ومع االله : فيما أنفقه من ثلثي الحطب ، أو قيمته إلى الفقراء ، وبذلك يسد حاجته ، وحاجة غيره . كل ذلك خير له من مد يد الذلة إلى الناس ينتظر ما تدر به عواطفهم نحوه . على أن السائل بمد يده إنما يقصد إنساناً مثله فهو بهذه العملية يعرض عن التوجه إلى االله سبحانه ويبعد عن ساحته المقدسة ولو كانت ثقته باالله متينة ورصينة لما أعرض إلى غيره . يقول لقمان الحكيم لولده : « يا بني ذقت الصبر ، وأكلت لحا الشجر ، فلم أجد شيئاً امر من الفقر ، فأن بُليت به يوماً ، فلا تظهر الناس عليه ، فسيهينوك ، ولا ينفعوك بشيء إرجع الذي ابتلاك به فهو اقدر على فرجك . (١) ، واسأله فمن ذا الذي سأله فلم يعطه ، أو وثق به فلم ينجه ؟ » « فمن ذا الذي سأله فلم يعطه ، أو وثق به فلم ينجه » ؟ استفهام إنكاري يحمل بين طياته دروساً قيمةً ، فالسائل هذا الإنسان العبد المخلوق والمسؤول هو االله سبحانه . االله : الذي كرر في آيات عديدة من كتابه الكريم ضمانه للأجابة لو دعاه العبد . االله : الذي تطوف ملائكته في أناء الليل ، وهم ينادون : هل من داعٍ فيستجاب له ؟
هل من طالب حاجة لتقضى له ؟ ____________ (١) وسائل الشيعة ـ ٦ | ٣٠٧ ـ ٣١١ .
=============== ( ١٧١ )
هل من تائب ليقبل االله توبته ؟ لقد نام الملوك ، وغلقوا أبواب قصورهم ، وطاف عليها حراسها ، وبابه مفتوح لمن قصده . االله : الذي تكفل بأرزاق العباد فقال في كتابه الكريم : « وما من دابة في الأرض الا على االله رزقها » . بغض النظر عن مساويء العباد . االله : يخاطب عباده في حديث قدسي قائلاً : « عبدي أوجدت صدراً أوسع مني فشكوتني إليه » . هذا االله العظيم هل يرد سائلاً مد يده إليه ؟ أو يوصد باب رحمته بوجه من طرق ذلك الباب ؟ أو يمنع رزقه عمن اتكل عليه ؟ إذاً لماذا يتجه السائل إلى إنسان مثله فقير إلى ربه ؟
الإحسان إلى الأرحام
صلة الرحم ، وقطيعة الرحم ككل تعرضت لهما الآيات الكريمة ، والأخبار بصورة مكثفة ، وكلها تحذر من القطيعة ، وعدم التودد إلى الإرحام . وقد بينت الأخبار ، وكشفت عن العواقب الوخيمة التي تترتب على التفكك الذي يحصل بين الأقرباء مهما كان السبب في ذلك التقاطع ، والتباعد ، ولكنها ـ في الوقت نفسه ـ أهابت بأبناء الأسرة الواحدة أن يتقاربوا حول بعضهم وينشدوا ، ويكونوا كالجسم الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله . يقول سبحانه : ( والذين يصلون ما أمر االله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ـ إلى . (١) قوله ـ أولئك لهم عقبى الدار ) وفي آية أخرى : ( والذين ينقضون عهد االله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر االله به أن يوصل ويفسدون في . (٢) الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) ____________ (١ و ٢) سورة الرعد | آية : ٢١ ، ٢٢ ، ٢٥ .
=============== ( ١٧٣ )
مقابلة دقيقة بين الذين يصلون ما أمر االله به أن يوصل ، وبين الذين يقطعون ما أمر االله أن يوصل ، فلأولئك عقبى الدار ، ولهؤلاء سوء الدار . والدار في الموضعين هي : الدار الآخرة . وعقبى الدار هي الجنة . وسوء الدار هي ، هي النار . وما أمر االله به أن يوصل وإن كان في لسان الآية عاماً مشمولة للآيات والأخبار . وهكذا الحال في قطيعة الرحم أيضاً فإنها تكون مشمولة إلا أن صلة الرحم من جملة ما أمر االله به أن يوصل فتكون على نحو ما هو الحال في صلة الرحم وبهذا الصدد تقول الآية الكريمة : . (١) ( واتقوا االله الذي تساءلون به والأرحام إن االله كان عليكم رقيبا ) وقد سأل أحد الرواة من الإمام ( عليه السلام ) عن قوله سبحانه : « واتقوا االله الذي تساءلون به والأرحام » . فأجاب ( عليه السلام ) بأنها أرحام الناس إن االله أمر بها أن توصل ، وعظمها ألا ترى أنه
. (٢) جعلها منه والمراد من قوله ( عليه السلام ) جعلها منه أي قرنها باسمه في الأمر بالتقوى . ويقول عز وجل في آية آخرى : ____________ (١) سورة النساء | آية : ١ . (٢) أصول الكافي : ٢ | ١٥٠ .
=============== ( ١٧٤ )
. (١) ( واعبدوا االله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى ) ومن خلال هذا الآية تظهر لنا أهمية الإحسان بالوالدين ، وبذي القربى حيث أوص االله بهم وقد قرن هذه الوصية بالأمر بعبادته ، وعدم الشرك به . ومن الواضح ما للأمر بعبادته من الأهمية بالنسبة إليه ، وهكذا عدم الشرك ، قد صرحت الآية الكريمة بذلك في قوله تعالى : . (٢) ( إن االله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وقد استفاضت الأخبار بالإشادة بصلة الأرحام والحث على التودد إليهم يقول الإمام الرضا ( عليه السلام ) : « يكون الرجل يصل رحمه ، فيكون قد بقى من عمره ثلاث سنين ، فيصرها االله ثلاثين سنة ، ويفعل االله ما يشاء » . وعن الإمام محمد الباقر ( عليه السلام ) قوله : « صلة الأرحام تزكي الأعمال وتنمي الأموال ، وتدفع البلوى ، وتيسر الحساب وتنسيء في الأجل » . وفي خبر آخر : « صلة الرحم تحسن الخلق ، وتسمح الكف ، وتطيب النفس ، وتزيد في الرزق ، وتنشيء في الآجل » جاء ذلك عن ____________ (١) سورة النساء | آية : ٣٦ . (١) سورة النساء | آية : ٤٨ .
=============== ( ١٧٥ )
. (١) الإمام الصادق ( عليه السلام ) » وليس المراد بصلة الرحم هو الأقتصار على الإمور المالية ومد يد المساعدة إليهم بل القصد من وراء ذلك إظهار العطف والود وعدم الإنقطاع عنهم . وقد ضرب الإمام الصادق ( عليه السلام ) مثلاً لأدنى ما يمكن إظهار للأرحام فقال : . (٢) « صل رحمك ولو بشربة من الماء » وقد جاء عن النبي ( صلى االله عليه وآله ) ( قوله ) : . (٣) « أبغض الأعمال إلى االله الشرك باالله ثم قطيعة الرحم » وقد طفحت كتب الحديث بالأخبار التي تحدثت عن الخلفيات التي تترتب على قطيعة الرحم . هذه لمحة عن صلة الرحم ، وقطيعتها على نحو العموم . أما في خصوص الإنفاق عليهم ، ومساعدتهم بالمال ، ونحوه فقد جاء ذلك مصرحاً في الأخبار التالية . فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : . (٤) « الصدقة على مسكين صدقة ، وهي على ذي رحمٍ صدقة ، وصلة » وعن الإمام الحسين ( عليه السلام ) أنه قال : ____________ (١ و ٢ و ٣) لاحظ لهذه الأخبار أصول الكافي : ٢ . ١٥٠ ـ ١٥١ ، وجامع السعادات : ٢ | ٢٥٩ . (٤) البحار : ٩٦ ، ٣٧ ، ١٤٧ ، ١٥٩ .
=============== ( ١٧٦ )
« سمعت رسول االله ( صلى االله عليه وآله ) يقول : إبداً بمن تعول : أمك ، وأباك ، واختك ، وأخاك ، ثم أدناك ، فأدناك وقال : لا صدقة ، وذو . (١) رحمٍ محتاج » سئل النبي ( صلى االله عليه وآله ) : « عن أي الصدقة أفضل ؟ فقال : على ذي الرحم الكاشح » . هذا إذا أخذ الإنفاق على الأرحام من الأخبار الشريفة . ومن إطارها الذي يعتبر الصورة الأخرى المعبرة عن الكتاب المجيد . وأما الانفاق من الناحية الإجتماعية ، فنراه مطابقاً لما تقتضيه الأصول الإجتماعية . . . ذلك لأن الإعراض عنهم يكوم موجباً لزرع بذور الفتنة والقطيعة بين أفراد الأسرة الواحدة بينما
حرص الإسلام على لمّ شملها ، وجمعها . على أن الكثير من الناس يتقبل من الرحم ، وتسمح نفسه أن يتقبل من الإقرباء هدية بينما لا يخضع لغيره . ولا تسمح نفسه للجوء إليه مهما كلف الثمن . ولهذا رأينا الأخبار تؤكد على البدء بالعطاء ، والاحسان الى القرابة وفي مقدمتهم أهل المحسن كما جاء عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) في حديثه المتقدم . آيات عامة في الإحسان : لقد تعرض القرآن الكريم إلى ذكر الإحسان ، والتشويق له ، وحث الناس على عمل الخير بشكل عام من دون بيان لخصوصية ____________ (١) البحار : ٩٦ ، ٣٧ ، ١٤٧ ، ١٥٩ .
=============== ( ١٧٧ )
تلك الأعمال ، ونوعيتها ، وما يقدمه المحسن من النفع إلى الأخرين . . . بل تركت الباب مفتوحاً أمام المحسنين ليشمل الإحسان كل ما ينفع المجتمع ، وينهض بالإفراد ، ولتعم الفائدة ، وليتسابق الناس إلى تقديم كل شيء يكون إحساناً ، وإلى كل فرد يحتاج لذلك الإحسان . على أن الآيات الكريمة في عرضها لصور التشويق إلى الإحسان قد تنوعت في العرض المذكور . تقول الآية الأولى : . (١) ( واالله يحب المحسنين ) وجاء في الثانية : . (٢) ( فآتاهم االله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة واالله يحب المحسنين ) وفي الثالثة قال سبحانه : . (٣) ( وأحسنوا إن االله يحب المحسنين ) من مجموع هذا الآيات الثلاث نستفيد من النقاط التالية : النقطة الأولى : آطباق الآيات الثلاث على الأخبار بأن االله يحب المحسنين ، ويمنحهم عطفه ووده . النقطة الثانية : الفرق بين الثوابين الدنيوي ، والأخروي ، وأن ____________ (١) سورة آل عمران | آية : ١٣٤ .
(٢) سورة آل عمران | آية : ١٤٨ . (٣) سورة البقرة | آية : ١٩٥ .
=============== ( ١٧٨ )
أحدهما غير الآخر ، وإلا فلو كانا شيئاً واحداً لما عطف ثواب الآخرة على ثواب الدنيا كما جاء ذلك في الآية الثانية حيث قال سبحانه : . (١) ( فآتاهم االله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ) ولو أراد وحدة الثواب لأخبر بأن المحسن يجازي بالثواب من دون تفصيل ، ويبقى الثواب على إطلاقه ليشمل كلا الثوابين : الدنيوي والأخروي . وقد يقال في بيان الفرق بين الثوابين : أن ثواب الدنيا ما يعود إلى الرزق ، وعدم الابتلاء بالحاجة إلى الغير ، وحسن السمعة بين الناس ، ومنح المحسن العمر الطويل ، وما شاكل من القضايا التي يكون النفع فيها واصلاً إلى المحسنين في هذه الحياة . وأما ثواب الآخرة : فهو الجنة والنعيم الدائم . النقطة الثالثة : الأمر بالإحسان مضافاً إلى محبة االله للمحسن وقد جاء ذلك في الآية الثالثة في قوله تعالى : « وأحسنوا أن االله يحب المحسنين » وكما جاء في آية أخرى قال فيه سبحانه : . (٢) ( إن االله يأمر بالعدل والإحسان ) ولو لم نقل بأن الأمر في هذه الآية يدل على الوجوب الإلزامي بالعمل بالإحسان إلى الآخرين فلا أقل من القول بشدة مجبوبيته له سبحانه . ____________ (١) سورة آل عمران | آية : ١٤٨ . (٢) سورة النحل | آية : ٩٠ .
=============== ( ١٧٩ )
النقطة الرابعة : أن الآية الثانية قد اشتملت على أمرين : الآول : ان االله يمنح الثواب لمن أحسن في الدنيا قبل الآخرة :
الثاني : بيان أن االله يحب المحسن . ومن هنا نقول : لسائل أن يطلب التوضيح عما يكتنف هذه الآية من غموض بالنسبة لمحبة االله للمحسن ، وما تأثيرها بعد أن ضمن االله له الثوابين ، وعلى الأخص بعد أن فسر ثواب الآخرة بالجنة ، فمن وعد بالجنة ما يصنع بثواب الدنيا ؟ . والجواب عن ذلك : أن محبة االله لعبده نوع تكريم من االله لعبده فهو بهذا الانعطاف إليه يحيطه بهذه الرعاية الخاصة ، وهذا اللطف الآلهي ، فيجعل المحسن محبوباً إليه . ان المحسن له الحق أن يفتخر بهذا الشرف الرفيع ، وإن كان قد منحه االله الجنة في الآخرة وهذا هو ثوابه في الدنيا ومحبة االله له . ويتجلى هذا اللطف الكريم من خلال الآية التي رعت المحسن ، فمنحته شرف رعاية االله له بمعيته فقال سبحانه : . (١) ( إن االله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) والإحسان في هذا الآيات ، وإن كان عاماً يشمل الإنفاق وغيره ، ولكن ـ كما قلنا ـ أن الإنفاق أحد مصاديق الإحسان ، ويكفي للمنفق أن يكون من جملة من يشمله اطلاق هذه الآيات الكريمة التي تشكل من حيث المجموع ترغيباً وتشويقاً للإنسان في الإنفاق باعتباره إحساناً إلى الغير . ____________ (١) سورة النحل | آية : ١٢٨ .