المرحلة الثالثة :
هبوطهما من الجنة الى الارض
نعم بعدما ازلهما الشيطان ووسوس لهما واخرجهما من الجنة حيث الراحة والهدوء والبعد عن الالم والتعب والعناء ، هبط الى الارض في جو مملوء بالتعب والمشقة والعناء.
وهنا اخذ آدم يفكر متألما لما صدر منه ، وكيفية تلافي الخطأ ، فاتجه بكل وجوده وجوارحه الى الله عزوجل وهو نادم اشد الندم ، وطلب منه التوبة والمغفرة لما صدر منه ، رافعا يديه متضرعا ومتوسلا الى الله ، هنا ادركته الرحمة الالهية ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، انه هو التواب الرحيم ) [1].
صحيح ان آدم 7 لم يرتكب محرما ، ولكن ترك الاولى يعتبر معصية منه ـ كما ذكرنا ـ ولذلك سرعان ما تدارك الموقف وعاد الى خالقه.
واما الكلمات التي تلقاها آدم 7 من ربه ما هي سوف نذكرها في محلها انشاء الله تعالى؟.
وقد روي ان آدم وحواء لما هبطا الى الارض ، نزل آدم على جبل الصفا بمكة ، ونزلت حواء على جبل المروة ، وذلك في رواية عن ابي عبد الله 7 قال :
سمي الصفا صفا لان المصطفى آدم هبط عليه ، فقطع للجبل اسم من اسم
[1] البقرة : 37.
آدم 7 ، يقول الله عزوجل : ( ان الله اصطفى آدم ونوحا ) ، وهبطت حواء على المروة ، وانما سميت المروة مروة لان المرأة هبطت عليها ، فقطع للجبل اسم من اسم المرأة. [1]
وروي عنه 7 قال : رن ابليس اربع رنات : اولهن يوم لعن ، وحين اهبط الى الارض ، وحين بعث محمد 6 على حين فترة من الرسل ، وحين انزلت ام الكتاب.
ونخر نخرتين : حين اكل آدم من الشجرة ، وحين اهبط من الجنة [2] وذلك لشدة الفرح ».
الكلمات التي تلقاها آدم
( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم ) [3].
ان الله عزوجل حين اهبط آدم وحواء الى الارض امره ان يحرث بيده من كده بعد نعيم الجنة.
فلبث يبكي ندما على ما صدر منه ، واخراجه من الجنة ، وكان يسجد لله تعالى تضرعا وتوسلا ويطول سجوده مدة من الزمن ، وكان يقول في سجوده ودعائه « لا اله الا انت سبحانك اني ظلمت نفسي فاغفر لي انك انت الغفور الرحيم ».
هذا وقد تعددت الآراء في تفسير الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.
المعروف انها الكلمات المذكورة في سورة الاعراف ، آية 23.
[1] علل الشرائع : 149 عنه البحار : ج 11 ص 205.
[2] نفس المصدر.
[3] البقرة : 37.
( قالا ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) وقيل : « اللهم لا اله الا انت سبحانك وبحمدك ، رب اني ظلمت نفسي ، فاغفر لي انك خير الغافرين ».
« اني ظلمت نفسي فارحمني انك خير الراحمين ».
« اني ظلمت نفسي فتب علي انك انت التواب الرحيم ».
« نفس الدعاء يكرره ثلاث مرات مع اختلاف في الكلمات الاخيرة ».
وقد روي ايضا عن طريق اهل البيت : ، المقصود من « الكلمات » هي : اسماء افضل مخلوقات الله وهم : محمد 6 ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ـ عليهم افضل الصلاة السلام توسل آدم بهذه الكلمات والاسماء الطاهرة فتاب عليه.
هذه التفاسير الثلاثة لا تتعارض مع بعضها ، ولعل آدم تلقى من ربه كل هذه الكلمات ، ليشمله بعد ذلك لطف الله ورحمته.
لما استقر آدم في الارض وتلقا الكلمات من ربه ، وتاب عليه الله ، امره ان يحرث الارض بيده من كده مما نبتت الارض حلالا طيبا …
تزويج آدم من حواء وكيفية بدء النسل :
اراد الله عزوجل ان ينتشر ابناء آدم 7 في الارض ويعمروها ، فأمر آدم 7 ان يواقع حواء ، فغشيها وولدت له هابيل ، وقابيل ، وشيث ، وغيرهم من الذكور والاناث.
وقد روي ان قابيل حسد اخيه هابيل وقربا قربانا الى الله فجاءت النار فاكلت قربان هابيل وتقبل قربانه فحسد قابيل هابيل وهدده بالقتل فقتله.
قال اليعقوبي في تاريخه : ان الله عزوجل انزل لهابيل حوراء من الجنة
فزوجه بها ، واخرج لقابيل جنية فزوجه بها ، فحسد قابيل اخاه على الحوراء ، فقال لهما آدم : قربا قربانا فقرب قابيل من تبن زرعه ، وقرب هابيل افضل كبش في غنمه لله ، فقبل الله قربان هابيل ولم يقبل قربان قابيل ، فازداد حسدا فزين له الشيطان قتل اخيه فشدخه بالحجارة حتى قتل [1].
وروي انه لما قتل قابيل هابيل ، تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به ، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل احدهما صاحبه ، ثم حفر له بمنقاره وبرجله ، ثم القاه في الحفيرة وواراه ، وقابيل ينظر اليه ، فتعلم منه ودفن اخاه.
ذكرنا ان الله بعث الى قابيل جنية والى هابيل حورية ، فكثر النسل منهما.
وروي ايضا : لما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ، ولدت له حواء ( شيثا ) ـ وتفسيره هبة الله ـ وكان وصي آدم وولي عهده ، وهو اول وصي على وجه الارض من الآدميين ، ثم ولد لآدم من بعد شيث ، يافث ، فلما ادركا واراد الله عزوجل ان يبلغ بالنسل ما ترون وان يحكم بتحريم الزواج من الاخوات على الاخوة ، انزل الله بعد العصر من يوم الخميس ، حوراء من الجنة اسمها ـ بركة ـ فأمر الله عزوجل آدم ان يزوجها من شيث ، فزوجها منه ، ثم انزل بعد العصر من الغد حوراء من الجنة اسمها ـ منزلة ـ او ـ نزلة ـ فأمر الله عزوجل آدم ان يزوجها من يافث فزوجها منه ، فولد لشيث غلام وولد ليافث جارية ، فأمر الله عزوجل آدم حين ادركا ان يزوج بنت يافث من ابن شيث ، ففعل ذلك فولد الصفوة من النبيين والمرسلين من نسلهما ….
ومن قال بزواج اخت قابيل من اخت هابيل ، او بزواج الاخوة من الاخوات فقد كذب ، ومعاذ الله ان يكون على ما قالوا …
[1] تاريخ اليعقوبي : ج 1 ص 2.
قال ابو عبد الله 7 عندما قيل له بزواج الاخوة من الاخوات قال : سبحان الله وتعالى عن ذلك علوا كبيرا يقول من قال هذا : بان الله عزوجل خلق صفوة خلقه واحباءه وانبياءه ورسله والمؤمنين والمؤمنات ، والمسلمين والمسلمات من حرام ، ولم يكن له من القدرة ما يخلقهم من حلال ، وقد اخذ ميثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطيب.
فو الله لقد تبينت ان بعض البهائم تنكرت له اخته ، فلما نزا عليها ونزل كشف له عنها ، فلما علم انها اخته ، اخرج غرموله ـ اي ذكره ـ ثم قبض عليه باسنانه حتى قطعه فخر ميتا … الخ. [1]
الحيوان هكذا فعل ، فكيف الانسان في انسانيته وفضله وعلمه؟!
وفاة ادم 7 :
روي انه لما انقضت نبوة آدم 7 ودنى اجله ، اوحى الله اليه : قد انقضت نبوتك وفنيت ايامك ، فانظر الى اسم الله الاعظم وما علمتك من الاسماء كلها ، وما يحتاج الناس اليه ، فادفعه الى شيث ، وامره ان يقبله بكتمان وتقية من اخيه لئلا يقتله كما قتل هابيل ، فانه قد سبق في علمي ان لا اخلي الارض من عالم يعرف به ديني ويكون فيه نجاة لمن تولاه فيما بينه وبين العالم الذي امره باظهار ديني ، واخرج ذلك من ذرية شيث وعقبه … [2]
بعد ذلك دعى آدم 7 ابنه شيث واخبره بدنو اجله واوصاه بكل ما اوصاه الله تعالى ، وقلده الخلافة بأمر من الله واعلمه انه حجة الله بعده ، والخليفة في الارض ، والمؤدي حق الله الى اوصياءه ، واوصاه ان يخبئ الوصية في محل آمن
[1] البحار : ج 11 ص 223.
[2] المسعودي في اثبات الوصية ، عنه البحار : ج 11 ص 228.
ولا يعلم به اخيه قابيل.
فخرج شيث فلقى جماعة من الملائكة ، فابلغهم بما امره آدم ، فقال جبرئيل : يا شيث ، آجرك الله في ابيك فقد قضى نحبه ، فاهبطنا لنحضر الصلاة على ابيك.
ذهب شيث مع الملائكة فوجد اباه قد مات ، فغسله مع جبرئيل 7 وصلى عليه ودفنه.
وروي ان آدم توفي يوم الجمعة لست خلون من نيسان ، في الساعة التي كان فيها خلقه ، وكان عمر آدم 7 تسع مائة وثلاثين سنة.
اختلفت الاقوال في قبره : فمنهم من قال : ان قبره بمنى وفي مسجد الخيف ، ومنهم قال : في كهف في جبل ابي قبيس ، وقيل : في النجف بجوار الامام علي 7 ، وقيل : غير ذلك ، والله اعلم بحقيقة الامر.
وكذلك اختلفوا في عمره الشريف ، حيث قالوا : مرض آدم 7 عشرة ايام بالحمى ، وتوفي يوم الجمعة لاحدى عشر يوما خلت من محرم ، ودفن في غار في جل ابي قبيس ، ووجهه الى الكعبة ، وان عمره 7 من وقت نفخ فيه الروح الى وفاته : الف سنة وثلاثين ، وان حواء 3 ما بقيت بعده الا سنة ثم مرضت خمسة عشر يوما ثم توفيت ودفنت الى جنب آدم 8. [1]
ص38
الولاية الاخبارية موقع اخباري وثقافي لمن يسلك الطريق الی الله