الإنفاق في سبيل الله \عز الدين بحر العلوم

الوصول لينهل منها إلا إذا كان شعوره بحاجة أخيه المسلم كشعوره بنفسه وما يعاف منه لا يريده
له ، وما رغب فيه يريد تماماً كما يقول الحديث :
« حب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك » .
وهذه هي الوحدة التي تجعل من أفراد المجتمع صفاً واحداً كالبنيان ألمرصوص يشد بعضه
بعضاً ، وبهذا النوع من الانصهار بين الطرفين المنفق والفقير تسود روح التعاون بينهما فينظر
الغني إلى الفقير نظرة الأخ إلى أخيه فيحب له ما يحبه لنفسه ، وكذلك الفقير ينظر إلى الغني نظر
المنعم إليه فيتربص الفرصة ليرد الجميل إليه .
« وقد روي عن الطفيل قال إن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) اشترى فأعجبه فتصدق به
وقال سمعت رسول االله ( صلى االله عليه وآله ) من آثر على نفسه آثره االله يوم القيامة بالجنة ،
ومن أحب شيئاً فجعله الله . قال االله تعالى يوم القيامة قد كان العباد يكافؤن فيما بينهم بالمعروف
. (١) وأنا أكافيك اليوم بالجنة »
وقد تصدق الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) بالسكر على الفقير فقيل له :
« أتتصدق بالسكر ؟ قال : نعم إنه ليس أحب إلي منه وأنا أحبُ أن أتصدق بأحب الأشياء إلي
« (٢) .
____________
(١) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية (٩٢) من آل عمران .
(٢) وسائل الشيعة ـ ٦ | ٣٣٠ .

===============
( ١٤١ )

الشرط الرابع :

أن لا يتبع العطاء بالمن والأذى

وفي نطاق هذا الشرط نرى القرآن الكريم ذكر آيات ثلاثة متعاقبة وقد بين فيها أن الإنفاق إنما
يكون مرغوباً فيه ومرضياً له سبحانه لو لم يصاحبه منّ على الفقير ، ولا أذى يلحقه من المعطي
.

وتبدأ الآيات بقوله تعالى :
( الذين ينفقون أموالهم في سبيل االله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند
. (١) ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
ويقول جلت عظمته :
. (٢) ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى واالله غني حليم )
ويختم القرآن آياته في خصوص هذا الشرط بقوله عز وجل :
( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا
يؤمن باالله واليوم الآخر فمثله كمثل
____________
(١) سورة البقرة | آية : ٢٦٢ .
(٢) سورة البقرة | آية : ٢٦٣ .

===============
( ١٤٢ )

صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا واالله لا يهدي
. (١) القوم الكافرين )
وعندما نلاحظ هذه الآيات الثلاث نراها تشترك في بيان معنى واحد اتفقت عليه بينما انفردت
كل آية ببيان معنى اختصت به .
أما ما أتفقت عليه الآيات فأنها بمجموعها بينت أن الإنفاق إنما يكون مرضياً الله تعالى ويتقبله
ويضاعف عليه لو كان المنفق يقدم عطاء غير مقرون بالمن والإذى .
أما المن بالعطاء : فهو توبيخ المعطى له أو تحميله بما يستلزم المشقة في قبال ما ينفقه .
إن القرآن الكريم بهذا الاسلوب من العطاء يريد من المنفق أن يكون :
اليد الحانية على الفقير ، والابتسامة المشرقة التي تزيل ما بقلب هذا المحروم من الكآبة
والحزن .
والوجه المشرق وهو يناول سائله ما تجود به نفسه من خير .
فبهذه الصفات ، وبهذا الخلق الرفيع يكون الإنفاق مثمراً ، ومؤثراً أثره الحسن في نفس السائل
.
ولكن لو انقلب الأمر وتبدلت هذه الابتسامة الى عبوس وتقطيب ، أو تطور الأمر فأخذ
المعطي يوبخ السائل ويزجره فإن هذا العطاء لا يحقق أثره المطلوب ولذلك لا يكون مرغوباً فيه
.

ومعاً لنستعرض الآيات الكريمة وما جاء بمضمونها من
____________
(١) سورة البقرة | آية . ٢٦٤ .

===============
( ١٤٣ )

الأخبار .
الآية الاولى : وفيها يقول سبحانه وتعالى :
( الذين ينفقون أموالهم في سبيل االله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند
. (١) ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
لقد حددت الآية الكريمة الإنفاق الذي يثمر الثمر الطيب فينال به المنفق جزاءه في الدارين
الدنيوي والاخروي ، فرسمت أبعاده وقيدته بأن لا يكون مشفوعاً بصورة تترك في النفس أثرها
السيء وبذلك ينقلب الإحسان إلى الإساءة ، والخير إلى الشر ، بل لا بد أن يكون الإنفاق رفعاً
لمعنويات السائل أو المحتاج وجبراً لخاطره المكسور ليفهم أن العملية إنما هي تعاون بين أفراد
الأسرة الواحدة لا أنها اعتداد وافتخار وعلو واستكبار للبعض على الآخرين .
وقد ضربت هذه الآية مثلين للصور التي لا يرغب الإسلام للإنفاق والعطاء :
الأول : عدم المن .
الثاني : عدم الأذى .
وقد بين بعض اللغويين المراد من المن هنا الذي قيل عنه بأنه عدم الاعتداد من المعطي فمثل
له :
بأنه يجابه المنفق المحتاج بحالة تدل على تكبره واستعلائه وتفاخره بما يقدمه ، أو يوجه إليه
كلمات خشنة تحطم معنوياته فيقول له ـ وعلى سبيل المثال ـ ألم أعطك ؟ ألم أحسن إليك ؟ .
____________
(١) سورة البقرة | آية : ٢٦٢ .

===============
( ١٤٤ )

أو قوله : لولا عطيتي لكانت حالك كذا ومن هذا القبيل بقية الالفاظ التي تجرح عواطفه .
أما عدم الأذى : فمثلوا له بأن يقول المنفق للفقير أراحني االله منك أو من إبتلاني بك ؟ ، أو

ليتني لم أتعرف عليك ، أو يتعدى مرحلة التوبيخ بالكلام الى مرحلة العمل فيطلب من السائل
اعمالاً تسبب له التعب والمشقة لا هذا ولا ذاك بل عطاء مشفوع بلطف ورحمة ليشعر المحتاج
بأنه لجأ إلى من يساعده ويقف إلى جانبه في محنته .
يقول النبي ( صلى االله عليه وآله ) كما عن أبي ذر الغفاري :
»ثلاثة لا يكلمهم االله عز وجل المنافق الذي لا يعطي شيئاً إلا بمنته والمسبل إزاره والمنفق
. (١) سلعته باليمين الفاجرة «
وفي خبر آخر عنه ( صلى االله عليه آله ) :
. (٢) « أربعة لا ينظر االله إليهم يوم القيامة عاق ومنان ومكذب بالقدر ومدمن خمر »
وفي حديث ثالث نرى النقمة تشتد على المنان فيقول النبي محمد ( صلى االله عليه وآله وسلم )
فيه :
أو (٣) « حرمت الجنة على المنان »
. (٤) «لا يدخل الجنة منان بالفعال للخير إذا عمله »
____________
(١) البحار ـ ٩٦ | ١٤١ .
(٢) البحار ـ ٩٦ | ١٤٤ .
(٣) وسائل الشيعة ـ ٦ | ٣١٦ .
(٤) البحار ـ ٩٦ | ١٤١ .

===============
( ١٤٥ )

ومن مجموع هذه الاخبار وغيرها نستفيد أن هذا الصنف من الناس نتيجة منّه بعطائه مبغوض
الله سبحانه ، وغير مرغوب فيه وفي عطيته ويكفيه ذلاً أن االله لا ينظر إليه يوم القيامة أو لا
يكمله ، وأخيراً لا يدخله الجنة .
بهذا البيان تشترك الآية الكريمة مع الآيتين الأخريين ، ولكنها تنفرد عنهما بأنها تضمنت بيان
أن الذين ينفقون أموالهم خالصة طيبة بدون منٍ ولا أذى :
« لهم اجرهم عند ربهم » :
ولكن الآية لم تحدد الأجر بأنه في الدنيا أو الآخرة ، بل كانت مطلقة من هذه الجهة ليشمل
لطف االله المنفق فيمنحه الأجرين معاً ، واضاف بعد ذلك بأنها تبشرهم بقوله تعالى :
« ولا هم يحزنون » :
ولماذا يحزنون ؟

وقد وعدهم االله بأنهم سيجازون على ما صنعوا بما لم يحدده االله لهم ، ومن أكرم من االله ؟ .
أما الآية الثانية : فقد قال سبحانه فيها :
. (١) ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى واالله غني حليم )
وحيث كان الغرض من عملية الإنفاق هو النفع المادي والمعنوي للمحتاجين .
____________
(١) سورة البقرة | آية : ٢٦٣ .

===============
( ١٤٦ )

المادي : بأيصال المال أو الأعيان غير المال إليه .
والمعنوي : بإعطائه ما يشعره بالعطف واللطف والمواساة في محنته بما يحفظ له كرامته . .
. نرى هذه الآية الثانية تعقب هذا النوع من الناس الذين يتبعون ما أنفقوه بالمّن والأذى بهذا
العتاب الرقيق فتوجههم إلى شكل آخر من أشكال اللطف مع هؤلاء المحرومين إذا هم لم يرغبوا
بالعطاء من غير منٍ ولا أذىً .
ولماذا الأذى إلى الفقير ؟ .
والمال متاع هذه الحياة الدنيا ، وليس له منه إلا ما يشبع بطنه وإذا أراد أن لا يعطي فليرد
السائل بأدب وحشمة وبالكلمة الطيبة تحفظ بها كرامة السائل وهيبة المعطي ـ وعلى سبيل المثال
ـ ليقول له وهو يرده :
وسع االله عليك من رزقه ، أو كان االله في عونك وما شاكل من هذا النوع من الكلام الذي يفهم
به السائل بأنه لا يرغب في العطاء ، ولكن بشكل محتشم ومتزن وهاديء ، وهذا هو المراد من
القول المسيور في آية أخرى جاءت تؤكد هذا المعنى في قوله :
. (١) ( وإما تعرض عنهم ابتغلاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا )
وقد روي أن النبي ( صلى االله عليه وآله ) بعد نزول هذه الآية ، ولم يكن عنده ما يعطي ، أو
كان عنده ، ولكن كان يقصد تعليم الآخرين لأدب الرد يقول للسائل :
____________
(١) سورة الاسراء | آية : ٢٨ .

===============
( ١٤٧ )

« رزقنا االله وإياك من فضله » .
ومع الآية في عرضها التفصيلي فيما انفردت به من بيان ما يقوم به المنفق لو لم يرغب في
الإنفاق ورد السائل بأدب .
تقول الآية الكريمة :
« قول معروف » :
والقول المعروف أدب رفيع تتوخى الآية أن يتجلى به المعطي ليُحسم الموقف بين الطرفين ،
ولئلا يتطور إلى نزاع وخشونة ، وعلى فرض حصول مثل ذلك فإن الإية الكريمة تتجه إلى
المعطي لتطلب منه أن يحسم هذا النزاع فيما لو صدر من السائل ما لا يرضى به من الالحاح ،
أو التطاول في الكلام ، أو المطالبة في غير الوقت المناسب مما يعتبر جرحاً لعواطف المنفق
وتحدياً له فإن الآية تريد منه أن يتجلى بالصبر ويغض عن كل ذلك ، ولا يعقب عليه ، وهذا هو
المراد من الفقرة الثانية في قوله تعالى :
« ومغفرة»
وتكون حصيلة الآية الكريمة عند عدم العطاء بتوجيه المعطي إلى القول :
بالمعروف لو لم يصدر من السائل تعقيب .
أو المغفرة : فيما لو صدر منه ما يسيء إلى المنفق .
وبتعبير أدق فإن الآية الكريمة تريد من المنفق أن يواجه السائل بأحد الطرق الآتية :
١ ـ العطاء ، وما يصاحبه من بشاشة وإنطلاق .

===============
( ١٤٨ )

٢ ـ القول المعروف لو لم يحصل العطاء .
٣ ـ ضبط الأعصاب والأغضاء عن فعل السائل لو صدر منه ما يسيء إليه نتيجة عدم
اعطائه .
ذلك لأن هذا السائل ربما كان صادقاً في مسألته ، وقد ضاقت الدنيا فلم يجد ملجأ يفر إليه غير
التوجه إلى هذا المنفق ، وإذا كان هذا الحال السائل فليتحمل المسؤل منه ، وليرده بأدب ، أو
ليغفر إساءته له وهذا خير من الصدقة مع المن والأذى فإن الأسلوب الجاف يزيد في تعقيد هذا
المحروم وتهييج كوامن آلامه .

أما لماذا يكون هذا النحو من الأسلوب الهاديء سواءً بالقول المعروف أو المغفرة خير من
هذه الصدقة مع المنّ والأذى فذلك لأن صاحب هذه الصدقة بهذا النحو من الأذى والمنّ لا يحصل
على عين ماله في دنياه ولا على ثوابه في عقابه ، والقول بالمعروف والمغفرة عند الاساءة
طاعتان يستحق الثواب عليهما .
وأما الفقرة الثالثة من الآية فقد قالت :
« واالله غني حليم »:
وقبل أن تختم الآية هذا العتاب تهدد المنفقين من طرف خفي بأن االله غني عن صدقة المنفق
إذا شفعت المن والاذى فإن االله لا يريد من المنفق هذا النوع من المعروف الضحل لأنه ليس
بعاجز أن ينفع الفقير بما يغنيه ـ كما سبق أن أوضحنا ذلك ـ ولكن المصالح تقتضي هذا النوع
من التوزيع في الارزاق فهو غني عن صدقات المنفقين ـ ولكنه ـ في الوقت نفسه ـ يعطيم من
فضله ـ ويأمرهم بالعطاء فيتخلفون عن ذلك أو يستجيبون ولكن بشكل من التأفف

===============
( ١٤٩ )

والضجر والمنّ على الفقير أو إيصال الأذى إليه .
كل ذلك يحلم سبحانه عنه ولا يعاجل هؤلاء المنفقين بالتعقيب ، بل يترك ذلك ليوم تشخص فيه
الابصار .
ولكن إذا أخفقت هذه التوجيهات فلم تؤثر في سلوكية بعض المنفقين المتعنتين من تعديل مسيرة
الانفاق بجعلها على النحو المهذب كما شرحته الآيتان الأولى والثانية ، فإن القرآن الكريم يختم
البحث بمكاشفة هؤلاء المعقدين ليواجههم بالحقيقة التالية من خلال قوله عز وجل .
في الآية الثالثة :
( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا
يؤمن باالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون
. (١) على شيء مما كسبوا واالله لا يهدي القوم الكافرين )
وهكذا يعلن القرآن الكريم ليقول بالحرف الواحد .
« لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى »:
والقصد من البطلان هنا هو أن مثل هذا العمل لا فائدة فيه لأن المنفق لا يستحق عليه ثوباً .
ويفهم هذا من تشبيه الآية الكريمة عمل المنفق الذي يتبع انفاقه بالمنِّ والأذى بأحد هذين
العملين .

____________
سورة البقرة | آية : ٢٦٤ .

===============
( ١٥٠ )

شاهد أيضاً

زاد المبلغ في عاشوراء الجزء الأول

23 الموعظة السادسة والستّون: العفاف وآثاره إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُ بِمَا يَصنَعُونَ﴾[1]، ثمّ أردف -تعالى- بعدها …