربه , زائرا له في بيته .. وقد شمل عطفه وحـنـانه جميع مناحي حياتنا.. فشاركنا في سرائنا.. واءعاننا في ضرائنا.. فكان يعطف على صغيرنا وكبيرنا.. ويتكفل بالارامل والايتام .. فملك قلوبنا ومشاعرنا.
ثم اءشار الشيخ بيده الى الجامع النبوي .. وواصل حديثه قائلا : – كان هذاالجامع مدرسة تشع بنور عـلـمه .. تعلم الناس منها دروسا في تهذيب الاخلاق .. وتربوا على الاداب الاسلامية .. ونهل العلماء والفقهاء والرواة من علومه التي استمدها عن آبائه الذين اءضاؤوا حياة الانسان بنور العلم والايمان .
– سمعت الناس يلعنون رجلا يدعى عبداللّه بن محمد.. وقد وصفوه بالخبث .. وقالوا : انه السبب فيما حصل .
– هـذا صـحـيـح .. لقد بعث الوالي عبداللّه بن محمد من قبل الخليفة المتوكل واليا في اقامة الصلاة وشـؤون الـحـرب .. ولما عرف هذا الرجل بحب الناس للامام علي ابن محمد الهادي (ع ) والتفافهم حـولـه .. راح قـلـبـه يفور غيظاوحقدا.. فصار يقصد الامام بالسوء والاذى .. ولم يكتف بذلك حتى سعى بوشايته الى المتوكل .. فاءخبره باءن الجماهير تلتف حول الامام علي الهادي (ع ) وتمده بالاموال الطائلة .. ولا يؤمن منه شراء السلاح لمقاومة الدولة والاطاحة بالحكومة العباسية .. ولما علم الامام الـهـادي (ع ) بـوشاية هذا الوغد.. ومؤامرته ضده .. حاول اءن يبرر موقفه اءمام المتوكل ليدافع عن نفسه لا نه يعلم موقف الحكام العباسيين من اءئمة اءهل البيت (ع ) ومااءسرع ما يتخذونه من اجراءات قـاسـية ضدهم .. فكتب الى الحاكم العباسي رسالة يشكو فيها اءحقاد عامله عليه .. وسوء معاملته له .
وقـيامه بمايسوؤه .. فاءحاطه بذلك علما بكذب الوشاية .. وبعدها تمخضت النتائج عن اءحداث .. كانت ظـاهرا لصالح الامام (ع ) فقد بعث المتوكل رسالة الى الامام الهادي (ع ) يقول له فيها : – (اني عارف بحقك .. ومقدر لما اءنت فيه من ظلم عبداللّه ابن محمد.. ولهذا فقد قدمت على عزله من ولاية اءمور الحرب والصلاة .. ووليت بدلا عنه محمد بن الفضل .. واءمرته باكرامك .. والامتثال الى اءمرك ..) . ولكن فجاءة ارسـلـه الـخـليفة المتوكل على راءس مجموعة من رجال الشرطة .. فقاموا بتفتيش الدار بحثا عن الـسـلاح .. فـلـم يـجدوا فيهاغير المصاحف وكتب الادعية .. وهذا ما يؤكد اءن وشاية عبداللّه بن محمدقد فعلت فعلها في قلب المتوكل العباسي .. فبات يعيش حالات الفزع والقلق على كرسي الحكم .
وبعد تفتيش الدار.. وجدنا يحيى ياءمر الامام الهادي (ع ) بالرحيل معه الى سامراء.. حتى يكون قريبا من المتوكل فيراقب جميع تحركاته واتصالاته .. ففزعت المدينة اءشد الـفـزع .. والـتـف الناس حول الامام (ع ) يصرخون ويبكون وهم يحاولون منع يحيى بن هرثمة من الـتعرض الى الامام الهادي (ع ).. فراح يحيى يسكن من روعهم .. ويهدى ء فزعهم .. فحلف لهم اءنه لم يـؤمـر فـيه باءي مكروه ..واءخيرا تمكن يحيى بن هرثمة ورجاله من مغادرة المدينة ومعهم الامام علي الهادي (ع ).. وها هي المدينة كما ترى بعد رحيله (ع ) . حـدق الشيخ في وجهي بعد اءن اءنهى كلامه .. وكاءنه يريد اءن يسمع مني ..لكنني لم اءستطع الكلام , حـيـث كـانـت تـخنقني العبرات .. والدموع تسيل بغزارة على وجنتي .. فلم اءجد سوى اءن اءجهش بالبكاء.
اءفـرد الـمـتـوكـل الـعباسي للامام علي بن محمد الهادي (ع ) دارا بسيطة في سامراء..فنزل فيها الامـام (ع ) ومـن حوله عيون المتوكل ترقب جميع تحركاته , وتعدعليه اءنفاسه .. ولم يمض على وجود الامام الهادي (ع ) في سامراء فترة طويلة حتى تعرض الى وشاية اءخرى من بعض الحاقدين على اءئمة اءهل البيت (ع ) فقدنقل الى المتوكل اءنه يجمع في بيته اءسلحة تصله من شيعته .. وهناك اءيضا بعض الكتب يتبادلها معهم عن طريق المراسلات .. ومن خلال ذلك يبدو اءنه عازم على التعرض للدولة .
وفي تلك الليلة بينما كان الامام الهادي (ع ) متوجها الى اللّه تعالى يصلي ويتلوآيات من القرآن الكريم وهـو يـفـتـرش رمـال وحـصاة الدار ويرتدي مدرعة من الصوف , واذا بجماعة من رجال الخليفة الـمـتـوكـل يـهـجـمـون على بيت الامام (ع ) ويشرعون بتفتيشها.. ثم قادوا الامام الهادي (ع ) الى الخليفة المتوكل .
وعـلـى اءيـة حال كان المتوكل العباسي حين اءدخلوا عليه الامام الهادي (ع )..جالسا يشرب الخمر فراح يستمع الى رجاله وهو يتاءمل الامام (ع ) فترهبه هيبته ووقاره .
– وجدناه متوجها نحو القبلة يصلي ويدعو.. وقد فتشنا بيته فلم نجدشيئا.
قـالـوا ذلـك وصـمـتوا منتظرين الاوامر.. فقال المتوكل موجها كلامه الى الامام الهادي (ع ) : تعال واجلس هنا الى جانبي .
جـلـس الامـام الـهادي (ع ) بالقرب من المتوكل .. ففوجى ء بالمتوكل وهو يقدم له كاءسا من الخمر.
فبادره قائلا : – اعفني منها.. فواللّه لم يخامر لحمي ودمي قط.. فاءعاد المتوكل كاءس الخمر قائلا : – اذا اءنشدني شعرا.
فقال له الامام (ع ) : – اني قليل الرواية للشعر.
قال المتوكل : – لا بد من ذاك .
فراح الامام (ع ) ينشد قائلا :
– باتوا على قلل الاجبال تحرسهم —– غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم —– واءسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا